الحرب على الشعب الفلسطيني عبر “الأونروا”

التصنيفات : |
أكتوبر 6, 2021 4:24 م

*فادي أبو حلاوة

أثار الإتفاق الأخير الذي أُبرم بين الإدارة الأمريكية و”الأونروا” ردود فعل عنيفة من قبل مختلف الفصائل الفلسطينية والمُنظمات الشعبية والحقوقية في الداخل والخارج، والتي دعت إلى إسقاط “إتفاق الإطار” بين “الأونروا” والولايات المتحدة الأمريكية.

وكانت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الأمم المتحدة “الأونروا” قد وقّعت إتفاقاً منتصف أيار/مايو الفائت مع مكتب السكان والهجرة واللاجئين في وزارة الخارجية الأمريكية تتعهّد بموجبه الوكالة باعتماد مجموعة من الإجراءات فيما يتعلق باللاجئين الفلسطينيين بما يتوافق مع الرؤية الأمريكية.

ويشترط الجانب الأمريكي، من جملة تلك الإملاءات، استبعاد اللاجئين الفلسطينيين الذين تلقّوا تدريبات عسكرية، من مساعدات الوكالة الأممية بحجة مكافحة الإرهاب.

وجاء في نصّ الإتفاق: “إنّ الولايات المتحدة لن تقوم بتقديم أيّة مساهمات إلى “الأونروا” إلاّ بشرط أن تتخذ “الأونروا” كافة التدابير المُمكنة لضمان عدم استخدام أيّ جزء من مساهمة الولايات المُتحدة في تقديم المساعدة لأيّ لاجئ يتلقّى تدريباً عسكرياً كعضو في ما يُسمى بجيش التحرير الفلسطيني، أو أيّة منظمة أخرى، تتبنّى أسلوب حرب العصابات أو أيّاً ممن شاركوا في أيّ عمل إرهابي”.

وكانت الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترامب قد أعلنت عن إيقاف مساهمتها في الموازنة الدوليّة للوكالة الأمميّة والتي تبلغ 300 مليون دولار (من أصل 1.4 مليار تشكّل التزامات باقي الدول المساهمة) في الوقت الذي كانت فيه “الأونروا” تكافح من أجل تأمين الموازنة اللازمة لتشغيل برامج إغاثة لـ5.6 مليون لاجئ فلسطيني، ولا سيّما في قطاعي الصحة والتعليم.

وفي أعقاب الإعلان الأمريكي مباشرة جاء ردّ “الأونروا” على لسان مفوّضها العام بيير كرينبول خلال مؤتمر صحفي عُقد في غزة بإطلاق حملة “الكرامة لا تُقدّر بثمن” لجمع التبرعات المالية العاجلة للوكالة. إذ صرّح قائلاً: “نُطلق الحملة بسبب التقليص المالي الدراماتيكي الذي قامت به الولايات المتحدة، وهذه أزمة غير مسبوقة، وكان قراراً مفاجئاً وضارّا.

كما أعرب عن الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني، حيث قال: “في كل مكان نحن نقف إلى جانبكم كشهود على قضيتكم التاريخية”.

شيطنة إسرائيل

في حين شهد الربع الأخير من العام 2015 حملة “إسرائيليّة” أمريكية شرسة ومُنسّقة على “الأونروا” في الأمم المتحدة تُشكك في مبرّر وجودها سياسياً وأخلاقيا، بهدف تقويض هذا الوجود. ووجّهت الحملة الإتّهام لـ”الأونروا” بأنّها تُشكّل “عقبة أمام السلام”، وبأنّها تعمل على “إدامة الصراع العربي/الإسرائيلي”، وبأنّها تُطبّق معايير مزدوجة عندما لا تُعيد توطين اللاجئين الفلسطينيين ضمن المفوضيّة السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وبأنّ مجرد تخصيص منظمة من منظمات الأمم المتحدة لكي تُعنى بالفلسطينيين دون غيرهم من لاجئي العالم يُعدّ بمثابة “انحياز مُمنهج من قبل نظام الأمم المتحدة ضد إسرائيل”. وقد طالت الحملة أيضاً مناهج التدريس التي تعتمدها “الأونروا”، والتي تتّبع مناهج الدول المُضيفة في كل منطقة على حدى، فوصفتها بأنّها تعمل على “شيطنة إسرائيل”.

وفي حزيران/يونيو 2017 طالب رئيس حكومة الكيان بنيامين نتنياهو بـ”تفكيك وكالة “الأونروا”، ودمج أجزائها في المفوضيّة السامية لشؤون اللاجئين”. وصرّح بأنّه أبلغ السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي، أنّه يجب النظر في استمرار عمل “الأونروا”، متهماً الوكالة بالتحريض ضد “إسرائيل” لأنّه “من خلال وجودها وأنشطتها تساهم في استدامة مشكلة اللاجئين”.

عموما، إنّ الضغط الأمريكي- الصهيوني لتحجيم دور الوكالة ومن ثم إنهائها بالكامل ليس بالسياسة الجديدة، فقد دأبت الأوساط النافذة في كل من واشنطن وتل أبيب على مهاجمة “الأونروا” طيلة عقود واستهداف الوكالة وممارسة الضغوط عليها، وطرح سيناريوهات مختلفة من أجل تقويضها والحصول على قرار من الأمم المتحدة بحلّها. كما تعرّضت مُنشآت “الأونروا” إلى القصف المُتعمّد من قبل قوات الاحتلال براً وجواً خلال الإنتفاضة الثانية والحروب الأخيرة على غزة. ويعود السبب الحقيقي الكامن وراء الهجوم إلى كونها، إلى جانب الدور الإنساني المنُوط بها، تُشكّل برمزيتها السياسية شاهداً أمميّاً على مأساة اللاجئين الفلسطينيين ومسؤولية الصهاينة وحلفائهم، ومعاناة ما يقارب الستة ملايين لاجئ تعترف الأمم المتحدة بحقّهم وفق القرار رقم 194 في العودة إلى الأراضي التي شُرّدوا منها وتقرير مصيرهم على أرضهم.

فقد جاء إنشاء وكالة الغوث “الأونروا” من قبل الجمعية العمومية للأمم المتحدة بموجب قرارها رقم 302 بتاريخ 08-12-1949، وذلك في أعقاب فشل حلّ مشكلة اللاجئين في مؤتمر لوزان. وبالتالي فإنّ إنهاء “الأونروا” يُزيح من الطريق عقبة أمام مشروع شطب “حق العودة” وإلغاء كلمة “لاجئين” من التداوّل.

تمرير صفقة القرن عبر الأونروا

ومن جهة أخرى، تستخدم الإدارة الأمريكية بالتنسيق مع الصهاينة “الأونروا” كوسيلة لابتزاز الفلسطينيين للقبول بشروط المشروع الصهيو- أمريكي، وخاصة فيما يتعلّق بموقف الفلسطينيين من المقاومة المُسلّحة في وجه الاحتلال الصهيوني. وفي عهد إدارة ترامب كانت سياسة تجفيف موارد “الأونروا” من ضمن سيناريو شامل لفرض صفقة سياسية تاريخية على الفلسطينيين بشروط أمريكية عُرفت بـ”صفقة القرن”، وتزامنت مع اعتراف الإدارة الأمريكية بالقدس عاصمة أبدية لـ”إسرائيل”.

إنّ إعلان وقف مساهمة أمريكا في ميزانية “الأونروا” جاء ضمن مخططٍ وضعه رؤوس إدارة ترامب بدءًا بصهره ومستشاره جاريد كوشنر “مهندس صفقة القرن”، مروراً بكبير موظفي البيت الأبيض، جون كيلي، وصولاً إلى مستشار الأمن القومي، هربرت ماكماستر، وهدفه فرض رؤية ترامب ونتانياهو على المجتمع الدولي.

وإنّ عزم إدارة بايدن استئناف دعمها المالي للوكالة بشروط، يتوافق مع الرؤية الأمريكية – الصهيونية، ويتطلّب رفضاً حازماً من قبل المجتمع الدولي مُتمثّلاً بالأمم المتحدة لرضوخ “الأونروا” لأية شروط في تقديم مساعداتها للاجئين، فالمجتمع الدولي مسؤول بشكل مباشر عن استمرار معاناة الملايين من اللاجئين الفلسطينيين من خلال عجزه عن إجبار “تل أبيب” على تنفيذ القرارات الدولية، وعجزه أمام انتهاكاتها المُتكررة لحقوق الإنسان وكونها قوة احتلال استيطاني إلغائي تنتهج سياسة الفصل العنصري، ولا بد بالتالي من أن يكون مصيرها كمصير نظام الفصل العنصري البائد في جنوب أفريقيا الذي سقط بعد مقاطعته من قبل المجتمع الدولي.  

*كاتب فلسطيني


وسوم :
, , , , , , , , ,