عن غزة الجريحة بعد العدوان.. هل تصبح خبراً هامشياً في وسائل الإعلام؟

التصنيفات : |
أغسطس 9, 2022 8:22 ص

*وسام عبد الله

تشدّ انتباهنا أخبار الحروب بصورها القادمة من استهداف قيادات المقاومة والمدنيين في قطاع غزة، ولكن قبل يوم من العدوان وبعد إعلان الهدنة، ما الذي يعنينا من أخبار القطاع المحاصر، هل نهتم لحياة الغزّيين في تفاصيلها بعيداً عن المواقف السياسية للفصائل والحروب على كل صنوف الحياة فيها؟.

الخبر الفلسطيني

سنة 2004 إغتيل القيادي في حركة حماس عبد العزيز الرنتيسي، حينها طُلب من الأساتذة في مدرستنا بدمشق التوقف عن إكمال الحصة الدراسية والحديث معنا، كطلاب في الثانوية، عن فلسطين والمقاومة والشهداء. وفي ذلك الزمن، كانت مدن عربية عدة تخرج بمظاهرات داعماً للقضية الفلسطينية، وإن كانت تُطرح تساؤلات عن مدى فعاليتها على المدى البعيد إلا أنّها كانت تبقى تعبيراً عن رأي المجتمعات العربية. الكثير من الأوضاع تبدّلت بين تلك المرحلة وأيامنا، وأصبحت الشعوب العربية غارقة في مشاكلها الإقتصادية التي تدفعها للقول، إنّ همّها الأول تأمين لقمة عيشها بكرامة قبل أي قضية أخرى، والأمر الثاني هو وجود وسائل التواصل الإجتماعي التي ساهمت في نشر أخبار القضية الفلسطينية بشكل أوسع ولكنّها في الوقت نفسه تملك خاصية تفريغ القضايا من استمراريتها والإكتفاء بلحظة الخبر والحدث وينتهي مع انخفاض مستوى التفاعل معه. وبين المرحلتين،  يستمر العدوان على فلسطين يومياً وبأشكال مختلفة، ولكنّ صوت السلاح وصور الشهداء والدمار تجذب العين أكثر، كما هو لون الخبر العاجل الأحمر، الذي أصبح يصلنا من صفحات الناشطين الفلسطنيين قبل وكالات الأنباء. فنحن أمام حالة نفسية طبيعية في طريقة تعاملنا مع الخبر، ولكنّ المسألة الأساسية هي قبل الحدث وما بعده.

إنّ المشهد الفلسطيني لا يعود بنفس مستوى المتابعة لدى كثيرين كما هو الحال في لحظة مشاهد سيارات الإسعاف وهي تنقل جثث الشهداء والجرحى إلى المستشفيات

ما بعد الهدنة

أُعلن في وسائل الإعلام عن وقف إطلاق النار بوساطة مصرية وقطرية، واستأنفت محطات التلفزة بثّ برامجها العادية وكأنّ الأمر انتهى هنا. إنّ تداعيات العدوان على غزة، ومختلف المناطق الفلسطينية، تكون نتائجها أكثر ألماً من لحظة المواجهة العسكرية، فعدد المجازر التي ارتُكبت بحقّ الفلسطينيين، والأضرار المادية التي خلّفتها الغارات الإسرائيلية على القطاع المحاصر، والدمار في البنى التحتية المتهالكة، إضافة إلى المواقف السياسية الفلسطينية والعربية والدولية، إنّ المشهد الفلسطيني لا يعود بنفس مستوى المتابعة لدى كثيرين كما هو الحال في لحظة مشاهد سيارات الإسعاف وهي تنقل جثث الشهداء والجرحى إلى المستشفيات.

الصمود يستحقّ المتابعة

من الشيخ جرّاح في القدس إلى غزة ومنها إلى مخيّمات اللاجئين، تذهب بنا عدسات الكاميرات إلى المواجهة بين المحتل وأصحاب الأرض، وينخفض عددها بعد التهدئة المؤقتة، وربما هذا هو المطلوب من الوسائل الإعلامية في اهتمامها بالخبر، ولكن، ثمة صحافيون ونشطاء يعملون على نقل الصورة ما بعد العدوان ومشاهد توصّف الفلسطيني المبدع في مختلف مناحي الحياة، العملية والفكرية والمفطور على الإستئناف، هنا يكون السلوك المطلوب التوجّه والمتابعة والدعم للمبادرات الفلسطينية، على الرغم من الأوضاع المأزومة في عالمنا العربي.  

في القرون الوسطى، كان الملوك يطلبون من التشكيليين أن يرسموا لوحات تعبّر عن انتصاراتهم في الحروب والقوة العسكرية التي يمتلكونها في محاولة لتمجيد أنفسهم وبذات الوقت التأثير على الأعداء، وهو ما يصحّ تسميته بـ”الحرب النفسية”، فكانت مشهدية الحرب هي الأساس، أما في فلسطين فالمشهد أوسع.

في القرون الوسطى، كان الملوك يطلبون من التشكيليين أن يرسموا لوحات تعبّر عن انتصاراتهم في الحروب والقوة العسكرية التي يمتلكونها في محاولة لتمجيد أنفسهم وبذات الوقت التأثير على الأعداء، وهو ما يصحّ تسميته بـ”الحرب النفسية”، فكانت مشهدية الحرب هي الأساس، أما في فلسطين فالمشهد أوسع.

نحن بحاجة إلى تكبير المشهد أكثر بالصوت والصورة، وحتى من خلال الفنون المتنوعة، فمن سرْد قصص قيادات المقاومة عبر تقنيات الفيديو ودورهم في مواجهة العدو الصهيوني، والحوار مع شباب غزة عن حياتهم ودراستهم وهواياتهم، وعن الصيادين والتحديات التي تواجههم مثلا، هذه القصص الممتدة على كامل الأراضي الفلسطينية يجب أن تصبح خبراً يومياً وليس التميّز فقط في نقل أخبار الحرب والدمار النفسي في جسد فلسطين، لأنّ النهوض من تحت الأنقاض يستوجب منّا تخصيص مساحات على شاشاتنا العربية دعماً لهذا الشعب الذي يعاني الظلم على مدى أزمنة النكبة وامتداد الحصار عليه في كل مفاصل الحياة.

بحسب العديد من الدراسات، فإنّ لأخبار الحرب تأثير كبير على الحالة النفسية والسلوكية  للأفراد الذين يتعرّضون لها بشكل دائم، والبعض يخشى أن تصبح مشاهد القتل عادية مع انخفاض مستوى هرمون التوتر، وهو ما قد يفسر ابتعاد الكثيرين عن متابعة المشاهد القاسية، ولكن، هذا لا يعني عدم الإهتمام بالقضية، فالتوازن له أهميته للحفاظ على الصحة النفسية، وهو ما يمكن دعمه من خلال العمل الإنساني الذي يساهم في تخفيف الإضطرابات وتفريغ شدّ العصب، وتوجيه برامجنا لدعم الشباب الفلسطيني في صموده ومقاومته، حينها لا تصبح أخبار غزة جزءاً من متباعاتنا على وسائل التواصل الإجتماعي حين تختفي عن نشرات الأخبار في محطاتنا الإعلامية. 

*كاتب لبناني


وسوم :
, , , , , , , , , , , , , ,