التحذير الاستراتيجي: “إسرائيل” ولحظة الانكشاف

التصنيفات : |
مارس 27, 2023 8:40 ص

*أحمد الطناني – غزة:

تتصاعد الأزمة الداخلية في كيان الاحتلال، وتصل إلى مراحل لم تصل لها سابقا، ولامست مربعات كان يعتقدها الجميع أنّها محصّنة، لا تشوبها شائبة، ولا يُكسر تماسكها، وفي مقدمتها المنظومتين العسكرية والأمنية الجدار المتقدم في تحصين هذا الكيان ومواجهة التحديات التي تواجهه.

قسمت التعديلات القضائية التي قدمها الائتلاف الحكومي الذي يقود كيان الاحتلال إلى انقسام حاد في الشارع “الإسرائيلي” حشدت خلاله المعارضة الجماهير في شوارع فلسطين المحتلة لأسابيع وما زالت، وتحرك قادة الجيش السابقين ومجموعة من الرتب المتقدمة في الجيش وقوات الاحتياط للتحشيد والضغط من أجل إيقاف إقرار التعديلات القضائية، ووصلت الاحتجاجات حد التمرد في صفوف جنود الاحتياط في كيان الاحتلال، والطيارين وضباط النخبة، وصولاً لجنود الجيش النظامي، إضافة للأجهزة الأمنية في الكيان.

تحرك وزير الدفاع في حكومة الاحتلال (وهو معروف بأنّه مُقرّب من نتنياهو ومتماهي معه سياسيا) وعقد لقاءات مكوكية، وصلت فيه لحد الخروج عن موقف “نتنياهو” والإعلان عن مطالبته بإيقاف التعديلات القضائية نظراً لحجم الخطر الأمني الذي بدأ يتصاعد حول الكيان، وتصاعد فعل خصوم “إسرائيل” والإشارات الساخنة المتتالية من كل الجبهات.

تعكس محتويات التحذير حجم الأزمة التي يعيشها الكيان، واللحظة التاريخية الفارقة التي تحل فيها هذه الأزمة التي تسمح بتعاظم مخاطر التحديات التي تحيط بالاحتلال

دفع تصاعد الاحتجاجات إلى تداعي معهد دراسات الأمن القومي لإصدار “تحذير استراتيجي” يأتي في سياق إطلاق نداء وتحذير استراتيجي من المعهد المختص بالدراسات الاستراتيجية لمستويات صنع القرار في كيان الاحتلال، وتعكس محتويات التحذير حجم الأزمة التي يعيشها الكيان، واللحظة التاريخية الفارقة التي تحل فيها هذه الأزمة التي تسمح بتعاظم مخاطر التحديات التي تحيط بالاحتلال والتي تتمثّل بـ3 تحديات رئيسية، الأمن، العلاقات الخارجية وخصوصاً الولايات المتحدة، والأزمة الاقتصادية. ويُشخص التقرير بوضوح مدى عمق الأزمة التي يعشيها كيان الاحتلال وحجم استشعار المختصين والمحللين في الكيان وفي مقدمتهم معهد أبحاث الأمن القومي على أهميته وعمق تحليلاته.

تعمّق الشرخ في صورة “جيش الشعب”

يرى التقرير أنّ المضي في التعديلات القضائية بشكلها الحالي يضع المجتمع في الكيان أمام انقسامات غير مسبوقة، ويهدد قطاعات حيوية لم تتأثر سابقاً والأهم فيها الأضرار التي لحقت بجيش الاحتلال بوصفه المنظمة الوحيدة التي كانت دائماً فوق كل الخلافات الداخلية، وعلى الاستعداد للخدمة فيه، ويشخّص التأثير الشديد خاصة على أولئك الذين يخدمون في الاحتياط لا سيما في وحدات النخبة من المتطوعين، القوات الجوية والوحدات الخاصة والاستخبارات العسكرية، إضافة لتأثير المقترحات على تنظير “بن غوريون” للجيش بصفته “جيش الشعب”، إضافة لجرح فكرة التماسك والثقة المتبادلة داخل فرق الجيش، وفي ما بينها وبين قادتها.

ويضيف التقرير أنّ الانشغال بالصراع الداخلي يستحوذ على اهتمام الحكومة وحتى الجهاز الأمني والنخب السياسية والسياسية والأمنية بأكملها إليه، بالتالي يقوِّض مباشرة قدرتها على التعامل مع القضايا الأمنية الملحّة، إيران والجبهة الفلسطينية لا سيما في الضفة الغربية، والجبهة الشمالية. هذا بالطبع صحيح أيضاً في ما يتعلق بالوضع الاقتصادي والعلاقات مع الولايات المتحدة.

الجبهات الأمنية الأسخن، وأزمة العلاقات الدولية

يلخص التقرير التحدي الأمني والمتمثل بـ3 جبهات رئيسية: الأولى، هي الجبهة الإيرانية التي تتحول لدولة ذات عتبة نووية، تكتسب خبرة عسكرية قيّمة في حرب أوكرانيا، وسعي إيران إلى تعميق نفوذها الإقليمي، وتوطيد علاقاتها مع جيرانها في الخليج، برعاية الصين. في ما تحل الجبهة الفلسطينية ثانياً عبر تصاعد الفعل المقاوم، وضعف السلطة الفلسطينية وتنامي مجموعات المقاومة مثل “عرين الأسود”، وحلول شهر رمضان واقتراب احتمال تصعيد واسع، خاصة في القدس. ويحل ثالثاً “حزب الله” الذي يصفه التقرير بأنّه بات أكثر عدوانية، رابطاً ذلك بـ”تآكل الردع”.

إنّ خصوم “إسرائيل” يعون تماماً عمق الأزمة الموجودة في الكيان داخليا، والتأثير الواضح لطبيعة العلاقات مع الولايات المتحدة، وهذا سينعكس على حاجة “إسرائيل” إلى توسيع وتطوير اتفاقيات “أبراهام” التطبيعية، حيث سيؤدي غياب الولايات المتحدة إلى ضعف هذا المسار

يلفت التقرير النظر إلى حجم الإنكشاف الذي يعيشه الاحتلال أمام التحديات الرئيسية التي تحلق حول الكيان الصهيوني، ويرى أنّ خصوم “إسرائيل” يعون تماماً عمق الأزمة الموجودة في الكيان داخليا، والتأثير الواضح لطبيعة العلاقات مع الولايات المتحدة، والنخب في العالم التي كانت ترى في “إسرائيل” دولة ديمقراطية، واليوم باتت صورتها بأنّها “دولة” تقوض الديمقراطية، إضافة لأنّ هذا التأثر في العلاقات مع الولايات المتحدة سينعكس على حاجة “إسرائيل” إلى توسيع وتطوير اتفاقيات “أبراهام” التطبيعية، حيث سيؤدي غياب الولايات المتحدة إلى ضعف هذا المسار.

الاقتصاد وهروب رأس المال

 يرى التقرير تحدياً كبيراً  بات مؤرقاً والذي يتمثّل بالأزمة الاقتصادية وضعف “الشيكل” بفعل تأثير الأزمة الداخلية وهروب رؤوس الأموال من كيان الاحتلال، في ما يُطل شبح أزمة عالية حيث ظهرت هشاشة النظام المالي العالمي بوضوح أثر الانهيار المفاجئ لبنك “SVB”، في ما تزداد التحذيرات من أن ينخفض ​​التصنيف الائتماني لـ”إسرائيل” والعواقب الوخيمة لذلك على الاقتصاد في حال الاستمرار في إقرار التشريعات القضائية.

إنّ المضي قدماً في الإصلاح سيزيد من تقليص المرونة الاجتماعية، ويحط من الروح التي تحرّك جيش الاحتلال وقدراته العملياتية، ويقوّض قدرة “إسرائيل” على مواجهة خصومها والحفاظ على دعم أصدقائها، لا سيما الولايات المتحدة، ويُضعف اقتصادها وقطاعها الرائد عالي التقنية أيضاً

يُشخص التقرير بوضوح أنّ الإصلاح القضائي قد أدى إلى مواجهة داخلية غير مسبوقة تُضعف المجتمع الإسرائيلي وتزيد التهديدات الأمنية والجيوسياسية والاقتصادية التي يواجهها.

ويحذّر من أنّ المضي قدماً في الإصلاح سيزيد من تقليص المرونة الاجتماعية، ويحط من الروح التي تحرّك جيش الاحتلال وقدراته العملياتية، ويقوّض قدرة “إسرائيل” على مواجهة خصومها والحفاظ على دعم أصدقائها، لا سيما الولايات المتحدة، ويُضعف اقتصادها وقطاعها الرائد عالي التقنية أيضا.

خلاصة:

إنّ تفاقم الأزمة الداخلية في الكيان يُمثّل فرصة حقيقية تستحق التدارس فلسطينياً في طرق وأدوات ووسائل تعميق الأزمة الداخلية، والهوامش التي يتيحها تعمُّق الأزمة ووصولها لقطاعات حيوية مثل الجيش وأجهزة الأمن والاستخبارات تفتح المجال أمام إمكانية استثمارها في توسيع الفعل النضالي خصوصاً في الضفة والقدس، وزيادة الضغط واستنزاف جيش الاحتلال خصوصاً في ضوء حالة التمرد الناشئة في قوات الاحتياط احتجاجاً على التعديلات التشريعية والقضائية.

حالة النفور الأمريكي من الحكومة الإسرائيلية الحالية والتراجع الأمريكي في الشرق الأوسط هي فرصة مهمة لتشديد الهجوم على دول التطبيع ودفعها للتراجع عن خياراتها، خصوصاً في ضوء بحث غالبية دول المنطقة عن خيارات التسوية الذاتية وفتحها أفق التعاون مع الصين والانفتاح على إيران والبدء بمسارات انفتاح على سوريا، سيساهم ضعف الكيان وغيابه عن تقديم خدمات حيوية لهذه الدول، والغياب الأمريكي المتوسع في إضعاف جبهة التطبيع العربية وتقوية جبهة المقاومة والممانعة، وهو ما يحتاج إلى استراتيجيات وطنية تستثمر في هذه اللحظة التاريخية لإعادة العمق العربي للقضية الفلسطينية لحالته الطبيعية.

*كاتب فلسطيني


وسوم :
, , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , ,