“طوفان الأقصى”: أن تُعيد تشكيل التاريخ

التصنيفات : |
أكتوبر 9, 2023 6:47 ص

*أحمد الطناني – غزة:

هجوم غير مسبوق نفّذته المقاومة في قطاع غزة على مستوطنات “غلاف غزة”، اقتحم عبره المئات من مقاتلي الأجنحة العسكرية لفصائل المقاومة تحت غطاء ناري كثيف من الراجمات الصاروخية والمدفعية، المغتصبات الصهيونية، ودُشنت عبر المقاومة مرحلة جديدة تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي.

القائد العام لكتائب القسام محمد الضيف كان صاحب الإعلان الأول عن بداية معركة “طوفان الأقصى”، التي جاءت رداً على “عربدة الاحتلال في المسجد الأقصى”، معلنًا إطلاق أكثر من 5 آلاف صاروخ وقذيفة خلال الضربة الأولى، ودعا إلى توسيع المعركة عبر الانخراط الجدي بكل الوسائل المتاحة للمقاومين في الضفة الغربية والشعب الفلسطيني بالداخل المحتل، إضافة لدعوة محور المقاومة في ايران وسوريا ولبنان والعراق واليمن إلى “التحام الجبهات والرايات”، وحثّ قائد القسام “إخوتنا في الجزائر والمغرب والأردن ومصر وبقية الدول العربية على التحرّك وتلبية النداء”، مؤكداً أنّ “الأوان لأن تتحد المقاومة العربية قد آن”.

صدمة في الميدان والوعي

ساعات قليلة، نجحت فيها المقاومة في الإجهاز على القدرات الدفاعية لجيش الاحتلال وتحييد قوات الشرطة والأمن في مستوطنات غلاف غزة، حوّلت السياج الفاصل ما بين قطاع غزة والأراضي المحتلة، إلى ساحة مفتوحة، زحف عبرها مئات من أبناء الشعب الفلسطيني خلف المقاومين إلى الأراضي المحتلة، لتتهاوى تحت أقدامهم معسكرات العشرات من دشن وتحصينات وآليات جيش الاحتلال.

مشاهد مصورة من المقاتلين وكاميرات المقاتلين كشفت مدى هشاشة “الجيش الذي لا يُقهر” حيث كان واضحاً تفوّق المقاوم الفلسطيني على جنود جيش الاحتلال الذين غلبهم الذهول من هول المشهد، ووجود مقاتلي المقاومة الفلسطينية فوق رؤوسهم وفي مناماتهم بشكل مباغت ودون سابق إنذار.

في أكتوبر 2023 داست المقاومة على هذه الأسطورة، واختتمت تراكماً تدريجياً منذ سنوات لإنهاء زمن الانتصارات الصهيونية والهزائم العربية

الصورة التي بناها الاحتلال عبر سنوات من الدعاية بكون جيشه من أقوى جيوش العالم، والردع الذي عززته هذه الصورة على مدار عقود بداية من النكبة وتهجير الشعب الفلسطيني، مروراً بهزيمة الجيوش العربية، وليس انتهاء باجتياح بيروت عام 1982، بدأت تتهشم منذ حرب تموز 2006 مع حزب الله، وليس انتهاء بالحروب مع قطاع غزة في 2008، 2012، 2014، 2021.

في أكتوبر 2023 داست المقاومة على هذه الأسطورة، واختتمت تراكماً تدريجياً منذ سنوات لإنهاء زمن الانتصارات الصهيونية والهزائم العربية، ليكون المشهد اليوم هو الانتصار الواضح والصريح للمقاومة بشكل لا لبس فيه، وليس انتصاراً تكتيكيا، بل هو تدشين استراتيجي لمعادلة جديدة.

سنوات من تدريبات المقاومة وعجرفة الاحتلال

لربما كان صادماً للاحتلال ما جرى، ولم يستوعب لساعات الضربة الأولى، وذلك يعود، إلى جانب عنصر المفاجأة في الهجوم، إلى عجرفة الاحتلال وعجزه عن إدراك أن المقاومة ستتمتع بالجرأة الكافية لتنفيذ العديد من السيناريوهات التي تدرب عليها مقاتلوها.

بالعودة إلى الكثير من المواد الإعلامية لتدريبات المقاومة في قطاع غزة، منذ سنوات، إضافة للمناورات التي نفّذتها الأجنحة العسكرية والغرفة المشتركة، وكان آخرها مناورة “الركن الشديد 4” بمشاركة جماعية من مختلف الفصائل بالقطاع، والتي حاكت في جزء أساسي من سيناريوهاتها ما يجري على أرض الواقع في معركة “طوفان الأقصى”.

ذات العجرفة لم تسمح له بالتعامل مع تدريبات ومناورات المقاومة بجدية، واعتبارها جزءاً من الكلاشيهات الدعائية

كل من يقطن في قطاع غزة، أو يتابع أنشطة المقاومة عن كثب، يعلم تماماً أنّ اقتحام المدن والمستوطنات، وخطف الجنود والمستوطنين، والتمركز والمناورة داخل المدن، وتكتيكات حرب العصابات وحرب المدن، لعشرات الآلاف من شبان القطاع، الذين ينتظرون منذ سنوات هذه اللحظة التي سيمرغون فيها رأس جنود الاحتلال في التراب.

كما لم تسمح عجرفة الاحتلال بتصديق المعلومة التي وصلته قبل حرب أكتوبر 1973 حول موعد شن الحرب وتقديره أنّ الأمر غير جدي، ذات العجرفة لم تسمح له بالتعامل مع تدريبات ومناورات المقاومة بجدية، واعتبارها جزءاً من الكلاشيهات الدعائية.

عملية استباقية

نفّذت المقاومة عمليتها بعد أن حسمت تقديرها حول نوايا الاحتلال العدائية، واستمرار حكومة الاحتلال الفاشية بالتعدي على المقدسات والثوابت الفلسطينية، والمضي في مخطط التصفية وابتلاع الأرض، إلى جانب النية الغادرة باستهداف قيادة المقاومة في قطاع غزة أو خارجه، كرد على تصاعد العمل الفدائي في الضفة الغربية.

إنّ حرمان الاحتلال من عنصر المفاجأة في شن عدوانه، يمثّل استراتيجية ناجحة تُسهم في دخول المقاومة للمواجهة وهي جاهزة ميدانياً وأمنياً

المقاومة أخذت على عاتقها منذ العام 2012، أن لا تسمح للاحتلال بتوجيه ضربات غادرة لها، وبالتالي بادرت إلى فتح الاشتباك كلما حسمت تقديرها حول نوايا الاحتلال العدائية، وذلك ما حصل بالعام 2014، وبالعام 2021، إذ بادرت المقاومة ببدء الاشتباك وحرمان الاحتلال من سبق الضربة الأولى وعنصر المباغتة.

إنّ حرمان الاحتلال من عنصر المفاجأة في شن عدوانه، يمثّل استراتيجية ناجحة تُسهم في دخول المقاومة للمواجهة وهي جاهزة ميدانياً وأمنيا، حيث تستطيع تأمين مقدراتها التسليحية، وتذخير مرابض الصواريخ، وتأمين غرف القيادة والسيطرة، وتأمين قيادة المقاومة بعيداً عن أعين المراقبة الصهيونية.

إدارة عملياتية متماسكة وبنفس طويل

من المتابعة لسير المعركة، نلحظ بشكل واضح مدى تماسك غرف القيادة والتحكم لدى المقاومة، حيث يتمّ إدارة متكاملة لعمليات المواجهة داخل الأراضي المحتلة، واقتحام الحدود وإعادة الانتشار خارجها، وتوزيع محاور القتال على أوسع مساحة جغرافية في غلاف غزة، وإحداث أوسع حالة استنزاف لجيش وجنود الاحتلال.

لم تتمركز كل الخلايا المقتحمة داخل الأراضي المحتلة، حيث انسحب جزء منها وفق تكتيك متبع يضمن خطف أكبر عدد ممكن من الجنود والمستوطنين وتأمينهم داخل قطاع غزة

لم تتمركز كل الخلايا المقتحمة داخل الأراضي المحتلة، حيث انسحب جزء منها وفق تكتيك متبع يضمن خطف أكبر عدد ممكن من الجنود والمستوطنين وتأمينهم داخل قطاع غزة، إضافة لتأمين خطوط إمداد وتذخير للمجموعات المتمركزة داخل الأراضي المحتلة، وخطوط اتصال متماسكة مع الخلايا العاملة خلف خطوط العدو.

في ذات السياق تدير المقاومة نيرانها الصاروخية بإقتدار عالٍ ودون استنزاف، وهو ما يعكس إعداد نفسها لمعركة طويلة، حيث توجّه المقاومة رشقات صاروخية مركزة ارتباطاً بسير الأحداث على الأرض، وسلوك الاحتلال الإجرامي، وفق قواعد اشتباك تحددها وترسمها قيادة المقاومة، ومن جانب آخر تعمل مفارز المدفعية والهاون على تشكيل إسناد ناري للمجموعات العاملة خلف خطوط العدو، تسهم في تشتيت قدرة جيش الاحتلال على إعادة السيطرة على الأرض، ضمن عملية مشاغلة واستنزاف كبرى.

تكامل الجبهات

خطاب قادة المقاومة منذ انطلاق معركة “طوفان الأقصى” لا يخلو من التعبيرات الواضحة حول جاهزية الجبهات الأخرى للانخراط في المعركة التي بدأها قطاع غزة وليس بالضرورة أن تبقى محصورة بالقطاع، وهو ما يأتي استكمالاً لمسار برز واضحاً في السنوات الأخيرة من تطور التنسيق والتكامل العملياتي بين المقاومة في قطاع غزة وباقي مكونات محور المقاومة، وصولاً للإعلان عن وجود غرفة عمليات مشتركة تجمع كل هذه المكونات، وهي على خط اتصال ساخن.

“نتنياهو” يدرك بدوره تماماً خطر السيناريو الأكثر رعباً للكيان الصهيوني، وهو ما عبّر عنه في تحديد أولويات حكومته في مواجهة الهجوم من المقاومة، ووضع ضمنها تأمين الجبهات الأخرى لمواجهة أي محاولات لإشعال جبهات أخرى واستثمار الأحداث الحالية.

أجرى رئيس حكومة الاحتلال اتصاله مع الرئيس الفرنسي “ماكرون” طالباً تدخله لتحييد أي مشاركة محتملة للبنان في إسناد قطاع غزة، أو فتح جبهة مواجهة واسعة من شمال فلسطين المحتلة

“نتنياهو” عبّر عن مخاوفه من هذا السيناريو للرئيس الأمريكي “جو بايدن” الذي حذّر من محاولات أطراف أخرى استثمار ما يحدث لمهاجمة الكيان الصهيوني، مؤكداً دعم الولايات المتحدة المطلق للكيان.

في ذات السياق، أجرى رئيس حكومة الاحتلال اتصاله مع الرئيس الفرنسي “ماكرون” طالباً تدخله لتحييد أي مشاركة محتملة للبنان في إسناد قطاع غزة، أو فتح جبهة مواجهة واسعة من شمال فلسطين المحتلة.

يبحث “نتنياهو” عن أمنه في المكان الخاطئ، فلا مفر من مواجهة حركة التاريخ، التي باتت تعيد صياغتها المقاومة بعد سنوات من المراكمة والتطور وتعزيز خطوط التنسيق والتكامل بين الجبهات ومكونات محور المقاومة، حيث عززت كل جبهات المقاومة من تكتيكاتها وقدراتها بما يؤهلها لأن تدشّن مرحلة استراتيجية جديدة، تنهي إلى الأبد فكرة التفوق “الإسرائيلي”، واكتفاء المقاومة بالبقاء في مربع رد الفعل.

تقاوم غزة اليوم ليس لأجل غزة، وطوفانها من أجل الأقصى، هو طوفان ليعيد الكرامة العربية المهدورة، وليصوّب بوصلة الانهيار والتخاذل، ويوقف نزيف التطبيع والإذعان للاحتلال، ويشكّل مشهد التحرير من جديد، واستعادة صورة النصر العربي الكبير في أكتوبر 1973، في مشهد كان يجب أن يكتمل بتحرير الأراضي الفلسطينية، وهو ما تعيد صياغته المقاومة الفلسطينية في أكتوبر 2023، تقويماً لحركة التاريخ والصيرورة التاريخية بحتمية الانتصار.

*كاتب فلسطيني


وسوم :
, , , , , , , , , , , , , ,