ملف الأسرى الصاعق لمفاجآت المقاومة.. و”طوفان الأقصى” في بدايتها

التصنيفات : |
ديسمبر 5, 2023 7:33 ص

*رامي سلّوم

لم تنتهِ المواجهة الأخيرة بين المقاومة في غزة وقوات الاحتلال الإسرائيلي بعد، ويبدو أنّها لا تزال تختزن العديد من المفاجآت، التي ثبّتت قواعد اشتباك جديدة، وحقّقت جملة من الاختراقات النوعية والانتصارات التي يصعب عدّها، كما أنّها في الوقت نفسه أعادت التركيز على بوصلة المقاومة الرئيسية، ورسّخت منهجيتها واستراتيجيتها التي تتبناها خلال كافة ظروف المواجهة، في أن يكون ملف الأسرى هو “الصاعق والمفجّر” للمفاجآت التي نفّذتها وتحضّر لها المقاومة ضد العدو.

وعلى الرغم من انتهاء مدة الهدنة، وعودة العدو لتنفيذ جرائمه في القتل العشوائي، والتدمير، والتي تأكد عدم جدواها أو تحقيقها أية مكاسب، بل خلافاً لذلك أكدت فشله في مختلف ملفاته الأمنية، الأمر الذي يصيب الكيان في مقتله خصوصاً أنّه تأسس على كونه حاوية عسكرية صدئة، يصعب استمرار عيشها مع توالي الهزائم، وهي التوقعات التي توالت على ألسنة العديد من منظّري الكيان أنفسهم الذين باتوا يعبّرون صراحة عن خشيتهم من زوال الكيان الصهيوني، ما يشير إلى مدى إحباطهم.

فـ”إسرائيل” التي تحاول الهروب للأمام، تغرق كلما تقدّمت في وحول الخذلان والخسارة، مع حكومة ساقطة في الشارع، تحاول إبراز تطرفها علّها تلتقط بعض الرعاع المؤيدين لجرائمها، ونتنياهو الذي بدأ يدرك سقوط حكومته، ما يجعله يخرج من أبواب مكتبه لأحد سجون كيانه، تبعاً لملفات الفساد والجرائم التي تحاصره.

 مغامرون

أكدت الهدنة الأخيرة في غزة، واتفاقيات تبادل الأسرى التي تشملها، طبيعة الإستراتيجية الراسخة التي تتبناها المقاومة، ويمثّل “ملف الأسرى” في السجون الإسرائيلية بوصلتها الرئيسية، ومنطلقا ومحركا أساسيا لها.

لم تكن عملية طوفان الأقصى جزءاً من فراغ، كما حاول البعض توصيفها لإخراجها من سياقها، بل هي شهادة نجاح متكاملة للمقاومة، تستند إلى رؤية ثابتة وعمل مستمر، بوصلته الحقيقية الأسرى

وإضافة لما أبرزته الهدنة من إشارات واضحة على هزيمة الكيان الإسرائيلي ورضوخه، فهي تؤكد أيضاً أنّ عملية طوفان الأقصى التي انطلقت في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، لم تكن جزءاً من فراغ كما حاول البعض توصيفها لإخراجها من سياقها، بل هي شهادة نجاح متكاملة للمقاومة، تستند إلى رؤية ثابتة وعمل مستمر، بوصلته الحقيقية الأسرى.

لم تتأثر تلك المنهجية، التي تُذكرنا بـ”الوعد الصادق” في بعض تفاصيلها، بالتشويش السياسي والإقتصادي والإعلامي، الذي حاول العدو الإسرائيلي مع بقية الدول الراعية لجرائمه فرضها على الشارع والمنطقة، والتي وصلت لحد وصف المقاومين بالمغامرين، أسوة بالهجمة المنظّمة على حزب الله في عام 2006 ووصفهم أيضاً بالمغامرين، قبل جلاء الإنتصارات المستمرة حتى اليوم في إذلال العدو، وذعره وحساباته قبل أي خطوة في مواجهة الأبطال “المغامرين”.

على لسان القادة

إنّ من يدرك طبيعة عمل المقاومة والروحية التي تتبناها في استراتيجيتها، لا يمكن أن يفاجأ بالتزامها بنهجها لتحرير الأسرى، ولو فوجئ بإبداعات المقاومين لتحقيق هذا الهدف، والتي فاقت الخيال ابتكاراً ودقة وتضحية.

“إنّ ملف الأسرى هو أهم الملفات الموضوعة دائماً على طاولة القسام والتي تحظى بالأولوية لديها، وهناك جهد وعمل مستمران يساويان حجم هذا الملف، ومهما كانت الأثمان”
(أبو البراء)

فقد كان ملف الأسرى دائماً هو المحرك الرئيسي لخطوات المقاومة، وهو الملف الذي حدده بدقة مروان عيسى نائب القائد العام لكتائب القسام محمد الضيف، والرجل الثاني في القسام، خلال إحدى المقابلات الوثائقية النادرة معه، واصفاً ملف الأسرى في سجون الاحتلال “حرفيا” بأنّه سيكون الصاعق والمفجّر لكل المفاجآت ضد العدو.

وأكد مروان عيسى المعروف بـ”أبي البراء” وصاحب الباع الطويل وأحد المفاوضين الرئيسيين في مفاوضات الأسرى السابقة وقت صفقة شاليط، في واحد من ظهوراته النادرة، أنّ ملف الأسرى هو أهم الملفات الموضوعة دائماً على طاولة القسام والتي تحظى بالأولوية لديها، مشيراً إلى أنّ هناك جهداً وعملاً مستمرين يساويان حجم هذا الملف، ومهما كانت الأثمان.

عقدة التفوق

نجحت حركة حماس وكتائب القسام في اللعب على رغبات العدو مستغلةً أمنياته ودغدغة العقل الباطني لقياداته في السيطرة، وعقدة التفوق والإستعلاء الناتجة عن الإحساس  بالدونية، للإيحاء للعدو بأنّها اكتفت بالعمل السياسي بعيداً عن ميدان المقاومة، والأمر الذي يمكن إسقاطه بالنسبة لواقع المواجهة على الرغبة بجمع المال، وتشكيل الولاءات عبر التشغيل والرواتب والإعمار وغيرها، خصوصاً أنّ لـ”إسرائيل” تجربة تجدها رائعة بهذا الخصوص مع السلطة الفلسطينية، التي على ما يبدو قد أغلقت العملية الأخيرة ملفها نهائيا، ووصلت بها إلى خط النهائية، لتتخبط في رفض العملية ومحاولة إفشالها علها تجد مخرجا.

نجحت “القسام” في إيهام العدو بتخليها عن نهجها ونزوعها إلى تعزيز سلطتها، كما نجحت في إيهام العديد من المنظّرين العرب والفلسطينيين بذلك، وتحمّلت انتقادات لاذعة بهذا الشأن

ابتعدت “القسام” عن المواجهة والإنخراط في عمليات كبيرة أو هجمات خلال العديد من المفاصل الأخيرة، ومحاولات الاحتلال اقتحام مخيّم جنين مثال، وإن فعلت فبطريقة توحي بالحياء وعدم الجدية، ونجحت في إيهام العدو بتخليها عن نهجها ونزوعها إلى تعزيز سلطتها، كما نجحت في إيهام العديد من المنظّرين العرب والفلسطينيين بذلك، وتحمّلت انتقادات لاذعة بهذا الشأن، مستفيدة من الغباء الفطري للعدو الإسرائيلي، والذي رغم كل ما يملكه من دعم وأدوات غير أنّه يُثبت مرة بعد أخرى فطرته.

لقد أغلقت حكومة الكيان المتطرفة، ونهجها المتعجرف أفق أية عملية تبادل جديدة للأسرى مع وجود شاؤول آرون وآخرين من أسرى الاحتلال لدى المقاومة، والتي تمّ التعامل مع ملفاتهم بتجاهل من قِبل حكومات الكيان محمّلة نتنياهو مسؤولية صفقة شاليط التي عدّتها الحكومات الإسرائيلية بمجملها هزيمة لـ”إسرائيل”، وهذه حقيقة غير قابلة للتأويل.

ومن هذا المنطلق، ربما تمهلت المقاومة حتى وصول نتنياهو مرة أخرى إلى سدة الحكم، مستفيدة من براغمتيته وانتهازيته، للإستفادة منها في تمرير صفقة تبادل جديدة للأسرى، مدعومة برغبة الداعمين من الولايات المتحدة وأمثالها بتحقيق اختراق جديد في الشرق الأوسط عبر بوابة القضية الفلسطينية.

كانت المعطيات تشير إلى إمكانية قيام صفقة تبادل جديدة للأسرى، أجهضتها الحكومة المتطرفة التي يترأسها نتنياهو “إسميا”، عبر إجراءاتها للتنكيل بالأسرى، لتبدأ المقاومة تحريك ملف الأسرى بـ”طريقتها”، التي ستبقى محفورة بذاكرة العدو جيلاً بعد جيل

وبالتاكيد، فإنّ عقلية نتنياهو الإنتهازية كان من الممكن الرهان عليها، لقاء مقايضة سياسية ومكاسب شخصية، ومنها ضغط الحلفاء على مفاصل القرار الصهيونية لتمرير ملف فساده،  لحماية هذا الكيان من الانزلاق إلى واقع كان مقروءاً لجميع المراقبين الدوليين عن حالة الغليان التي تعيشها المنطقة عموماً وفلسطين خصوصا، حتى في الضفة الغربية المحتلة، وظهور مجموعات وتنظيمات مقاومة فاعلة مثل “عرين الاسود”.

وبالتالي، كانت المعطيات تشير إلى إمكانية قيام صفقة تبادل جديدة للأسرى، أجهضتها الحكومة المتطرفة التي يترأسها نتنياهو “إسميا”، عبر إجراءاتها للتنكيل بالأسرى، لتبدأ المقاومة تحريك ملف الأسرى بـ”طريقتها”، التي ستبقى محفورة بذاكرة العدو جيلاً بعد جيل.

إحراج ووعي

شملت الصفقة الأخيرة إطلاق أكثر من 150 أسيراً فلسطينياً من النساء والأطفال، مقابل إطلاق الفصائل نحو 50 إسرائيلياً من النساء والأطفال أيضا، والذين أسرتهم الفصائل الفلسطينية خلال العملية الأخيرة، ما فضح ممارسات العدو الصهيوني الذي وصف عملية طوفان الأقصى بالهمجية كونها تسببت بأسر مدنيين على ما يدّعي، لتبدو ممارساته جلية للعالم، وهو الذي يختطف الأطفال والنساء تحت اتهامات كاذبة في ظل سلطة فلسطينية مدجّنة. 

إنّ ما فرضته الهدنة من وقائع وفقاً لمحللين، عزّز واقع الوعي في مواجهة البروباغندا الصهيونية الأمريكية والإبراهيمية، برسوخ وثبات خطوات المقاومة التي تعرف جلياً أين تضع أقدامها، من دون مغامرة، أو مراهقة، كما حاول البعض وصفها في سياقات كثيرة مع أول أيام انطلاق  “الطوفان”.

تؤكد المعطيات أنّ “طوفان الأقصى” ما تزال في بدايتها من حيث حجم التداعيات المتوقعة للعملية على كافة الصعد، والتي ستبقي المنطقة في توتر قد لا تُحمد عُقباه على أصحاب التوجهات الداعمة للعدو

وغطّت مشاعر الإنتصار اليوم على ألم الحرب والمجازر، وأظهر الوجدان الشعبي تقبّله للشهادة كريما، ودعم الإنتصار عبر الاحتفالات التي عمت مناطق في الضفة المحتلة، ليس على وقع الهدنة، وإنّما لنجاح المقاومة في فرض شروطها والوصول إلى اتفاق تحرير جزئي للأسرى في صفقة مذلة للعدو، ليخرج فيها الأسرى مرفوعي الرأس مجدداً رغماً عن “جعجعة” بن غفير ومن لفّ لفيفه من الأعراب المتصهينين.

وتؤكد المعطيات أنّ “طوفان الأقصى” ما تزال في بدايتها من حيث حجم التداعيات المتوقعة للعملية على كافة الصعد، والتي ستبقي المنطقة في توتر قد لا تُحمد عُقباه على أصحاب التوجهات الداعمة للعدو، الذي بدأ يبحث في سبل الخروج، قبل نهوض الأرض لفرض سطوتها بطريقة قد تغيّر واقعاً عملت تلك القوى لعقود من الزمن على ترسيخه عبر شراء الذمم وافتعال الحروب والأزمات المكلفة، والذي قد يسقط كله في زلة قدم، أو استخفاف بالشعوب، وفي “طوفان الأقصى” تجربة مريرة للعدو في ذلك.

*كاتب سوري


وسوم :
, , , , , , , , , , , , , , ,