هل ينجح الضغط بالنار؟

التصنيفات : |
مارس 19, 2025 10:38 ص

*ثائر أبو عياش – الضفة المحتلة:

في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، اندلعت الحرب بين الاحتلال الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة. ومنذ ذلك الحين، شهدنا تصاعداً في الهجمات الإسرائيلية على القطاع، تخللتها فترات من التهدئة المؤقتة، ولكن سرعان ما استؤنف القصف من قِبل الاحتلال، وهو ما يمكن أن يراه البعض تكتيكاً عسكرياً يهدف إلى فرض إرادة الاحتلال على المقاومة الفلسطينية. في هذه الأوقات، يبرز التساؤل: هل ينجح الضغط بالنار؟ وكيف ستستمر المقاومة في صمودها في مواجهة هذا التصعيد المستمر؟.

كانت المفاوضات بين الاحتلال الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية في الفترة الأخيرة قد وصلت إلى طريق مسدود. وكانت هناك محاولات للوصول إلى هدنة أو تهدئة عبر وساطات دولية، بما في ذلك المقترحات الأمريكية، التي كانت تهدف إلى تحقيق استقرار مؤقت. إلا أنّ هذه المفاوضات قد باءت بالفشل، ولم تُفضِ إلى أي نتائج إيجابية من الطرفين. تمسكت المقاومة بموقفها الرافض للمقترحات الأمريكية، معتبرةً أنّها لا تضمن حقوق الشعب الفلسطيني ولا تتناسب مع تطلعاته في التحرر.

هذا الرفض له عدة أبعاد؛ الأول هو أنّ المقاومة تسعى لتحقيق مصالح وطنية استراتيجية تتجاوز حدود التهدئة قصيرة المدى، وتتمسك بحقوق الشعب الفلسطيني كاملة، بما في ذلك حقّ العودة وإقامة الدولة المستقلة. الثاني هو أنّ المقاومين يدركون جيداً أنّ المقترحات الأمريكية ما هي إلا محاولات لإرضاء الاحتلال وتحقيق أهدافه السياسية على حساب حقوق الفلسطينيين. وبالتالي، هذا الرفض يعكس إصرار المقاومة على أنّ الحرب ليست خياراً مؤقتا، بل هي جزء من استراتيجية طويلة الأمد لتحقيق أهداف أكبر.

يظهر من تصعيد الاحتلال أنّ قصف غزة ليس فقط رداً على الهجمات العسكرية، بل هو أيضاً محاولة من الاحتلال لتصدير أزماته الداخلية

يظهر من تصعيد الاحتلال أنّ قصف غزة ليس فقط رداً على الهجمات العسكرية، بل هو أيضاً محاولة من الاحتلال لتصدير أزماته الداخلية. يواجه الاحتلال تحديات عديدة داخليا، منها الاستقطاب السياسي الحاد، احتجاجات المواطنين ضد سياسات الحكومة، وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. في ظل هذا الوضع، يسعى الاحتلال إلى توجيه الأنظار بعيداً عن أزماته الداخلية عبر تصعيد الهجمات العسكرية، وهو ما يعكس محاولاته لإظهار القوة العسكرية أمام جمهور الداخل الإسرائيلي وتعزيز قاعدة الدعم الشعبي في مواجهة اليمين المتطرف.

من جهة أخرى، يسعى الاحتلال إلى تنفيذ مخططات تهجير جديدة ضمن سياسته في التعامل مع الفلسطينيين في غزة. هناك رؤية استراتيجية تهدف إلى تفريغ المنطقة من سكانها الأصليين، مما يساهم في تغيير ديموغرافي يحقّق مصلحة الاحتلال على المدى البعيد. هذه المخططات تتجلى في محاولات تهجير المدنيين الفلسطينيين قسراً من مناطقهم وتحويل قطاع غزة إلى “منطقة غير قابلة للسكن” من خلال الحصار والضغط العسكري المكثف.

ورغم محاولات الاحتلال المستمرة للضغط على المقاومة، بات من المؤكد أنّ المقاومة ستصمد في وجه هذا التصعيد العسكري. هناك العديد من العوامل التي تساهم في صمود المقاومة، رغم أنّ هذا التصعيد قد يكون الأصعب منذ بداية الحرب، أولا، المقاومة في غزة تتمتع بقاعدة شعبية قوية تدعمها، مما يجعل أي محاولة للضغط على المقاومة غير مجدية، إذ أنّ الشعب الفلسطيني يعتبر هذه المقاومة جزءاً لا يتجزأ من نضاله المستمر. ثانيا، المقاومة استطاعت بناء شبكة من القدرات العسكرية والدفاعية التي مكّنتها من مواجهة القصف الإسرائيلي والرد عليه بكل قوة، مما جعل فكرة انهيارها أمراً غير وارد في ظل هذه الظروف.

تعتمد استراتيجيات المقاومة على تعزيز قدرتها على القيام بعمليات هجومية واحتفاظها بالقدرة على الصمود على جبهات متعددة، وهذا يضع الاحتلال في موقف صعب

ثالثا، تمتلك المقاومة استراتيجية عسكرية مرنة وغير تقليدية، وهذا يسمح لها بالتكيف مع المتغيرات على الأرض. فالمقاومة ليست مرتبطة بموقع جغرافي واحد بل تستخدم تكتيكاً من توزيع قواتها ومواردها في الأماكن المختلفة. إضافة إلى ذلك، تعتمد استراتيجيات المقاومة على تعزيز قدرتها على القيام بعمليات هجومية واحتفاظها بالقدرة على الصمود على جبهات متعددة، وهذا يضع الاحتلال في موقف صعب.

الجدير بالذكر أنّ تصعيد الاحتلال لم يكن فقط لتصدير الأزمة الداخلية، بل أيضاً لتحقيق مطالب اليمين المتطرف الذي يمثّل جزءاً مهماً من القاعدة السياسية الحاكمة في “إسرائيل”. بن غفير، وزير الأمن الداخلي، والمجموعات اليمينية المتطرفة الأخرى يضغطون على الحكومة الإسرائيلية لاستمرار العمليات العسكرية في غزة بهدف تحقيق “أمن إسرائيل”. لكن، وفي سياق التاريخ الإسرائيلي، نرى أنّ سياسة “الأمن” على هذا النحو قد لا تكون فعالة على المدى الطويل، فهذا التاريخ يبيّن أنّ الأمن المبني على ردود الفعل العسكرية فقط لا يؤدي إلى استقرار دائم. بل إنّه يعزز المزيد من الغضب والمقاومة من قِبل الفلسطينيين.

يسعى الاحتلال الإسرائيلي إلى فرض إرادته على قطاع غزة من خلال استئناف القصف العسكري، ولكن في الوقت نفسه، يسعى لتحقيق أهداف داخلية وخارجية عبر تصدير أزماته الداخلية وتنفيذ مخططات التهجير. ورغم أنّ هذا التصعيد العسكري قد يمثّل أحد أصعب المراحل في الحرب، فإنّ صمود المقاومة الفلسطينية يعتمد على قوتها العسكرية، دعم الشعب الفلسطيني واستراتيجياتها المتطورة. في نهاية المطاف، ستثبت المقاومة أنّها قادرة على الصمود في وجه هذه الضغوط، وأنّ الاحتلال لا يمكنه تحقيق أهدافه من خلال تصعيد القصف وحسب.

*كاتب فلسطيني