تمييع الصراع العربي- الإسرائيلي: تحويله من صراع وجودي إلى نزاع سياسي
مارس 25, 2025 10:55 ص
*سالي أبو عياش – الضفة المحتلة:
سعت “إسرائيل” منذ بداية تأسيسها إلى تمييع الصراع العربي- الإسرائيلي، محاولة تحويله من صراع وجودي إلى نزاع سياسي. هذه المحاولة جاءت في سياق هدفها الأكبر بتغيير التوازنات الجيوسياسية في المنطقة، خاصة بعد الاعترافات التي حصلت من بعض الدول العربية بيهودية الكيان الإسرائيلي. في البداية، كان الصراع العربي- الإسرائيلي يتمحور حول مسألة وجود “إسرائيل” في المنطقة، وحجم حقوق الشعب الفلسطيني في أرضه. إلا أنّ “إسرائيل”، من خلال مختلف سياساتها وتحركاتها، عملت على تحويل هذا الصراع إلى نزاع يتعلق بالحدود والحقوق السياسية بدلاً من كونه صراعاً وجوديا.
لم تكتفِ “إسرائيل” بفرض رؤيتها لحل الصراع من خلال اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بها، بل دفعت نحو مطلب جديد يتمثّل في اعتراف الفلسطينيين بها كـ”دولة يهودية”. جعلت هذا الاعتراف شرطاً مسبقاً لاستئناف المفاوضات السياسية، مما أضاف بُعداً جديداً للصراع، وأضفى عليه طابعاً سياسياً يعزز شرعيتها على المستوى الدولي.
اليوم، وبعد أكثر من عقدين من الزمن على اتفاقية أوسلو، لم يسفر المسار التفاوضي عن أي حل عادل وشامل يرضي جميع الأطراف، بل بات واضحاً أنّ “أوسلو” لم تكن مساراً للوصول إلى تسوية عادلة للقضية الفلسطينية، بل وسيلة لتعطيل أي حل حقيقي للقضية الفلسطينية، وقد عززت “إسرائيل” هذا الواقع من خلال التوسع الاستيطاني الذي يتناقض مع مبادئ الاتفاقية، ما أدى إلى استحالة تطبيق أي نموذج للتسوية، سواء حل الدولتين أو الدولة الواحدة.
في السنوات الأخيرة، أصبح الاعتراف بـ”إسرائيل” كـ”دولة يهودية” مطلباً أساسياً فرضته “إسرائيل” على جميع الأطراف في المنطقة كشرط للمفاوضات. هذا الطلب ظهر في وقت حساس، خاصة بعد أن زادت بعض الدول العربية من الانفتاح على الكيان الصهيوني، وهو ما أضاف بعداً جديداً لهذا المطلب.
يهودية الدولة والاستسلام العربي
تستند فكرة “يهودية الدولة” إلى عدد من الوثائق التاريخية والدولية، مثل وعد بلفور الذي صدر عام 1917، والذي دعا إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. كما أنّ قرار الأمم المتحدة رقم 181 لعام 1947، والذي نصّ على تقسيم فلسطين إلى دولتين يهودية وعربية، كان حجر الزاوية في تأسيس “إسرائيل”.
عبر السنوات، عملت “إسرائيل” على ترسيخ هذا المفهوم، خاصة بعد عودة بنيامين نتنياهو إلى الحكم في عام 2009، حيث جعلت من الاعتراف بـ”إسرائيل كدولة يهودية” شرطًا للسلام.
ومع ازدياد الضغوط الدولية والإقليمية على الفلسطينيين، بدأ الاحتلال في البحث عن بدائل لحل الصراع. وفي عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تمّ طرح ما سُمي بـ”صفقة القرن”، التي كانت تهدف إلى إنهاء القضية الفلسطينية وتصفية حقوق الفلسطينيين. هذه الصفقة كانت تهدف إلى تقديم تنازلات كبيرة من الفلسطينيين مقابل قبولهم بوجود “إسرائيل” في المنطقة. في الوقت نفسه، استغلت “إسرائيل” التغيرات السياسية في بعض الدول العربية، حيث تمّ توقيع اتفاقيات تطبيع مع الإمارات والبحرين وغيرها. هذه الاتفاقيات لم تقتصر على تبادل العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية فقط، بل يمكن أن يُفهم ضمنياً منها قبول هذه الدول بـ”إسرائيل كدولة يهودية”، ما يعزز من شرعيتها في المنطقة.
إنّ مضمون اتفاقيات التطبيع يشير بوضوح إلى أنّ الدول العربية المطبّعة قد ضمّنت الاعتراف المتبادل بينها وبين و”إسرائيل”
على الرغم من أنّ بعض الاتفاقيات لم تنصّ صراحة على الاعتراف بـ”إسرائيل كدولة يهودية”، إلا أنّ مضمون هذه الاتفاقيات يشير بوضوح إلى أنّ الدول العربية المطبّعة قد ضمّنت الاعتراف المتبادل بينها وبين و”إسرائيل”. من خلال هذه الاتفاقيات، تسعى “إسرائيل” إلى الضغط على الفلسطينيين للقبول بـ”يهودية الدولة”، وهو ما يتمّ من خلال التشجيع على التنازل عن بعض الحقوق الأساسية مثل حقّ العودة والقدس. وهذا يشير إلى أنّ “إسرائيل” تهدف إلى فرض شروطها على الفلسطينيين بمساعدة من الدول العربية المطبعة.
إنّ اتفاقيات التطبيع العربية- الإسرائيلية أثّرت بشكل مباشر على مسألة الاعتراف بـ”يهودية إسرائيل” من ناحيتي: أولا، أنّ الدول المطبعة قد اعترفت بشكل ضمني بـ”يهودية الدولة”، وهو ما يظهر في نصوص الاتفاق الموقعة بين الطرفين كما الاتفاق الإماراتي سالف الذكر، إذ يؤكد على الاعتراف المتبادل بين الدولتين واحترام كل منهما لسيادة الأخرى وحقّها في العيش بأمن وسلام.
ثانيا، أنّ “إسرائيل” ستسعى إلى استغلال هذا الاتفاقيات للضغط على الدول المطبِّعة من أجل إقناع الفلسطينيين بالاعتراف بـ”يهودية الدولة”. وقد أكد هذا الطرح السفير الأمريكي السابق في تل أبيب، دان شابيرو، حين صرّح بأنّ “الدول العربية الداعمة للتطبيع مع إسرائيل قد تؤثّر على القادة الفلسطينيين لحملهم على تبنّي مواقف أكثر واقعية بشأن قضايا الحل النهائي، مثل التخلي عن مطلب عودة اللاجئين والاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، بالإضافة إلى رفض استخدام العنف”.
إنّ الاعتراف بـ”يهودية الدولة” يمثّل خطوة حاسمة نحو تصفية القضية الفلسطينية، وذلك ضمن استراتيجية إسرائيلية تهدف إلى تعزيز مكانتها كـ”دولة عظمى” في الشرق الأوسط
بناءً على ذلك، يمكن الاستنتاج بأنّ الاعتراف بـ”يهودية الدولة” يمثّل خطوة حاسمة نحو تصفية القضية الفلسطينية، وذلك ضمن استراتيجية إسرائيلية تهدف إلى تعزيز مكانتها كـ”دولة عظمى” في الشرق الأوسط، وإعادة تشكيل خريطة العلاقات الإقليمية وفق مصالحها.
هذا الأمر تصدّت له الأطراف الفلسطينية، وأكدت على أنّ محاولات دمج “إسرائيل” في الشرق الأوسط دون حل عادل للقضية الفلسطينية مصيرها الفشل، وذلك حسبما ورد عن وزارة الخارجية الفلسطينية، والتي قالت في بيان صادر عنها بتاريخ 15 حزيران/ يونيو 2022: “إنّ سياسة دولة الاحتلال الهادفة للقفز عن القضية الفلسطينية لتحقيق أوسع اندماج لها في الشرق الأوسط بعيداً عن حل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي كشرط واجب لن يؤدي إلى تحقيق هذا الاندماج، كما أنّه يهدد أمن واستقرار المنطقة برمتها، هذا بالإضافة إلى أنّ هذه السياسة الإسرائيلية المعلنة دليل جديد على غياب شريك السلام الإسرائيلي” كما أكدت أيضا، على أنّ حل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً ووفق قرارات الشرعية الدولية هو المفتاح لتحقيق الأمن والاستقرار والازدهار في المنطقة، ودون ذلك ستكون النتيجة إطالة أمد الصراع وخلق المزيد من التوترات والانفجارات، إن لم يؤدِّ إلى حرب دينية لا يمكن السيطرة عليها.
“الطوفان” في سياق الصراع
في هذا السياق، كانت عملية “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر 2023 رداً على هذه السياسات. خلال هذه المعركة، شكّلت المقاومة الفلسطينية الموقف الأكثر فاعلية للحفاظ على حقوق الشعب الفلسطيني ومنع تصفية قضيته عبر المسارات الإقليمية والدولية. هذه المعركة كانت بمثابة رد قوي على محاولات تجاوز الفلسطينيين وفرض الحلول عليهم تحت ضغوط التطبيع العربي مع كيان الاحتلال. وقد كانت هذه المعركة نموذجاً للقدرة على فرض موقف فلسطيني رغم الضغوط الدولية والعربية.
تؤشر التحولات الجارية بشكل واضح إلى أنّ دولاً عربية أصبحت ترى في إيران والمقاومة، وليس “إسرائيل”، الخطر الأكبر على أمنها الوطني ومن ثم باتت مستعدة للتحالف العسكري مع “إسرائيل”
هذا الدمج يعزز الهيمنة الإسرائيلية العسكرية والاقتصادية، ويزيد من التدخل في شؤون الدول العربية، مع تقويض الأمن العربي وتفكيك الهوية القومية والإسلامية في المنطقة، إذ تسعى “إسرائيل” عبر هذه السياسات إلى إعادة تشكيل المنطقة بما يتناسب مع مصالحها، بينما تساعد بعض الأنظمة العربية في هذا الهدف من خلال تطبيع العلاقات وتجاهل الحقوق الفلسطينية. هذا التوجه لا يعزز السلام، بل يعمق الانقسامات داخل العالم العربي ويزيد من التبعية الاقتصادية والسياسية. في النهاية، يشكل دمج إسرائيل خطراً كبيراً على وحدة المنطقة وعلى قدرة الدول العربية على مواجهة التحديات المستقبلية، ويهدد بمحو تاريخ الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي لصالح “إسرائيل” فقط.
فمثلا، تؤشر التحولات الجارية بشكل واضح إلى أنّ دولاً عربية أصبحت ترى في إيران والمقاومة، وليس “إسرائيل”، الخطر الأكبر على أمنها الوطني ومن ثم باتت مستعدة للتحالف العسكري مع “إسرائيل”، ما يشكّل انقلاباً كاملاً للمعادلات العسكرية والأمنية والاستراتيجية في المنطقة، خاصة أنّ إيران ستجد في هذه الخطوة استفزازاً كبيراً لها، ما يفتح المجال لزيادة التوتر بين إيران والدول العربية، وكذلك تحويل الدول العربية إلى دويلات غارقة في مشاكلها الداخلية من أجل عدم النظر للمخاطر الإقليمية التي تحصل حولها كما هو الحال في سوريا التي غرقت في مشاكلها الداخلية التي تساهم فيها “إسرائيل” بشكل كبير متجاهلة مشاريع التقسيم المطروحة بحقّها.
وفي النهاية، تبقى القضية الفلسطينية هي القضية المركزية التي لا يمكن تجاهلها أو تصفيتها تحت أي ظروف.
*كاتبة
وسوم :
الاحتلال الإسرائيلي, الدولة اليهودية, الشرعية الدولية, القضية الفلسطينية, الكيان الصهيوني, تطبيع, تقسيم, سالي أبو عياش, صمود, طوفان الأقصى, مقاومة