ما أسباب انعدام الحراك الرسمي والشعبي في الضفة؟

التصنيفات : |
مارس 27, 2025 11:52 ص

*ثائر أبو عياش – الضفة المحتلة:

 شهدت الضفة الغربية في الفترة التي تلت أحداث أكتوبر 2023 حالة من الركود السياسي والشعبي، رغم الأحداث العاصفة التي شهدتها غزة إثر الحرب الأخيرة. ورغم أنّه كان من المتوقع أن يتصاعد الحراك الشعبي والرسمي في الضفة الغربية في أعقاب هذه الأحداث، إلا أنّ الوضع ظل يشهد حالة من الجمود. هذا الجمود في الحراك يمكن تحليله من خلال النظر في العديد من العوامل المعقدة التي ساهمت في خلق هذا الواقع، الذي يعكس تحديات سياسية وأمنية وإجتماعية تتداخل مع بعضها البعض.

من أبرز الأسباب التي ساهمت في هذا الانعدام في الحراك هو الانقسام الفلسطيني الداخلي. منذ عام 2007، يعيش الفلسطينيون في انقسام حاد بين حركتي فتح وحماس، وهو انقسام أثر بشكل كبير على قدرة الفلسطينيين في الضفة وغزة على تشكيل جبهة موحدة. فبعد الحرب الأخيرة على غزة، تباينت مواقف الفصائل المختلفة، مما زاد من تعميق الانقسام السياسي. السلطة الفلسطينية في الضفة، بقيادة حركة فتح، تعمل على الحفاظ على استقرارها السياسي، وهو ما يجعلها تتجنب أي حراك قد يهدد موقعها. في الوقت نفسه، “حماس”، التي تسيطر على غزة، لا تجد مصلحة في دعم أي تحرك شعبي في الضفة التي تقع تحت سيطرة السلطة. هذا الانقسام بين الفصائل الفلسطينية يخلق بيئة سياسية مشتتة، تحد من قدرة الشارع الفلسطيني على التحرك بشكل موحد.

التنسيق الأمني يعزز حالة من القمع وتقييد الحريات، ويحد من فرص نجاح أي حراك شعبي قد ينشأ في المستقبل

إضافة إلى ذلك، تتبنى السلطة الفلسطينية سياسة قمعية صارمة تجاه أي تحرك شعبي قد يتطور إلى احتجاجات واسعة. الأجهزة الأمنية الفلسطينية تلعب دوراً كبيراً في إحباط أي محاولات للحراكات الاحتجاجية، وهذا يحد من قدرة الجماهير على التعبير عن غضبهم أو المطالبة بتغيير الوضع. التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي يُعد من العوامل التي تثير استياء الشعب الفلسطيني في الضفة، حيث ينظر الكثيرون إلى هذا التنسيق باعتباره تواطؤاً مع الاحتلال. هذا التنسيق الأمني يعزز حالة من القمع وتقييد الحريات، ويحد من فرص نجاح أي حراك شعبي قد ينشأ في المستقبل.

في الوقت ذاته، يعاني الفلسطينيون في الضفة الغربية من أزمة اقتصادية خانقة، نتيجة السياسات الإسرائيلية التي تحد من الحركة والتجارة، بالإضافة إلى الظروف الاقتصادية الداخلية الصعبة. الأوضاع الاقتصادية في الضفة الغربية تزداد سوءاً بسبب ارتفاع معدلات البطالة والفقر، وهو ما يخلق شعوراً باليأس لدى العديد من المواطنين. في هذا السياق، يشعر الفلسطينيون بالعجز عن تحسين أوضاعهم أو حتى تغيير الواقع السياسي، مما يحد من قدرتهم على المشاركة في أي حراك شعبي. في هذا الإطار، يصبح الناس أكثر اهتماماً بتأمين حياتهم اليومية بدلاً من الانخراط في مظاهرات أو احتجاجات قد تعقد الأمور أكثر.

من ناحية أخرى، تأثير الحرب على غزة كان له انعكاسات كبيرة على الوضع في الضفة الغربية. ورغم أنّ الحرب أظهرت حجم المعاناة الهائلة التي يواجهها الشعب الفلسطيني في غزة، إلا أنّ الوضع في الضفة ظل يشهد نوعاً من الركود. الحرب في غزة خلقت حالة من الحزن والصدمة، ولكنّها أدت أيضاً إلى زيادة مشاعر الإحباط والجزع في الضفة الغربية، حيث يشعر الكثير من الفلسطينيين في الضفة أنّهم لا يستطيعون فعل شيء حيال الوضع في غزة. وعليه، فإنّ الوضع الأمني والاقتصادي المربك في الضفة، إضافة إلى الوضع البائس في غزة، ساهم في تقليص الحوافز لدى الفلسطينيين للمشاركة في الحراك.

في ظل الانقسامات الحادة بين مختلف الفصائل الفلسطينية، لا يوجد أي صوت موحد يتبنى مطالب الشارع الفلسطيني أو يوجهه في الاتجاه الصحيح

إنّ الخوف من التصعيد الأمني كان أيضاً أحد العوامل المساهمة في تراجع الحراك في الضفة الغربية. بعد أحداث أكتوبر 2023، كانت هناك خشية حقيقية من أنّ أي حراك في الضفة قد يؤدي إلى تصعيد أمني مع الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما قد يعرّض حياة الفلسطينيين في الضفة لمزيد من التهديد. التوترات الإقليمية التي أعقبت الحرب في غزة ساهمت في خلق مناخ من الحذر في الضفة الغربية، حيث أصبح الناس أكثر توجساً من أي خطوة قد تؤدي إلى مزيد من العنف أو فقدان الأرواح. هذا الوضع الأمني المعقد جعل الكثير من الفلسطينيين يفضلون الابتعاد عن أي تحركات قد تؤدي إلى تصعيد أكبر في المنطقة.

من جهة أخرى، فإنّ غياب القيادة الموحدة كان عاملاً آخر ساهم في غياب الحراك. ففي ظل الانقسامات الحادة بين مختلف الفصائل الفلسطينية، لا يوجد أي صوت موحد يتبنى مطالب الشارع الفلسطيني أو يوجهه في الاتجاه الصحيح. الفصائل الفلسطينية تتبنى سياسات وأجندات مختلفة، مما يعقد من إمكانية تشكيل حراك شعبي موحد في الضفة. في غياب القيادة الموحدة، يكون المواطنون أكثر ميلاً إلى العزوف عن المشاركة في الحراكات الشعبية، لأنّهم يشعرون أنّ هذه الحراكات قد لا تحقّق أهدافهم في ظل التعددية والتنافس بين الفصائل.

الأوضاع السياسية والعسكرية في المنطقة تؤثّر أيضاً بشكل كبير في الحراك في الضفة الغربية. التوترات بين الاحتلال والفصائل الفلسطينية، وكذلك التوترات الإقليمية، تجعل الوضع أكثر هشاشة وتعقيدا. في هذا السياق، يجد الفلسطينيون في الضفة أنفسهم أمام خيار صعب بين الانخراط في حراك شعبي قد لا يكون له نتائج ملموسة، وبين العزوف عن المشاركة تجنباً للمخاطر.

إجمالا، يعود انعدام الحراك الشعبي والرسمي في الضفة الغربية بعد أحداث أكتوبر 2023  إلى مجموعة معقدة من العوامل السياسية والأمنية والاقتصادية. هذه العوامل تُضاف إلى الانقسام الفلسطيني الداخلي، والتنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي، وتفاقم الأوضاع الاقتصادية. كما أنّ الخوف من التصعيد الأمني، والتأثيرات النفسية الناتجة عن الأوضاع في غزة، قد ساهمت في خلق حالة من الجمود السياسي والشعبي. في ظل هذه المعطيات، يجد الفلسطينيون أنفسهم في الضفة عالقين في واقع صعب، حيث لا يبدو الأفق السياسي واضح أو قادر على تحفيز الحراك الشعبي.

*كاتب


وسوم :
, , , , , , , ,