التحقيق الميداني بدل السجون: هندسة الخوف في الضفة الغربية
يوليو 16, 2025 12:30 ص
*ثائر أبو عياش- الضفة المحتلة:
منذ السابع من أكتوبر 2023، تاريخ اندلاع معركة طوفان الأقصى، أخذ المشهد الميداني في الضفة الغربية منحى أكثر قسوة ودموية، لم يكن اعتباطياً ولا عارضا، بل جزءاً من سياسة إسرائيلية ممنهجة تعيد تعريف العلاقة بين جيش الاحتلال والمجتمع الفلسطيني تحت وطأة الإبادة في غزة، وفي سياق محموم لإعادة صياغة السيطرة الكاملة على الأرض والإنسان.
أحد أبرز تجليات هذا التحول هو تصاعد ظاهرة “التحقيق الميداني”، التي أخذت، خلال الأشهر الأخيرة، بعداً جديداً يشي بأهداف تتجاوز البعد الأمني إلى فضاء أوسع من التحكم والترويع والهندسة المجتمعية. لقد باتت هذه العمليات طاغية على الاعتقالات التقليدية، كما أكد نادي الأسير الفلسطيني، وتجاوزت حدود كونها إجراءات أمنية إلى أن أصبحت ميداناً مفتوحاً لانتهاك الكرامة الإنسانية وفرض الهيمنة المباشرة على تفاصيل الحياة اليومية للفلسطيني.
التحقيق الميداني، بتعريفه البسيط، هو عملية احتجاز وتحقيق فوري تُنفّذ ميدانياً بحقّ المواطنين الفلسطينيين، معظمهم من فئة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و30 عاما، ولا يتبع هذه العملية غالباً نقل إلى مراكز الاعتقال أو تقديم إلى المحاكم، بل تكون أقرب إلى جلسة إذلال واستجواب مصحوبة بعنف جسدي ونفسي داخل المنازل أو على أطراف القرى والمخيمات.
الاحتلال لا يكتفي اليوم بتوجيه التهم ولا يحرص على المسارات القضائية أو ما يمكن تسميته بالإجراءات القانونية حتى ضمن منظومته، بل يذهب مباشرة إلى كسر الإرادة، وسحق الكرامة، وفرض معادلة الإرهاب النفسي على الأفراد والعائلات
لكنّ هذه الآلية، التي تتكرّر بشكل واسع في القرى المحاذية للمستوطنات، لم تعد مجرد وسيلة لجمع معلومات أمنية، بل باتت وسيلة لإخضاع المجتمع الفلسطيني وكيّ وعيه وترسيخ حالة من الرهبة الجماعية. فالاحتلال لا يكتفي اليوم بتوجيه التهم ولا يحرص على المسارات القضائية أو ما يمكن تسميته بالإجراءات القانونية حتى ضمن منظومته، بل يذهب مباشرة إلى كسر الإرادة، وسحق الكرامة، وفرض معادلة الإرهاب النفسي على الأفراد والعائلات.
منذ بداية هذه السياسة الجديدة المتجددة، لم يكن هدف الاحتلال هو المعتقل بذاته، بل ما يمثّله وجوده داخل مجتمعه. الصورة التي يسعى الاحتلال لتكريسها -من خلال التحقيق الميداني- تتجاوز الفرد، لتصيب البنية الاجتماعية المحيطة به: أهله، جيرانه، أصدقاؤه، وزملاؤه في الدراسة أو العمل. وجود الجنود المدججين في غرف البيوت، وانتشارهم بين أزقة المساكن، ومصادرة الهواتف، وتدمير الأثاث، وتهديد الأطفال والنساء، كل ذلك ليس فقط إجراءات مرافقة، بل هي جزء من النص الكامل للعملية، حيث يتحول التحقيق إلى عرض عسكري بوليسي علني هدفه تحطيم أي شعور بالحماية أو الأمان داخل المجتمع الفلسطيني.
إنّ الهدف الإسرائيلي الأعمق من هذه السياسة يتجلى في السعي لتفكيك البنية الداخلية للمجتمع الفلسطيني، عبر تفكيك ثقة الأفراد ببعضهم البعض، وتكريس فكرة أنّ الكل معرّض للاستهداف
اللافت في هذه الممارسات أنّها لا تنفصل عن المشروع الاستيطاني، بل تتغذى عليه وتخدمه. فالقرى التي تحيط بها المستوطنات تُستهدف بشكل مركز، في محاولة لتطويقها ليس فقط من الخارج، بل من الداخل أيضا، عبر فرض الحصار النفسي، وتقليص هامش الحياة فيها، ودفع سكانها إلى الهجرة القسرية البطيئة. كذلك المخيمات، التي تُعتبر خزّاناً رمزياً وتاريخياً للهوية الوطنية، تُضرب بعنف مضاعف، وتتحول أزقتها إلى ساحات اجتياح وتدمير ممنهج، ليس فقط في بنيتها التحتية بل في روحها الجمعية. التحقيق الميداني داخل هذه المخيمات لا يبحث فقط عن معلومة، بل يسعى إلى اغتيال المعنى، إلى قصف الذاكرة، إلى تفريغ هذه الأماكن من رمزيتها النضالية.
إنّ الهدف الإسرائيلي الأعمق من هذه السياسة يتجلى في السعي لتفكيك البنية الداخلية للمجتمع الفلسطيني، عبر تفكيك ثقة الأفراد ببعضهم البعض، وتكريس فكرة أنّ الكل معرّض للاستهداف، وأنّ الخصوصية لم تعد موجودة، وأنّ الهوية نفسها يمكن أن تكون تهمة.
وتحقيق ذلك يتطلّب ممارسة العنف بطريقة تجعله مألوفا، وتجعل الخوف جزءاً من السلوك اليومي، وتجعل كل بيت محتمل لأن يتحول إلى ثكنة عسكرية في أية لحظة. هذا المستوى من الإرهاب المنظّم لم يعد عارضا، بل صار ركيزة من ركائز الاستراتيجية الإسرائيلية في إدارة الضفة الغربية، لا سيما في ظل الفشل في السيطرة الكاملة على بيئة المقاومة الآخذة في التمدد.
هذا التوحش الميداني، يمر كأنّه مجرد هامش إخباري، بينما في الواقع هو جزء من آلة تطهير عرقي متدرج، تُستخدم فيه أدوات الأمن لا لضمان ما يُسمى بـ”الاستقرار”، بل لتصفية أي إمكانية لنشوء وعي مقاوم أو حالة تماسك مجتمعي فلسطيني
المثير أنّ الاحتلال لا يشعر بالحاجة لتبرير هذه السياسات، بل يمارسها في ظل صمت دولي مطبق، وغياب أي مساءلة قانونية حقيقية. هذا التوحش الميداني، الذي يوثَّق يومياً من خلال مئات الحالات، يمر كأنّه مجرد هامش إخباري، بينما في الواقع هو جزء من آلة تطهير عرقي متدرج، تُستخدم فيه أدوات الأمن لا لضمان ما يُسمى بـ”الاستقرار”، بل لتصفية أي إمكانية لنشوء وعي مقاوم أو حالة تماسك مجتمعي فلسطيني. فالفلسطيني، من وجهة نظر الاحتلال، لم يعد فقط “مشتبهاً به” بل بات مشروع تهديد دائم، ووجوده في حد ذاته أصبح مشكلة يجب إدارتها بالعنف أو الاقتلاع.
ولعل ما يزيد من خطورة هذه السياسات أنّ جزءاً كبيراً ممن يخضعون للتحقيق الميداني لا توجَّه إليهم أي تهم واضحة، بل يُخلى سبيلهم بعد ساعات أو أيام، لكنّهم يخرجون وهم يحملون آثاراً نفسية وجسدية عميقة، وتبقى عائلاتهم رهينة الخوف والترقب الدائم. في المقابل، من يتمّ تحويلهم للاعتقال، غالباً يُزج بهم في الاعتقال الإداري دون لوائح اتهام، أو بناءً على ما يُسمى بملفات سرية، ما يعكس عبثية النظام القضائي الإسرائيلي، الذي يتعامل مع الفلسطيني ككائن مُدان بمجرد وجوده.
التحقيق الميداني إذاً ليس مجرد سياسة أمنية بل هو طقس من طقوس الهيمنة العنيفة، يُمارس بوعي وإصرار لقتل الروح الجمعية الفلسطينية. إنّه شكل حديث من أشكال السجن المفتوح، حيث يتحول المكان والزمان إلى دائرة مراقبة دائمة، وحيث يصبح كل فرد هدفاً محتملا. في ظل هذا الواقع، تبقى مقاومة هذه السياسات مسؤولية جماعية، ويبقى فضحها أمام العالم ضرورة أخلاقية قبل أن تكون سياسية.
*كاتب
وسوم :
إرهاب نفسي, استيطان, اعتقال إداري, الاحتلال الإسرائيلي, الضفة الغربية, تحقيق ميداني, ثائر أبو عياش, صمود, فلسطين المحتلة