عندما تتحوّل قناة الجزيرة من منبر إعلامي إلى منصة دعائية
أبريل 11, 2026 12:00 ص
*موسى جرادات
عايشنا خلال فترة العدوان على إيران، جملة من التحديات التي واجهت قناة الجزيرة، على صعيد حراكها الإعلامي، الذي اتّسم عموماً بالكثير من المنزلقات والتحديات، بحيث وضعت نفسها في مكان لم تبلغه من قبل، وتحوّلت، من محطة إعلامية راكمت طوال رحلتها خبرة واسعة امتدت لأكثر من ثلاث عقود جعلها الرقم الأول في المحطات الاخبارية العربية، إلى منصة دعائية تحاول عبرها تسويق لغة دعائية بصيغة إعلامية.
من الواضح أنّ هناك اسباب دفعتها إلى اتخاذ هذا الخيار ، لكنّ سرعة التحول هذا، والذي بدا على السياسة التحريرية، وكذلك المحللين المستأجرين الذين يرددون ما يُطلب منهم، فتح الباب واسعا، لكشف حقيقة ووظيفة هذا الإعلام ورسالته.
الإعلام والحياد: أسطورة قديمة
صحيح أنّه لا يوجد إعلام محايد وموضوعي بالقدر الذي يفترضه البعض، فكل وسيلة إعلامية تتحرك ضمن منظومة مصالح سياسية واقتصادية وأيديولوجية. لكنّ هذا الواقع لا يعني أنّ الإعلام بلا هوية أو بلا حدود مهنية. فالإعلام، في حدّه الأدنى، يقوم على نقل الحدث وتفسيره وإعادة صياغته ضمن رسالة إعلامية واضحة. غير أنّ الفارق الجوهري بين الإعلام والدعاية يكمن في حدود هذه الصياغة. فالإعلام يُعيد تركيب الحدث من أجل فهمه، بينما تعيد الدعاية صياغته من أجل تزوير معناه.
وسائل الإعلام لا تنقل الوقائع كما هي، بل تُعيد ترتيبها ضمن سياق معين، وتمنحها المعنى الذي يخدم موقعها السياسي. وهنا يصبح الخبر مادة خام يُعاد تشكيلها بما ينسجم مع الرواية المراد تثبيتها في وعي الجمهور
وعندما تضيع هذه الحدود يتحوّل الإعلام إلى أداة تعبئة سياسية لا تختلف كثيراً عن أدوات الحرب الأخرى.
فوسائل الإعلام لا تنقل الوقائع كما هي، بل تُعيد ترتيبها ضمن سياق معين، وتمنحها المعنى الذي يخدم موقعها السياسي. وهنا يصبح الخبر مادة خام يُعاد تشكيلها بما ينسجم مع الرواية المراد تثبيتها في وعي الجمهور.
تصريح يكشف المستور
الدافع إلى التطرق لهذا الموضوع هو قول لفت انتباهي لأحد المحللين الدائمين في قناة الجزيرة، في معرض حديثه عن الحرب والعدوان الأمريكي الصهيوني على إيران. فأمام جملة التحديات التي فرضتها وقائع الحرب، والتي جاءت معاكسة لتمنياته ورغباته، عاد هذا المحلل أكثر من مرة للحديث عن دور الوسائل الإعلامية في التعبئة، وعن ضرورة تحويل قناة الجزيرة إلى أداة دعائية في مواجهة السردية الإعلامية الإيرانية.
إنّ هذا القول ليس مجرد تعبير عابر أو زلة تحليلية.
بل هو في حقيقته اعتراف صريح بطبيعة الدور الذي يُراد للإعلام أن يلعبه في هذه الحرب.
فهو يكشف بوضوح خروج المحلل عن التعبير العقلاني، كما يكشف انهيار الادعاء القديم الذي لطالما رفعته القناة حول المهنية والتوازن والرأي والرأي الآخر.
الإعلام وصناعة السردية
إنّ اختيار هذا المثال لقراءة ما تحتويه وسائل الإعلام من ادعاءات حول حرية الرأي والمصداقية والرأي والرأي المضاد، يأتي في سياق محاولة كشف الأثر العميق الذي تتركه تلك الوسائل في تشكيل وعي الجمهور.
فصحيح أنّ وسائل الإعلام لا تمتلك القدرة على تغيير مسار الحروب عسكريا، لكنّها تمتلك قدرة هائلة على إعادة تشكيل المعنى السياسي للحرب.
إنّها قادرة على تشويه الحقائق أو حجبها، وعلى تقديم الوقائع في قالب أيديولوجي يخدم القوى السياسية المالكة لها.
فالإعلام، في هذه الحالة، لا يصنع الحدث لكنّه يصنع روايته.
وبين الحدث وروايته مسافة واسعة يمكن عبرها قلب الحقائق رأساً على عقب.
حين يصبح الكذب وظيفة إعلامية
الخطورة في قول المحلل السياسي أنّه يدرك تماماً الدور والوظيفة الموكلة إليه وإلى قناة الجزيرة.
بمعنى أكثر وضوحا، أنّه سيقوم هو وتلك القناة بعملية تضليل إعلامي منظمة هدفها إخفاء حقائق كبرى طبعت مسار الحرب.
وفي مقدمة هذه الحقائق انكشاف دول الخليج ودورها المعادي لإيران، ليس فقط كموقف سياسي، بل بوصفها تحوّلت إلى مسرح عمليات عسكرية وأمنية ولوجستية تقودها الولايات المتحدة الأمريكية وتديرها “إسرائيل”.
وفي المقابل، يجري تكريس خطاب الضحية، والتمترس خلف لغة القانون الدولي بوصفها أداة معيارية لتقييم السلوك الإيراني تجاه دول الخليج.
هنا تنقلب المعادلة الإعلامية رأساً على عقب: المعتدي يصبح ضحية، والضحية تتحوّل إلى مصدر تهديد.
إنّ تسخير قنوات الإعلام العربي، وبالتحديد قنوات الخليج وفي مقدمتها قناة الجزيرة، في خدمة المعتدي، لم يعد مجرد انحياز سياسي، بل أصبح جزءاً لا يتجزأ من أدوات الحرب نفسها
الإعلام الخليجي كجزء من أدوات الحرب
إنّ تسخير قنوات الإعلام العربي، وبالتحديد قنوات الخليج وفي مقدمتها قناة الجزيرة، في خدمة المعتدي، لم يعد مجرد انحياز سياسي، بل أصبح جزءاً لا يتجزأ من أدوات الحرب نفسها.
فمنذ اليوم الأول للحرب تابعنا سلسلة طويلة من عمليات التحريف الممنهج في نقل الأحداث.
تقوم هذه العملية على تخصيص ساعات طويلة من البث المتواصل، واستضافة عشرات المحللين والمراسلين الذين يعزفون جميعهم على وتر واحد.
قد تختلف المفردات أو زوايا الطرح، لكنّ النوتة واحدة، والرسالة واحدة، والخلاصة واحدة.
لقد ظنّت القناة أنّ المتلقي سيبتلع هذه الرسالة دون تمحيص، غير أنّ الواقع أثبت أنّ هذا كان أحد أكبر الامتحانات التي رسبت فيها.
وهم التوازن الإعلامي
صحيح أنّ القناة تحاول أحياناً استضافة بعض الأصوات التي تقف إلى جانب إيران، لكنّ حضور هذه الأصوات يبقى هامشياً إذا ما قورن بحجم الجوقة الإعلامية التي تعزف وفق توجه القناة.
إلى جانب ذلك تحاول القناة الادّعاء بأنّها موصولة بصناع القرار وتمتلك مصادر خاصة تزوّدها بما خُفي عن الجمهور.
غير أنّ هذه الادعاءات تسقط مراراً في امتحان الواقع، حيث تكذب الوقائع الميدانية كثيراً من تلك التكهنات التي يجري تقديمها على أنّها معلومات مؤكدة.
لماذا تنكشف وسائل الإعلام؟
لطالما اعتمدت هذه الوسائل على تصورات نمطية لتفسير الأحداث.
وأهم هذه التصورات يقوم على الاعتقاد بأنّ ميزان القوة الذي تمتلكه الولايات المتحدة قادر دائماً على فرض الواقع وفق ما تشتهيه الإدارة الأمريكية، خصوصاً في عهد دونالد ترامب.
لكن مع تعثّر الحرب، ومع قدرة إيران على الصمود في مواجهة الحملة العسكرية، بدأت هذه التصورات تنهار تدريجيا.
وهنا، وجدت تلك الوسائل نفسها أمام مأزق حقيقي: الواقع يسير في اتجاه، بينما خطابها الإعلامي يسير في اتجاه آخر.
فكان الحل الأسهل هو الانزلاق الكامل نحو الدعاية.
المثقف العربي عندما يقبّل يد سيده
نستخدم كلمة “مثقف” هنا على سبيل المجاز.
فجوقة الأكاديميين الذين تستضيفهم القناة، إلى جانب المحللين العسكريين والأمنيين والاقتصاديين، يتوزعون الأدوار في التقليل من شأن الفاعل الإيراني.
لكنّ المشاهد أصبح قادراً على توقّع ما سيقولونه مسبقا، لأنّهم يعيدون بثّ الرسالة نفسها بصيغ مختلفة.
لقد تحوّل بعض هؤلاء من مثقّفين يُفترض بهم أن يقدّموا قراءة نقدية للواقع، إلى أدوات انتفاعية مستأجَرة في معركة إعلامية.
لقاء مكي: نموذج للخطاب التعبوي
المتابع لما يقوله لقاء مكي، منذ بداية الحرب، يدرك بوضوح أنّ مهمته الإعلامية تنسجم تماماً مع رغبة الدولة والوسيلة الإعلامية التي يعمل فيها.
مقولات لقاء مكي تقوم على تحريف منهجي للواقع لا يليق بباحث يفترض أنّه يمثّل مركزاً بحثياً تابعاً لـ”الجزيرة”
فخطابه يقوم على تصوير إيران باعتبارها الإمبريالية الاستعمارية الجديدة التي تسعى إلى ابتلاع دول الخليج، محمّلًا إياها مسؤولية ما جرى في العراق وأفغانستان وسوريا ولبنان واليمن وعموم المنطقة.
وهي مقولات تقوم على تحريف منهجي للواقع لا يليق بباحث يفترض أنّه يمثّل مركزاً بحثياً تابعاً للقناة.
فمثل هذا الخطاب قد يصدر عن سياسي أو ناشط في الشارع، لكنّ صدوره عن باحث أكاديمي يكشف حجم الانحدار الذي أصاب الخطاب التحليلي داخل هذه المنصة الإعلامية.
خاتمة: عندما يفقد الإعلام معاييره
هل نجحت الجزيرة في لعب هذا الدور الجديد؟
من المبكر الجزم بأنّها استطاعت بناء سرديتها الجديدة وفق مسار الأحداث التي تعاندها.
لكنّ المؤكد أنّها أدخلت نفسها في مستنقع إعلامي جديد يصعب الخروج منه بسهولة، لأنّ مصيرها بات مرتبطاً بمصير الدولة التي تموّلها، وكذلك بمصير النخب التي تتصدر شاشتها.
ولهذا نرى حجم الإفراط في التكهنات الذي يطبع خطابها الإعلامي، حتى بتنا أمام خطاب أقرب إلى خطاب العرّاف الذي يعزف على الوتر النفسي للجمهور، أكثر مما يقدّم عرضاً موضوعياً للأحداث أو قراءة تحترم الخصم وتقدّر حجمه.
*كاتب فلسطيني
وسوم :
إيران, صمود, قناة الجزيرة, موسى جرادات