ماذا نقرأ في هذه الأيام العصيبة: 19 كتاباً حول الإمبريالية ومقاومتها
أبريل 13, 2026 12:00 ص
د. تهاني نصّار وعبد الرحمن جاسم
كما حصل في المرّة السابقة، والأسبوع السابق، وجدتُ نفسي أمام سؤالٍ أشد عمقاً من “ماذا أسمع هذه الأيام؟”، وانتقلتُ إلى سؤال: “ماذا أقرأ هذه الأيام؟”. ولأنّها أيام عزٍ وثورة، ومعاداةٍ للإمبريالية وصمودٍ بمواجهتها، كان -منطقياً وحتميا- أن تكون قراءاتي حول ما حدث، ولماذا حدث. لماذا من الواجب علينا أن نقف ونقول “لا”، لماذا يتصرّف هؤلاء المحتلون المجرمون بهذه الطريقة، لماذا على الإنسان العاقل والطبيعي أن يختار خياراتٍ قد تبدو “صادمة” للآخرين، ولكنّها منطقية بالنسبة إليه: لماذا عليه أن يقاوم آلة حربٍ مجرمةٍ وحشية قد تطحن عظامه ومع هذا لا يختار أي أمرٍ مختلف. جاءت فكرة اختيار هذه الكتب بعد نقاش مطوّل مع د. تهاني نصّار، التي ساهمت في خلق هذه اللائحة الطويلة من 19 كتاباً فكرياً يُسهم ويُردف بشكلٍ رئيسي في فهمنا لما يحدث، ولماذا نحن هنا، ولماذا يحدث كل ما يحدث الآن؟.
1. كتاب الكتاب: السيد علي الخامنئي
كتاب من أمتع الكتب التي ستزيّن مكتبتك وعالمك الخاص بالقراءة. يطرح قائد الثورة الإسلامية الشهيد السيد علي الخامنئي مجموعةً من المفاهيم الضرورية حول الكتب، والقراءة، والثقافة. يشكّل الكتاب بشكلٍ أو بآخر مدخلاً “أبستمولوجيا” (الأبستمولوجيا هي نظرية المعرفة، وكيف نفهم الأشياء ونقرأها ونحددها) لمواجهة ومقارعة “الاستلاب” تجاه الغرب، و”الإمبريالية الثقافية” وحتى “الغزو الثقافي” الذي يتحرّك بعمقٍ في بلادنا وأوطاننا. إنّ القراءة بالنسبة للسيد الشهيد ليست مجرّد نشاط “معرفي/تنويري” بل أيضاً جزءٌ لا يتجزأ من أدوات الصراع وبناء المجتمع المقاوم بشكلٍ آو بآخر. إنّ الحرب الناعمة تخترق المجتمعات المشرقية، سواء اختارت أن تقاوم أم لم تفعل، ومن هنا فإنِّ القراءة الصحيحة، ومقاربة الكتب المفيدة جزءٌ لا يتجزأ من هذا الصراع. لا يكتفِ الكتاب بهذه الطروحات بل يتجاوزها أيضاً إلى مقاربة الأفكار التي تكسر احتكار ما يمكن وصفه بالسردية الغربية للتاريخ، ولأحداث المنطقة، والأهم الذاكرة التاريخية للشعوب. أهمية الكتاب الفعلية تكمن أيضاً في أنّه يتحدّث عن “جبهة ثقافية” لا مجرّد “ثقافة” وأنّ المعركة معركة ثقافية مع الغرب الاحتلالي الإمبريالي. يشرح السيّد الشهيد مفهوم الكسل والكسل المرّكب ويحذّر من تأثيرهما الكبير علينا كمجتمع وكحضارة.
2. معذبو الأرض: فرانس فانون
قدّم فرانس فانون، المفكّر والمثقّف القادم من جزر المارتينيك رؤيته الخاصة حول تأثير الاحتلالات (هو يركّز على الاحتلال الفرنسي والأوروبي/الغربي) على الشعوب المحتلّة والمقهورة. لا يتناول فانون، الباحث في المجال النفسي، التأثير المادي فحسب، بل إنّه يتعداه إلى شرح وتفصيل التفصيل للضرر الذي يُحدثه هذا الاستعمار على الجانب النفسي والبنيوي والعقلي للشعوب الذي تعرّضت له وقاست منه. يشرح فانون بأنَّ الاستعمار ينتهج عنفاً بنيويا، أي عنف ممنهج، سلطوي، يهدف إلى سلب إنسانية الشعوب المحتلّة، ولذلك فإنّه يقترح بشكلٍ مباشر فكرة “التطهير النفسي” الضرورية والتي لا تتحقق إلا عبر “العنف التحرري”، الذي لا يراه فانون إلا حقيقة مطلقة. هذا الخيار -أي الكفاح المسلّح- يعتبره فانون ليس مجرّد “خيار” لهذه الشعوب التي تمّ احتلالها بل إنّه ضرورة لاستعادة توازنها وخلق إنسانٍ جديد حر من قيود تلك المؤسسات/الدول المحتلّة. يُعتبر الكتاب من أهم الكتب التي تناولت هذا النوع من المقاومة -المقاومة النفسية الاجتماعية- حيث إنّه يُشِرإلى هذه المقاومة، كاسراً تلك العلاقة القبيحة بين “سيدٍ وعبد” التي يمارسها الإمبرياليون.
3. الغرب نقيضاً للحضارة: روبير جولان
لطالما تغنّت معظم الامبرياليات الأوروبية/الغربية بمكانة أوروبا المركزية، وباعتبارها أصل شعاع الوجود. يقدّم هذا الكتاب لعالم الأنثروبولوجيا روبير جولان نقداً قاسيا، جذريا، وعميقاً لتلك الفكرة معتبراً أنّها ليست إلا أسطورة صنعها الغربيون الإمبرياليون. يدخل جولان مفهوم الإبادة الثقافية (Ethnocide) كمفهوم رئيسي مميِّزاً إياه عن الإبادة الجسدية التي تلجأ إليها الأنظمة الاحتلالية. يشرح الأنثروبولوجي الفرنسي في الكتاب أنَّ أسوأ ما في الإمبريالية الاحتلالية هي أنّها ترفض نهائياً التعددية الحضارية والثقافية، وتعمل على سحق وتدمير أي “حضارة/ثقافة” أخرى مختلفة، فتحاربها بكل الوسائل أنّى استطاعت. أهمية الكتاب في أنّه يُعرّي الثقافة الغربية الاحتلالية الإمبريالية في جوهرها ويدعو إلى مقاومة هذه الهيمنة من خلال حماية “التنوع” الثقافي البشري الحضاري، وحماية “حقّ الاختلاف الثقافي” بين الشعوب وهو أمرٌ طبيعي، منطقي ومنهجي.
4. الاستشراق: إدوارد سعيد
كي تفهم الغرب أكثر، بالتأكيد لا يمكن إغفال تأثير المفكّر الفلسطيني إدوارد سعيد وكتابه “الاستشراق” في هذا السياق. يُعتبر الكتاب حدثاً فارقاً في مقاربة الفكر الغربي، وخصوصاً مبدأ الاستشراق والمستشرقين الذي دخلوا إلى بلادنا وخلقوا بلاداً وهميةً -كيانات وبلاد وثقافات وتاريخ حتى- عبر دراسات أكاديمية وبحثية من باحثين “متورطين” بأفكارهم الاحتلالية الخاصة. خلقت هذه الدراسات وحشاً مشرقياً انفعالياً ذا عيوبٍ كبيرة، والأهم متخلفاً أمام الغرب العقلاني، المتطوّر، والحديث. عمق الكتاب وأهميته أنّه قارب فكرة أن السلطة والمعرفة تتحالفان معاً لتوليد وحشٍ أمام الرأي العام، مما يجعله مقبولاً للاحتلال والإبادة حتى. ساهمت الدراسات الاستشراقية، بحسب الكتاب، في الكثير من “الاحتلالات” لبلادنا وبررتها بشكلٍ “منطقي/أكاديمي باعتباره أمراً تطويريا لشعوبٍ غير متطورة، ونقلاً لـ”الديمقراطية” لشعوب “متخلّفة” كما يراها ويريد أن يراها الغرب الإمبريالي الاحتلالي. يطرح الكتاب مفهوم المقاومة “المعرفية” (الإبستمولوجية)، مطالباً بتفكيك الرواية الإستعمارية الاحتلالية وبأنَّ لأصحاب الأرض الأصليين الحقّ في تقرير مصيرهم وسرد تاريخهم الخاص دون تدخلٍ استشراقي.
5. دولة فلسطينية للهنود الحمر: منير العكش
هنا، يقف القارئ أمام بحث من أقسى الأبحاث التي يمكن أن يقرأها. بحثٌ متخصص من الباحث الفلسطيني السوري منير العكش الذي اهتم كثيراً بالسكان الأصليين لأمريكا قبل حضور الاحتلال البريطاني/الأمريكي ويخلق ما نعرفه اليوم تحت مسمّى “الولايات المتحدة الأمريكية”. يقارن العكش عبر دراسة علمية مقرونة بالأدلة والبراهين بين الحالة الفلسطينية مع العدو والسكان الأصليين لأمريكا مع الاحتلال البريطاني/الأمريكي لبلادهم وكيف أنّ التجربتين شديدتا التشابه. المؤلم في الكتاب هو الصور والأدلة والبراهين حول مقدار الظلم الذي تعرّض له السكان الأصليون (الذين حتى يسمّون زوراً بالهنود الحمر) من خلال التوحش المرعب الذي قاسوه أمام احتلال تمّ تبريره دينيا، ثقافيا، أكاديمياً وأخلاقياً حتى. تأتي أهمية الكتاب في أنّه أشار إلى التجربة الاحتلالية الإسرائيلية بكونها ليست “جديدة” أو “استثنائية” ولم تحدث من قبل، بل يقارنها بما حدث في الأرض الأمريكية كاستيطان إحلالي. إنّه كتابٌ يشبه “رسالةً” حزينة تصوّر/تقدّم ما حدث للسكان الأصليين سواء لفلسطين أو لما تسمّى أمريكا اليوم.
6. في المسألة الفلسطينية: أنطون سعادة
كتاب من أحد أهم المفكرين المشرقيين وصاحب البصمة الخاصة في الوطن العربي/المشرقي الزعيم أنطون سعادة، مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي. إنّها قراءة تمزج الجغرافيا، بالسياسة، بالاستشراق الاحتلالي ضمن فترة ما بعد الانتداب من خلال قراءة القضية الفلسطينية. ينتقد سعادة بدقة وبعمق الحركة الصهيونية، نازعاً عنها البعد الديني أو أنّها -محاولة لجوء لمساكين- ليقدّمها كحركة استعمارية سياسية متكاملة مع الإمبريالية الغربية بهدف تدمير واحتلال سوريا الطبيعية (الهلال الخصيب). يرفض سعادة -وهذا من أهم الأفكار في الكتاب- أبداً تجزئة الصراع، بتأكيد أنَّ فصل فلسطين عن محيطها القومي هو ما يريده المستعمر الإمبريالي الذي فرض الأمر بالقوة عبر اتفاقية سايكس بيكو المشؤومة. يطرح سعادة فكرة مفادها أنّ المقاومة لا بد أن تكون جامعة، لا قُطرية ولا فئوية، وتتطلّب مشروعاً نهضويا، قوميا، شعبيا، عاما، تتشارك فيه جميع الفئات الشعبية. كتاب يمكن اعتباره من الكتب المركزية والرئيسية في محاولة فهم لماذا نقوم بما نقوم به، ولماذا علينا أن نفكك المشروع الصهيوني الوظيفي الذي قدِم إلى بلادنا لتفكيكها.
7. وجدت أجوبتي: باسل الأعرج
كتاب مجمّع من مقالات الشهيد المثقف المشتبك باسل الأعرج (استُشهد في اشتباك مسلّح مع العدو المجرم في العام 2017)، يمكن اعتبارها تحت مسمّى “سوسيولوجيا الممارسات النضالية”. مقالاته تنضح ثقافة، اشتباكا وانخراطاً في العمل الجماهيري المقاوم. أهمية الكتاب في إعادة مفاهيم “المقاومة” و”الوعي المقاوم” وتفكيك “السلام النيوليبرالي” و”التنسيق الأمني” القائم حالياً في فلسطين المحتلّة التي حوّلت أجزاءً كبيرةً من المجتمع الفلسطيني إلى “وكلاء للاحتلال”. يفضح الأعرج وهم السلام مع العدو الصهيوني، دور جمعيات الأناجئ (NGO’s)، المؤسسات الدولية (الحقوقية والاجتماعية)، في تحويل المجتمع الفلسطيني وتغييره ليتناسب مع معايير الغرب وإمبريالياته الاحتلالية. يشرح الأعرج أهمية العودة إلى الفعل المقاوم، العمل السري، والمقاومة الثقافية والمعرفية، مؤكداً أنَّ تحرر الوعي يستدعي التحرر من مفاهيم الهزيمة والتدجين الاستعماري وأنّ هذا هو المدخل الإلزامي لأي مشروع وطني تحرري في مواجهة المستعمرين الاحتلاليين وصولاً للاشتباك المباشر مع العدو. ختم الأعرج حياته كما أشار في كتابه بفعلٍ متوقّع من مثقفٍ مشتبك: استُشهد.
8. في الوحدة القومية الإيطالية: أنطونيو غرامشي
كتابٌ مختلف مع أنّه لا يقارب القضية الفلسطينية بشكلٍ مباشر، مع هذا فإنّ الفيلسوف الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي في هذه الدراسة التي قاربت “المسألة الجنوبية” (أي علاقة جنوب إيطاليا بشمالها) تُعتبر من أوائل الدراسات وأهمها في شرح ديناميات الإستغلال التي قامت بين الشمال الصناعي الغني وجنوبها الزراعي الفقير نسبيا. إنّه يتحدث عن مفهوم “الاستعمار الداخلي” وخطره الذي يؤدي للتبعية والانحسار. يستغل الشمال موارد الجنوب، ويفرض هيمنةً ثقافية تُقنع أهل الجنوب بضآلتهم وتخلّفهم، وأنّ هذا أمرٌ فطري فيما الشمال هو رمز التحضّر والتفوّق والأهمية. هذا هو بالضبط المفهوم الرئيسي الذي ترتكز عليه الهيمنة والتبعية اللذين تريد الإمبريالية الغربية اليورومركزية فرضهما على دول ما يسمى بالعالم الثالث (ما يسمى بالأطراف في المفاهيم الغربية) اليوم، وهذا ما يجعل قراءة الكتاب ضرورة لفهم كيف يتمّ تدجين الشعوب لقبول استغلالها من قِبل محتلّيها. يفكك جرامشي كيف أنّ الإمبريالية تنجح في سيطرتها حينما تتحوّل قيم المستعمر، قوانينه، وأخلاقه، وثقافته إلى بديهيات فكرية (كما يحدث في كثير من دول وبلدان العالم الثالث، اليوم).
9. استعمار مصر: تيموثي ميتشل
في هذا الكتاب يقارب أستاذ العلوم السياسية البريطاني تيموثي ميتشل كل النظريات السياسية الرئيسية (مثل أفكار ميشيل فوكو، إدوارد سعيد وسواهم) على الاحتلال البريطاني لمصر. يكشف الكتاب أنَّ الاحتلال لم يكن عسكريا، اقتصاديا، أو مادياً فحسب، بل إنّه “هندسة” اجتماعية كاملة لتغيير بنية الشعب بأكمله والمجتمع ككل. لقد حاول البريطانيون -وإن لم ينجحوا كما الفرنسيين- من خلال التخطيط العمراني، المدارس، الطب، الإحصاء، كأدوات لإخضاع المصريين نفسيا، جسديا وعقليا. تتسرّب الإمبرياليات -بحسب الكتاب- إلى دواخل المجتمعات المحتلة، وبعمقٍ مخيف، مما يجعل المقاومة عملية تتطلب جهداً كبيراً لإقناع أطراف وأجزاء من الشعب تحت الاحتلال نفسه بأن يقاوم دون أن يشعر بأنّ المقاومة بلا جدوى. تتخفّى الاحتلالات تحت غلاف/ستار التنظيم والتحديث والتطوير والتقدّم، في محاولة لتطبيع الاحتلال وجعله مقبولا، فيصبح التطوّر هو ما يريده الاحتلال وكما ترغب به الهيمنة الاستعمارية.
10. الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية: إدواردو غاليانو
يغوص الروائي والصحافي الأوروغوياني إدوارد غاليانو من خلال هذه الدراسة التوثيقية في التاريخ الاقتصادي لأمريكا اللاتينية على مدار قرونٍ خمسة والنهب الذي تعرضت له مواردها (الفضة/الذهب/السكر/المطاط والنفط) من قِبل الاستعمار الغربي الأوروبي. أهمية الكتاب أنّه يعرّي كذبة “تخلّف” الدول التي تعرّضت للاحتلال بمقارنة تلك “المتطورة” الغربية، مشيراً إلى أنّ السبب هو ذلك “النهب” الكبير والعميق لمواردها التي لو بقيت واستفاد منها السكان الأصليون وأصحاب الأرض لما “تأخروا” أو تخلّفوا. هو يشير إلى أنَّ التخلّف هذا هو فعلٌ مقصودٌ من قِبل “المحتل” لخلق “شعوب طيّعة خانعة” تقبل بالاحتلال كحل وحيد وأبدي وتنظر بنوعٍ من التأليه لمحتلّيهم وثقافتهم وأفكارهم وحتى ثيابهم ومعتقداتهم. يريد البحث الإشارة إلى أنَّ نهب أمريكا اللاتينية والذي بدأ منذ وصول كريستوفر كولومبوس إلى القارة الأمريكية، خلق تقدّماً أوروبياً وتأخراً أمريكياً جنوبيا. أهمية الكتاب تشير إلى أهمية قطع هذه العلاقات مع الغرب الاحتلالي، ومقاومته، فالاحتلال هذا ليس قدراً على الدول التي تتعرّض للاستعمار، بل هو حالة صُنعت بقوة السلاح والجيوش وتستمر بهذه القوة لا أكثر ولا أقل.
11. خطاب عن الاستعمار: إيميه سيزار
واحد من أهم الكتب وأقواها التي يمكن قراءتها حول الاستعمار. إيميه سيزار، أستاذ فرانس فانون الشهير القادم أيضاً من جزر المارتينيك. من خلال مرافعته الشهيرة هذه يقارب الاحتلالات الثقافية/العسكرية فلسفياً وأخلاقياً مناهضاً إياها بكل قوة، معارضاً المركزية الأوروبية. إنّه من خلال هذه المرافعة/الخطاب لا يحكي فقط عن تأثير الاستعمار على الشعوب التي تمّ استعمارها، بل أيضاً على الشعب الذي قام بالإستعمار أيضا. إنّه يشير على توحّش المستعمر، وإنحطاطه الذي يتحصّله من خلال هذا الفعل الإجرامي بحقّ الشعوب المحتلّة. لا يفصل سيزار بين الكولونيالية الأوروبية والنازية مؤكداً أنّ جرائم هتلر في أوروبا هي ذاتها التي مارسها -ولا يزال- الأوروبيون المحتلّون على الشعوب التي احتلّوها في إفريقيا وآسيا. يجرّد الشاعر وأستاذ الفلسفة المارتينيكي الكيانات الإمبريالية من أي إنسانية ولا يمنحها أي مبرر لاحتلالها للشعوب التي احتلّتها، بل يعتبرها ساقطة أخلاقياً وتشريعياً ويحاكمها بصفتها كياناً متوحشاً مجرما.
12. عقيدة الصدمة (صعود رأسمالية الكوارث): نعومي كلاين
كتاب اقتصادي قبل أي شيء، قد يبدو صعباً بالنسبة لكثيرين إذ يتناول كيف يتحرّك الاقتصاد العالمي، الذي تُسمّيه الباحثة والصحافية الكندية نعومي كلاين، بالاقتصاد السياسي النيوليبرالي المعاصر. يقدّم الكتاب رؤية حول أسلوب عمل مدرسة شيكاغو (إحدى أهم المدارس الاقتصادية الحالية) والتي تقف خلف الإستعمارات الحديثة والإمبرياليات حيث تستغل الصدمات الكبرى (كالاحتلالات، احتلال العراق أو إنقلاب التشيلي مثالا) أو الأزمات الاقتصادية والكوارث الطبيعية، لتمرير سياسات اقتصادية تشجّع عليها مثل الخصخصة الكاملة، وبيع القطاع العام (في دول العالم الثالث)، وإلغاء الدعم الحكومي وسواها. هذا النوع من السياسات في الغالب كان يستحيل تمريرها في الأيام العادية، لكنّ تأثير الصدمات الكبرى تجعل الأمور هذه قابلة للحدوث خصوصاً مع شعوب مصدومة وفاقدة للتوازن والتركيز. يكشف الكتاب أنَّ كثيراً من الأزمات الحالية الكبرى مفتعلة، وجرى اعدادها من قبل الدول الكبرى والاقتصادات القوية (والشركات الكبرى العابرة للقارات من خلفها) للوصول إلى “احتلالات” سواء مباشرة (أو عبر البنك الدولي وقوانينه وسواها).
13. اعترافات قاتل اقتصادي: جون بيركنز
كتاب اقتصادي ثاني، لكنّ أهميته أنّه هذه المرّة يأتي من الداخل، فجون بيركنز خبير اقتصادي عمل لصالح المخابرات الأمريكية والشركات الكبرى. يتحدّث الكتاب عن طريقة وآليات عمل الاستعمار الجديد (Neocolonialism)، موضحاً كيفية توظيف “سلاح الديون” الذي تفرضه الدول الكبرى على الدول الناشئة -وغيرها- لتحويلها إلى أداة إمبريالية للهيمنة. يشرح بيركنز كيف تغوص ويتمّ إغراقها في قروض سيادية (عبر الدولة)، ضخمة، لتمويل مشاريع لا تحتاجها نهائياً عبر دراسات جدوى مفبركة تقوم بها جامعات ومؤسسات غربية (من ذات الدول الإمبريالية التي تقدّم لها القروض). طبعا، تعجز هذه الدول -الفقيرة بمعظمها- عن تسديد الديون مما يجعل قرارها السياسي مصادَراً وسياساتها الداخلية كما الخارجية لتلك الدول -أو الكيانات- الإمبريالية أو المؤسسات المالية الدولية (كالبنك الدولي وسواه). يكشف هذا العمل -وهذا ما يجعله مهماً للغاية- أنّ كثيراً من الدول الاستعمارية باتت تفضّل الاحتلال/الاستعمار الاقتصادي على الاحتلال العسكري. هنا يصبح الخبراء الاقتصاديين والشركات الاستشارية فيالق عسكرية وجنوداً إمبرياليين جدد لكن بربطات عنق وبزّات. يوضح الكتاب أنّ التحرر من سطوة البنك الدولي هو جزءٌ لا يتجزأ من فعل المقاومة.
14. الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية: فلاديمير لينين
صُنع هذا الكتاب في العام 1916، في قلب الحرب العالمية الأولى من قِبل فلاديمير لينين الوالد الفعلي للاتحاد السوفياتي وقائد البلاشفة (الأكثرية) في الحزب الشيوعي السوفياتي. إنّه يقدّم تفسيراً ماركسيا -اقتصادياً وماديا- للاستعمار والإمبريالية. يقول لينين في لغة مباشرة إنّ الرأسمالية ستصل إلى الإمبريالية حكما، ذلك أنّها ليست خياراً سيئاً للحكومات الغربية. إنّ تمركز الثروة في أيدي قلة قليلة ومؤسسات احتكارية وبنوك عملاقة -بحسب لينين- لا بد وأنّه سيخلق أقلية إمبريالية لا ترى إلا نفسها، ونجاحها، وستربط الدنيا بأكملها بنفسها فقط، دون الحاجة لأي آخر. يرفض لينين الفصل بين محاربة المحتل الأجنبي دون محاربة النظام الرأسمالي العالمي، فبدونها لن تحقق الحركات التحريرية نتيجةً تُذكر.
يُعتبر الكتاب مهماً لأنّه يعرّي بنيوية الامبريالية التي سيصل إليها أي نظام رأسمالي متوحش، وأنّ هذه الاحتكارية ستخلق “وحشا” لا يستطيع الحياة إلا من خلال احتلال دول وشعوب دون أي اهتمام إلا بمصالح تلك الأقلية المالكة المتحكمة في كل شيء.
15. الصهيونية والحضارة الغربية: عبد الوهاب المسيري
يدمّر د. عبد الوهاب المسيري، أحد أهم المفكرين المصريين والعرب، وصاحب أضخم موسوعية نقدية لتفكيك الحركة الصهيونية والفكر الصهيوني، في هذا الكتاب، الأساطير الدينية والقومية التي نشأ عليها كيان الاحتلال الصهيوني في فلسطين المحتلة. هو يرفض أنّها “أرض ميعاد” مخصصة لشعبٍ يدّعي أنّه “شعب الله المختار”. يُشير المسيري إلى أنّ الصهاينة ليسوا إلا “إفرازا” و”نتيجة” لحركة الإمبريالية الغربية، وأنّ كيان الاحتلال هو كيان وظيفي أشبه بقاعدة عسكرية متقدّمة وُضعت في الأرض العربية/الفلسطينية بغرض تمزيق الشرق الأوسط وحماية مصالح الإمبريالية الغربية. تُخرج هذه الدراسة الصراع مع الصهاينة من دائرة الصراع الديني الغيبي والأسطوري لتضعه ضمن سياق حرب تحرر وطنية ضد كولونيالية احتلالية غربية مجرمة. يُعقلن هذا الكتاب الصراع مع الصهاينة، ويعطيه الكثير من الحجج المنطقية بمواجهة احتلالٍ استيطاني، علماني/لا ديني، إحلالي، إلغائي، عنصري، كما يتجاوز الكتاب الخطاب العاطفي المعتاد ليقارب لغةً مختلفة في قلب الصراع.
16. مذكرات في حرب الغوار (حرب العصابات): تشي جيفارا
يحضر تشي جيفارا، الثائر والطبيب الأرجنتيني إلى الواجهة دائماً بصفته علماً من أعلام الثورة الرومانسية بمواجهة الإمبرياليات الغربية المتوحشة. في هذا الكتاب يمكن قراءة طريقة تفكيره ورؤيته النظرية من خلال تقديم نظريته الخاصة “البؤر الثورية”(Foco Theory). تطرح نظرية جيفارا كيف أنَّ “الطليعة الثورية المسلّحة” ليست بحاجة لنضوج الظروف، ولا لتأييد جماهيري كاسح وكلّي كي تبدأ عملها المقاوم بمواجهة الأعداء. تستطيع هذه “الطليعة” القيام بالعمل التقدمي قبل الجماهير وأمامها، مما يجعلها تفتح الطريق أمام الجماهير لتخوض الصراع ملتحقةً بتلك الطليعة. تتجلى أهمية الكتاب من خلال تفاصيل مشروحة لحرب العصابات أمام آلة حربية “مركزية” ومتوحشة غربية رسمية. إنّها تحطّم أسطورة الجيوش الكلاسيكية غير القابلة للهزيمة أمام قوى غير “نظامية”/غير “منهجية”، نفس الأمر ينسحب على التفوّق التكنولوجي والآلاتي أمام الإرادة البشرية. يشرح الكتاب كذلك أهمية الجغرافيا، استنزاف العدو، كما أهمية الحاضنة الشعبية في تحويل الهزيمة المحتومة إلى انتصار.
17. الفلاحون (حروب الفلاحين في القرن العشرين): إيريك وولف
أهمية كتاب عالم الأنثربولوجيا الأمريكي إيريك وولف هو مقارنته الذكية والمنهجية لست ثورات فلاحية كبرى: روسيا، الصين، المكسيك، فيتنام، الجزائر وكوبا، أدت لاحقاً لسقوط الأنظمة في تلك البلاد وتحوّلها لأنظمة ثورية. أهمية هذه الدراسة أنّها أعادت الأهمية لدور الأرياف خصوصاً مع التنظير السياسي العالمي الذي اهتم بالمدن الرئيسية على حساب الريف، ومقاومة الريف وارتباط الإنسان الريفي بالأرض وعشقه لها واستعداده للموت لأجلها. يهتم وولف بمناقشة كيف أنّ الفلاحين الذين تعرّضت أراضيهم ومقدّراتهم الاقتصادية للتدمير والاحتلال سيكونون طليعة العمل الثوري والمقاومة. تتمدد الرأسمالية كما الاستعمار في الأراضي الزراعية كما الريف بشكل سريع ومنهجي- مما يجعل مقاومتها من الأرياف ضرورة. يشرح الكتاب كيف أنّ الفلاحين كانوا الطليعة الثورية في كثيرٍ من الأحيان بمواجهة الرأسمالية والإمبريالية ذلك أنّهم الأقدر على فهم وقراءة الصراع من ناحية اقتصادية أكثر من سواهم من سكان المدن. يشرح الكتاب ديناميات المقاومة مشيراً إلى أنّ الإمبريالية تدمّر البنى الاقتصادية التقليدية، وتدمّر الزراعة قبل غيرها وتهمشها، لصالح أمور أقل أهمية وغير ذات إنتاجية مساوية.
18. قبل الشتات: وليد الخالدي
يأتي هذا الكتاب البحثي المصوّر للمؤرخ والأكاديمي الفلسطيني وليد الخالدي كنوع من “المقاومة الأرشيفية والتوثيقية” بمقابل التدمير الصهيوني/الغربي الممنهج للرواية التأريخية الفلسطينية. نفت الرواية الصهيونية من خلال دراسات أكاديمية استشراقية/استلابيه معمّقة، خرائط، إحصائيات سكانية، وثائق دبلوماسية أي وجود للعرب الفلسطينيين داخل فلسطين. أهمية هذا البحث أنّه قدّم أدلة برهانية توكيدية بما لا يدع مجالاً للشك على تحضّر المجتمع العربي الفلسطيني، ودحضت الأكذوبة الصهيونية/الغربية/الأوروبية/الأمريكية القائلة بأنّه لم يكن هناك شعبٌ أو حضارةٌ في تلك الأرض. تمجّد الدراسة الذاكرة الجمعية، والشفهية للشعب الفلسطيني، وتحكي قصصه، وتروي أخباره، وتنزع أي شرعية قانونية أو أخلاقية عن الاحتلال البريطاني-الصهيوني الذي هندس هذا الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الاستبدالي. أسس الكتاب لصورة يمكن أن يراكم عليها النشاط كما الخطاب الحقوقي والسياسي التوكيدي لحركة تحرر فلسطينية في جميع المحافل الدولية (بافتراض أنّ هذه المحافل شرعية ولها قيمتها وتتصرّف بشكل منطقي). يمكن اعتبار الكتاب بمثابة تأريخ مرئي مهم يُشرعن المواجهة مع محتل يرغب في تزييف التاريخ ونزع الشرعية عن وجود الشعب الأصلي الفلسطيني المشرقي العربي على أرضه، مؤكداً أنّ ما حدث في فلسطين هو “احتلال” و “سطو استعماري” لا أكثر ولا أقل.
19. التطهير العرقي في فلسطين: إيلان بابيه
بصراحة، خلال استحضارنا للكتب، كنتُ أفضّل ألا أختار كتاباً لمفكّر صهيوني حتى ولو أنّه “معادٍ للصهيونية”، مع هذا فإنّ الكتاب هذا يمكن تصنيفه كواحد من أهم الكتاب في مجاله، ذلك أنَّ نقده للحركة الصهيونية، والاحتلال الصهيوني لفلسطين، “أتى من الداخل”. يعتبر إيلان بابيه واحداً ممن يُسمّون أنفسهم “المؤرخون الجدد” الذين كذّبوا السردية الصهيونية الرسمية، معتمدين على محتويات الأرشيف العسكري الإسرائيلي لجيش الاحتلال. يؤكد بابيه أنّ النزوح الفلسطيني في العام 1948، لم يحدث فقط بسبب الحرب على الفلسطينيين، بل أيضاً بسبب الخطة “داليت” (Plan Dalet) العسكرية، والتي تنصّ بشكل صريح على التطهير العرقي، التدمير، الإبادة، والتهجير للقرى الفلسطينية والعربية بشكل ممنهج. يشرح الكتاب أنَّ العنف والإلغاء والقتل الصهيوني للشعب الفلسطيني ليس فعلاً فرديا، بل هو “ماهية جوهرية” لهذا المشروع الاستيطاني المجرم. يوضح الكتاب أنّ للمقاومة الحقّ في تفكيك الاستعمار، وبنيته، ذلك أنّها إن لم تفعل ذلك فإنّ هذا الاستعمار اللاأخلاقي لا يمكنه الحياة إلا بالقضاء على الشعوب الأصلية -الفلسطينيون في هذه الحالة- وقتلهم ناسفاً أي مسوّغ للرؤية الإسرائيلية حول “واحة الديمقراطية في الشرق” و”أكثر جيش أخلاقي في العالم”.
*كاتبان فلسطينيان
وسوم :
الاحتلال الصهيوني, تهاني نصار, صمود, عبد الرحمن جاسم, كتب