في غياب المسرحيات المهمّة والتي تقول كلامنا: 19 عملاً مسرحياً يستحقّ المشاهدة ولو “أونلاين”
أبريل 29, 2026 9:15 م
*تهاني نصّار وعبد الرحمن جاسم
لطالما كان المسرح -ولا يزال- روح الناس وقلبهم، فهو أوّل الفنون التي خاطبت المشاهد بشكل مباشر، وتعاملت معه وتعامل معها بشكل تلقائي، لحظي، عفوي. على تلك المساحة الخشبية ومن خلال التصفيق أو صفارات الاستهجان “يخلق” النجم أو يدمّر، يبدأ العمل العظيم أو ينتهي، والفكرة التي تستمر طويلاً أو تخمد حتى قبل أن تكتمل وتنضج. لم يتخلف المسرح العربي -إلا في آخر ثلاثين سنة- تقريباً عن الركب العالمي في حديثه المتطوّر، التقدّمي المحاكي لأحلام الشعوب وآمالها. من هنا جاء هذا المقال المطوّل وشبه البحثي حول 19 عملاً مسرحياً يمكن مشاهدتهم للراغبين في إدراك أهمية هذا الفن المباشر والذي يسمّيه كثيرون عن حقّ بأبي الفنون جميعها. إذ لم يحدث في تاريخ أي شعبٍ تطوّر المسرح لديه وإن خاب وتخلّف، أما العكس فهو ما نراه اليوم في مجتمعاتنا العربية من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر. غياب المسرح وتخلّفه، واستلابه، وتحويله لمسرح ساخر، عبثي، بلا معنى، مستلَب، يخلق جماهيراً مثل التي نرى معظمها على الأرض، على الشاشات، على شاشات الهواتف المحمولة: بلا معنى. اليوم، وبعد انتهاء تلك العروض الجميلة والعظيمة، تعطينا “التكونولوجيا” -وهذا أمر حسن في الاستفادة منها- الفرصة لمشاهدة تلك الأعمال مرّة أخرى في فرصة، ومحاولة لإعادة توجيه أنفسنا، قبل أي أحد، لإعادة إنتاج، كما إعادة التعويم والحديث عن هذه الأعمال المهمة وذات الجهد الكبير المبذول فيها ولصناعتها.
1- كاسك يا وطن (كتابة محمد الماغوط، إخراج دريد لحّام وخلدون المالح للتلفزيون، 1979):
تعاون ثانٍ بين ذات الثنائي: الماغوط ودريد لحّام. ميزة هذا العمل الإبداعي أنّه قدّم مسرحاً ناقدا، ممتلئ بمختلف أنواع الأسئلة التي يسألها المواطن كل يوم. إنّنا أمام محطة تلفزية/إذاعية تقدّم مختلف أنواع البرامج للمواطن: ثقافية، إجتماعية وتربوية. كل هذه البرامج مشابهة لبرامج حقيقية بُثّت -وبعضها لا يزال يُبث- عبر قنوات التلفزة العربية. ناهيك عن المسلسل العربي الذي نشهد فيه مواطناً يعيش حياته، ثم أحلامه، وفي النهاية يبيع أولاده لقاء لقمة العيش. إنّها مسرحية ذات سخرية سوداء للغاية، بنهاية شديدة الحزن والألم. يُحسب لهذا العمل كثيراً أنّه قدّم الوطن العربي كما هو بدون أي تجميل: العلاقة بين المواطن والمواطن، بين المواطن والمسؤول، الإعلام والشعب، والإعلام والمسؤولين. لغة المسرحية كما أداء لحّام جعلاها ضمن أفضل المسرحيات الوطنية التي تعبّر عن آلام الشعوب.
الرابط:
- غربة (كتابة محمد الماغوط، إخراج دريد لحّام وخلدون المالح للتلفزيون، 1976):
هنا، نحن أمام عمل إبداعي من ثنائي هو من الأفضل في العالم العربي وأحد أهم وأقوى الناقدين للظلم والأنظمة محمد الماغوط، وأحد أهم التجارب التمثيلية الكوميدية العربية دريد لحّام. هذا العمل قدّم لنا “قرية” تُدعى غربة، يحكمها نظام فاسد بكل ما تحويه كلمة فاسد من معنى، يحاول المواطنون بشتى الوسائل مع أستاذ المدرسة القيام بثورة على هذا النظام الفاسد، لكنّه كالعادة ينتصر. طريقة الماغوط كما لحام بالإضافة إلى فنان قدير مثل نهاد قلعي حوّلت العمل المسرحي هذا إلى واحد من أيقونات الدراما العربية. كل مشهد يلتقي فيه الأستاذ مع الديكتاتور الصغير هو حدث بحد ذاته، كل لقاء بين الديكتاتور نفسه بأبناء قريته، وحتى بمرؤوسيه هو مشهد يُدرّس. نحن أمام مدرسة في صنعة المسرح النقدي الموجَّه. يُحسب للماغوط ولحّام مجموعة الممثلين الموهوبين الذين قدّمهم هذا العمل (كما كاسك يا وطن أيضا، مثل: ياسر العظمة، هالة شوكت، صباح الجزائري، عمر حجو وسامية الجزائري.
الرابط:
3- بترا (كتابة وإخراج الأخوين رحباني، 1977):
إفتُتن الأخوان رحباني وفيروز بالحضارات المشرقية، وأحبّاها وقرّرا تخليدها في أعمال تعيش للأبد، ومن هنا جاءت “بترا”، المسرحية التي تحكي عن ملكة “بترا” النبطانية التي قاومت الاحتلال الروماني لبلادها، على الرغم من اختطافهم لابنتها الطفلة وتهديدهم إياها بقتل الطفلة أو الاستسلام وإبقاء الطفلة حية. ميزة العمل كما معظم أعمال الأخوين رحباني أنّه مصنوع بحرفة مرتفعة للغاية: لغة، موسيقى، أغنيات وأداء. كل مشهد يمكن تصنيفه على أنّه لوحة فنية مزخرفة تعيش لسنوات طوال ولا يمكن الملل منها. أعطت فيروز المسرحية بعداً أكبر من خلال صوتها، طريقة أدائها، والأهم وجودها بحد ذاته. اهتم الرحابنة بالأزياء والديكور وطريقة دخول الممثلين وحركتهم في الكادرات المسرحية ككل. باختصار، يمكن اعتبار أعمال الرحابنة بمثابة مدرسة بكل ما تحويه الكلمة من معنى، المدرسة التي يمكن تشرحيها ثم قراءتها كي يُعاد تدريسها لأجيال جديدة يمكنها المراكمة عليها وإعادة إنتاجها بكل الطرق الممكنة، وهو أمر لم يحصل بعد حتى اللحظة. المسرحية ممتلئة بالأغنيات الجميلة مثل: “بكرا لما بيرجعوا الخيالة”.
يُحسب للعمل وجود نصري شمس الدين وأنطوان كرباج اللذين رفدا العمل كثيراً وقوّياه.
الرابط:
4- جبال الصوان (كتابة وإخراج الأخوين رحباني، 1969):
إنّها حكاية تقليدية من الوسط المشرقي: جبال الصوان البلاد الصامدة بوجه العدوان والظلم، و”مدلج” الشخصية التاريخية وبطل الشعب الذي يسقط شهيداً دفاعاً عن بلاده كما سقط أجداده قبله، تاركاً إبنته “غربة” لتحمل العبء الثقيل بعده. تنتصر غربة، وفيروز كعادتها هي نجمة هذا العمل، صوتها وقوتها وحزنها بدا جلياً للغاية مما أعطى العمل مصداقية كبيرة وقوية. لغة المسرحية هي لغة الرحابنة الخاصة والتي لا تشبه أي لغة مسرحية أخرى، مسرحية غنائية، راقصة، فيها أغنيات وطنية ودبكة على الرغم من كل حزنها.
يُحسب لهذا العمل وجود الجميل فيلمون وهبي، شيخ الملحنين والممثل الذي أدّى دور “الهبيلة” في العمل، أيضاً نصري شمس الدين القدير والواعي، وأنطوان كرباج صاحب الصوت القوي والشخصية المميزة في المسرح اللبناني، والذي أدّى دور الشرير، الفاتك المتسلط، كذلك، يُحسب الأداء المميز لجوزيف ناصيف في دور “ديبو” مساعد الشرير ويده اليمنى والذي يتلقى الجملة الأشهر في المسرحية: “ديبو خود العسكر وهروب”. عمل عميق وقوي يجب مشاهدته على الأقل مرة كل مدّة: إنّها حكاية فعل مقاوم لمن احتُلّت بلادهم.. فعل بديهي وطبيعي ويجب استمراره ودعمه وتشجيعه.
الرابط:
5- يعيش يعيش (كتابة وإخراج الأخوين رحباني، 1970):
لربما هو أجرأ عمل مسرحي للأخوين رحباني، إنّها حكاية “برهوم” الديكتاتور/الإمبراطور الذي تحصل ثورةٌ عليه تطيح به. اللافت أنّ هذا الأمبراطور المخلوع هو من يدبّر ثورة جديدة ليستولي مجدداً على الحكم لكن تحت مسمّى جديد ونظرية حكم جديدة مع نفس الظلم والطغيان السابق. أتى توقيت هذا العمل الجميل والمبدع إبّان انتشار ظاهرة الإنقلابات التي ملأت الوطن العربي في تلك الحقبة الزمنية. من هنا جاءت المسرحية -فعليا- إشكالية للغاية، وتسببت بمشكلة للرحابنة، لكنّ ذلك لم يهمّهم، ولم يعنيهم أبدا، بل أكملوا في إنتاج العمل وعرضه. قوة المسرحية قائمة على إضفاء الرحابنة الكثير من الكوميديا على العمل مما جعله مضحكاً خصوصاً في العلاقة بين بطلة العمل والإمبراطور المخلوع الذي يختبئ لديها تحت حجّة أنّه “مختلف مع زوجته”.
كوميديا العمل، قوّة الممثلين في الأداء والسبك الرحباني المعروف، فضلاً عن الأغنيات الفيروزية العميقة والقوية جعلت العمل واحداً من الأعمال الأكثر مشاهدة.
6- بالنسبة لبكرا شو (الكاتب والمخرج زياد الرحباني، 1978):
نادل ونادلة يعملان في “سناك/بار” في بيروت في سبعينيات القرن الماضي. هذا مختصر لقصّة هذه المسرحية التي يمكنها أن تعيش مئات السنين وتبقى “جديدة خلنج” ويحبّها مستمعون لربما لم يعاصروا أو يعايشوا الراحل زياد الرحباني نهائيا. ميزة عبقرية زياد الرحباني -غير الأكاديمي نهائيا- أنّه بخلاف ولادته لعائلة مبدعة، لغته الكلامية كما الموسيقية شديدة البساطة والتعقيد في آنٍ معا. ولربما تعبير “السهل الممتنع” قد خُلق لزياد بالتحديد. كل جملة في المسرحية يمكن استخدامها في أماكن متعددة وتصحّ لا بل ستصبح جزءاً من الفكرة نفسها. كل حوار في العمل مبنيّ لكي يصمد سنوات وسنوات.
نأتي إلى الموضوع، إختيار زياد لموضوع عادي للغاية، يومي، بسيط، هو جزء من لعبة وحرفة زياد الماهرة في انتقاء قضاياه كما مواضيعه. المواطن العادي المسحوق وزوجته في التعامل مع مشاكل يومية دون الولوج إلى عالم السياسة المعقد. ذلك لا يمنع السياسة نهائياً من دخول عالمهم البسيط وهدمه بالكامل دون أن ننسى “الرأسمالية المتوحشة” التي عرّاها زياد بشكل مدهش ودون حتى أن يقول أي كلمة معقدة أو صعبة.
يُحسب للعمل أنّه خلق لغة موسيقية لا شبيه لها، وعلى الأرجح أنّه لن تُصنع موسيقى مسرحية شبيهة. قدّم العمل جوزيف صقر، كشريك وصنوّ لزياد غنائيا، فجاءت الأغنيات التي أدّاها في العمل بمثابة دفع كبير لا للعمل فحسب، بل للحياة الفنية ككل.
الرابط:
7- فيلم أميركي طويل (الكاتب والمخرج زياد الرحباني، 1980):
المسرحية الثانية لزياد الرحباني والتي يجب على أي هاوٍ للمسرح، كما للفهم واستيعاب بلادنا وقراءتها أن يشاهدها. إنّها “مستشفى مجانين” ونحن كمشاهدين أمام مجموعة مختلفة من المصابين بأمراض عصبية جرّاء الأحداث الاجتماعية، الثقافية، الاقتصادية والسياسية التي مرّت على لبنان. نفس ما قيل في السابق، إنّها عمل يمكنه أن يعيش لمئات السنين، ويظل كما لو أنّه يحكي عن مشكلة آنية، إذ إنّ المشاكل التي حكى عنها العمل لا تزال كما هي. معظم المرضى في المستشفى، والذين أراد زياد أن يختصر لبنان ومشاكله من خلالهم، يمرّون بقضايا نمرّ بها جميعنا في بلادنا: المسؤول السياسي الكبير الذي لا يعرف كيف آلت أو تؤول إليها الأحداث، مما جعله يفقد صوابه، الأرمني الذي لا شأن له بالحرب، لكنّ الحرب لا تتركه وشأنه، الشخص العادي الذي اكتشف أنّه لا يمكنه أن يعيش عاقلاً في هكذا أجواء، الرجل الذي أُوقف على حاجز لإحدى “قوى الأمر الواقع/الأحزاب” فتمّت إهانته ومن هنا كُسرت شخصيته، الطائفي الذي يعتبر أنّ الطوائف الأخرى ستأتي لقتله في أي لحظة. كل هذه الشخصيات موجودة ولا تزال، إنّما أعطاها زياد دفعة “تضخيم” مسرحية في عملٍ هو الأقوى بين أعماله.
الرابط:
8- نزل السرور (الكاتب والمخرج زياد الرحباني، 1974):
أقدم أعمال زياد ضمن القائمة، عمل لغته الموسيقية أعلى من لغته الكلامية، لكن ليس بأي شكل من الأشكال أقل من أعمال زياد السابقة. أوتيل في بيروت في سبعينيات القرن الماضي ونزلاؤه الذين يتمّ اختطافهم من قِبل “ثائرين” غاضبين طُردا من عملهما. الفكرة لربما بسيطة، وقُدّمت كثيراً في السابق، لكنّ أهميتها تكمن في طريقة تقديمها، الأغنيات والموسيقى في العمل التي جعلت زياد واحداً من آباء العمل المسرحي الموسيقي على الرغم من صغر سنه أثناء صناعتها وتقديمها. مسرح زياد التجريبي بدأ عند هذا العمل، لغته خاصة، غير معتادة، وفوق كل هذا أثبت أنّ المرء لا يحتاج أن يكون أكاديميا، ويدرس المسرح كي يصنع مسرحاً خالداً لا يشبه أحدا. ميزة شخصيات زياد في هذا العمل شأن معظم أعماله أنّها تُشابه المجتمع القادمة منه: المقامر المطرود من بيته، الفنانون العازفون في ملهى ليلى، المصوّر الأرمني، الراقصة المعتزلة، وشخصيات أخرى حتى زياد نفسه لم يُعطنا الشرح الكافي لسبب وجودها في هذا النزل كما لو أنّها جزء من هذا المكان البائس بحد ذاته. أغنيات العمل يمكن اعتبارها من الأجمل.
تُعتبر المسرحية من أوائل الأعمال التي جعلت زياد مستقلاً عن عائلته فنياً ومؤسّساً لمدرسته الخاصة.
الرابط:
9- شي فاشل (كتابة وإخراج زياد الرحباني، 1983):
آخر مسرحيات زياد الرحباني التي تضامن فيها مع الشعب “العنيد”، ولربما حتى كانت فاتحة للغته المسرحية القائمة على الوعي. لم يعد زياد شاباً صغيراً مندفعاً هنا يقف مع “الشعب المسكين”، بل خلق لغته الخاصة حول مخرج مسرحي في عملٍ اعتبره هو منذ البداية “شي فاشل”: عمل مسرحي يتحدّث عن مسرحيات شبيهة بأعمال أبيه وأعمامه، أعمال تُمجّد لبنان القرية والأرزة والدبكة والجرة والفولكلور. لبنان الذي لا يوجد إلا في عقول وقلوب الرحابنة وجميع من أيّد فكرتهم وأحبّها، يركّز العمل على الطائفية، والصراعات الطائفية البسيطة والعميقة التي يقدّمها زياد بشكل طبيعي وبديهي دون أي فلسفة أو تعقيد. تنقسم الفرقة طائفيا، فيما المخرج، والذي لا نعرف طائفته، ومساعده الأرمني يحاولان مع رأسمالي إنتاج هذه المسرحية. بطبيعة الحال هناك سرقة في المسرحية، وهناك “مواطنون” لا يقومون بأدوارهم كما يجب نهائياً يتحججون كل الوقت كي لا يقومون بها: مسؤول الإضاءة الذي يضيء كما يحب هو لا كما المسرحية، مسؤول الإلكترونيات الذي يتحجج كل الوقت بمشاكل ثانية فتتعطل الإضاءة والمعدات كل الوقت، مسؤول الألبسة الذي أخذ كل حقّه لكنّه لا يسلّمهم الثياب كما ينبغي. فوق كل هذا فإنّ للجميع صوت مرتفع ورأي يريد إيصاله حتى ولو كان خطأ. تتماهى شخصيات العمل وأحداثه مع يوميات الحرب الأهلية الدائرة آنذاك بين منطقتين: الشرقية والغربية والانقسام الطائفي الذي أودى البلد إلى الفشل المحتوم.
الرابط:
10- بخصوص الكرامة والشعب العنيد (كتابة وإخراج زياد الرحباني، 1993)
في هذا العمل ينتقل زياد الرحباني إلى لغة مسرحية ناضجة للغاية، تجريبية للغاية، لكنّ الأهم أنّه بات مستوعباً أنّ المشكلة ليست في الحكّام ولا الأنظمة الحاكمة فحسب: بل في الناس أنفسهم. هذا الانتباه والاستيعاب الذي تبنّاه زياد في هذا العمل أظهر الكم الهائل من الفهم والذكاء والنضج الذي يميّز المدرسة الخاصة للرحباني/الإبن. لقد استوعب في هذا العمل أنّ الحاكم لم يأتِ من فراغ، وأنّه ليس المشكلة الوحيدة بل إنّ الناس الذين أحضروه، وتسببوا بحدوثه هم المشكلة أيضاً. تقوم المسرحية على مجموعة من السكتشات التي تقدّم أناس المجتمع على شكلهم الحقيقي، لكنّ زياد لا يكون هو نفسه إن لم يقدّم عملاً متقناً إلى أبعد حد: ليس هناك من سكتش في هذا العمل يشبه عملاً آخرا لأي مسرحي في الدنيا. يحرّك زياد أبطاله باستيعاب شديد، مثلاً في مشهد “أخو الشهيد”، يرفض أخو الشهيد الخروج من أي مشهد تصوره الصحافية الأجنبية القادمة لتصوير مقطع إخباري. هنا يطلب الشرطي من أخي الشهيد الخروج من “الكادر التصويري”، بطبيعة الحال يرفض الأمر لا بل إنّه يتطاول على الدولة والشرطي ويبرّر الأمر أنّ “شقيقه ضحّى لأجل البلد”، وأنّ “لديه إخوة يأخذون حقّه”، في الختام يقوم الشرطي بإطلاق النار عليه، والشرطي نفسه يبرّر الأمر بجلافة مطلقة بالقول: “لقد سقط ضحية السلم الأهلي”.
لغة المسرحية التجريبية جاءت صعبة على البعض، كذلك الثياب، الموسيقى، وسلوكيات الممثلين، لكن في الحقيقة، زياد أرادها هكذا كي يكسر كل القوالب القديمة لمسرحه.. هو قبل الآخرين.
الرابط:
11- الملك هو الملك (قصة سعد الله ونوس، المخرج مراد منير، 1988/أُعيدت 2006):
فكرة المسرحية مأخوذة من ألف ليلة وليلة، الملك الذي ملّ من حياة القصر، فقرّر أن يجلس أحداً من الشارع مكانه كي يصبح “حاكماً” وملكاً. اللافت أنّ هذا الملك الدخيل، والذي لا يعرف عن الملك شيئا، ولا يفهم فيه، يمارس ذات أنواع الظلم، والبطش والبشاعة التي كان الملك الأصلي يقوم بها. إنّ الرسالة التي أراد كاتب المسرحية، سعد الله ونوس إيصالها تتلخّص بأنَّ المشكلة في النظام وفي الناس وليس الحاكم هو المشكلة فحسب، فالمواطن العادي الذي تُتاح له ذات الظروف وتتهيّأ كي يصبح في مكان الحاكم فإنّه سيفعل ما يفعله هذا الحاكم تماما.
قيمة المسرحية وقوتها بحسب النسخة المصرية هو وجود المبدعين صلاح السعدني ومحمد منير. كلا الشخصين أضاف كثيراً للمسرحية، أدّى المغني النوبي الأهم محمد منير أغنيات العمل فأضفى عليه قيمة كبيرة، وأعطى السعدني الكثير للشخصية فقدّمها بشكل مبدع لا خلاف عليه نهائيا.
الرابط:
12- الزعيم (الكاتب فاروق صبري، إخراج شريف عرفة، 1993):
لا يمكن الحديث عن مسرحيات ذات بعد قوي وتذهل المشاهد دون الحديث عن مسرحية الزعيم، لزعيم الكوميديا في الوطن العربي عادل إمام. قد يناقش البعض كثيراً حول مواقف الرجل السياسية، لكنّ أعماله القوية وخصوصاً أثناء شراكته مع الكاتب وحيد حامد جعلته يتربّع وبشكل كامل على عرش الكوميديا السوداء والناقدة العربية.
تحكي المسرحية فكرة مكررة كثيراً مفادها أنَّ الزعيم قد مات وجيء بممثل مغمور يشبهه كي يحل مكانه ويتمّ “قيادته” من قِبل الطغمة الحاكمة المحيطة بالزعيم القديم نفسه. القصة لا جديد فيها، لكنّ الجديد فعلياً هو طريقة إمام في تقديم الشخصيتين بداية، ثم الحوار بين الشخصيات وهو أمر يمتاز به المصريون عموماً في تقديم لغة كوميدية ضمن منطق “كوميديا الإيفيه”. يُحسب للعمل أنّه يقدّم لغة مسرحية خاصة بإمام، مسرح ليس “تقدميا” ولا “طليعيا”، لا يشبه مسرح الرحابنة ولا تجارب الماغوط ولحّام، بل مسرح شعبي مصري خالص. وهذا ما يجعله تجربة دسمة وممتعة في آنٍ معا. عُرضت لسنوات طوال ويُقال إنّ كثيراً من القادة العرب اعترضوا عليها.
الرابط:
13- شاهد ما شافش حاجة (الكاتب إبراهيم الدسوقي بالتعاون مع مصطفى أبو حطب، وإخراج هاني مطاوع، 1976):
نحن هنا لسنا فعلياً أمام عمل سياسي من أي نوع، لكنّه بنفس الوقت عمل مسرحي يتميز بتعرية المواطن العربي المسحوق والخائف من كل شيء، والأهم من هذا كله “اللامنتمي” لكل المجتمع حوله. هذا اللامنتمي نفسه، يقع ضحية “حدث جلل غير معتاد”، ومن هنا تتغيّر حياته ولا تعود كما كانت عليه أبدا. لغة المسرحية الكوميدية جعلتها خفيفة جداًعلى المشاهد، فأحب شخصية “سرحان عبد البصير” والتي أدّاها عادل إمام الذي لم يكن قد تُوّج زعيماً للكوميديا العربية آنذاك. الفكرة أنّنا أمام ممثل بسيط يعمل في التلفزيون مقدّماً لبرامج للأطفال، فجأة تحدث جريمة قتل في البناء حيث يسكن. تتغيّر حياته حينما يقول أمام الشرطة بأنّه قد “شاهد” القاتل. تنتهي المسرحية بالبطل الذي تحوّل إلى شبه “غفير” يراقب الجميع، ولا يستطيع عيش حياته بشكل طبيعي أو بسيط. إنّها حكاية الإنسان الذي عاش حياته كلها “الحيط الحيط” ليجد نفسه في نهاية المطاف ضحية لعجلة المجتمع وقوانينه وضوابطه التي لم يشارك يوماً في صنعها وبقي خارجها. مسرحية عميقة المعنى، كوميدية بشكل مدهش، قدّم خلالها إمام أوراق اعتماده ليصبح ما هو عليه الآن.
الرابط:
14- دستور يا أسيادنا (الكاتب محمود الطوخي، المخرج جلال الشرقاوي، 1995):
قيمة هذا العمل المسرحي أنّه قدّم فكرة مستهلكة لكن بطريقة ممتعة، مدهشة، وشديدة البساطة والصعوبة معا. قدّم الكاتب محمود الطوخي والمخرج جلال الشرقاوي بطلهما أحمد بدير في قصة تحكي عن مواطن عادي يترشّح للانتخابات الرئاسية. تتميز المسرحية في أنّها حكت فكرة “المواطن العادي” حينما يقف بوجه القوة الغاشمة، وقاربت فكرة “المستحيل” في حديثها عن “تنحّي” الحاكم أو سقوطه في الانتخابات قبل سنوات طويلة من فكرة الثورة المصرية في 25 كانون الثاني/يناير الشهير. تظهر المسرحية بوضوح فكرة أنّ الديمقراطية في بلادنا أمر زائف خدّاع: يقف الجميع ضد المواطن البسيط الذي يريد الترشّح على الرغم من أنّ “الرئاسة” هي من تريده أن يفعل ذلك، هي من تريده أن “يترشّح”، لكنّه لا يفعل لأنّ “المواطنين” الآخرين لا يريدونه أن يفعل ذلك بكل قوتهم، لا بل إنّهم سيحطمونه لإظهار ولائهم لحكّامهم، بنفس الوقت يظهر الإعلام “سخيفاً وسطحيا” يخلق من “محمود عتريس المصري” (إسم الشخصية) بطلاً من ورق مخترعين تاريخاً وهمياً له ومتعاملين مع أنّ ما اخترعوه هو الحقيقة. مسرحية أبدع فيها الكاتب والمخرج وبالتأكيد نجمها أحمد بدير.
الرابط:
15- تخاريف (الكاتب لينين الرملي، المخرج محمد صبحي، 1989):
يمكن اعتبار محمد صبحي رائداً في محاولات تطوير المسرح العربي عموما، والمصري خصوصا. قدّم صبحي، خاصة في تجارب تعاونه مع الكاتب لينين الرملي محاولات شديدة الأهمية لربما من أبرزها تخاريف، التي تمتاز بقصّة بسيطة لكن بأبعاد قوية: عفريت يحقّق الأمنيات، فيحقّق بعض الأمنيات لمجموعة من الإخوة. أهمية العمل أنّه قارب فكرة “السلطة” و”الثروة” و”الحب” وسواها من القضايا الشائكة. وقبل مسرحية الزعيم لعادل إمام، وخطابه الشهير في بداية مسرحيته تلك، قام صبحي بتقديم خطاب مماثل وإن ارتدى ثياباً شبيهة بالفوهرر الألماني أدولف هتلر، ما قام به صبحي فعلياً استنسخه بشكلٍ أو بآخر عادل إمام في مشهد مع القدير أحمد راتب حين الحديث عن وجود معارضة، ووزراء وسواهم.
تكمن أهمية تخاريف في أنّها قدّمت لغة مسرحية عالية، بعيداً عن الكوميديا المصرية السهلة والبسيطة التي درجت في أوقات ما: خمس مشاهد يمثّل فيها الممثل نفسه أدواراً مختلفة، خمس مشاهد تحكي تقريباً خمس قصص حول أحلام الإخوة عينهم. هذا النوع من الأعمال القوية شكّل عماداً مهماً تفتقده الدراما التلفزيونية عموما، والمسرح العربي الحالي بذات الوقت. يمكن الحديث مطولاً حول الكاتب لينين الرملي أحد آباء النصوص الناقدة، المقاومة والخارجة عن المعتاد.
الرابط:
16- ماما أمريكا (الكاتب محمد صبحي ومهدي يوسف، المخرج محمد صبحي، 1998):
في هذه المسرحية يسعى صبحي لتقديم العلاقة المدهشة بين الوطن العربي وأمريكا، مع استخدام الكلمة المفتاح “ماما”. هل فعلاً العلاقة مع الوطن العربي مع أمريكا هي علاقة أمومة، أم أنّها مجرّد تسمية يضحكون بها علينا لتمرير ما يريدونه. عائلة واحدة تختلف، وأمريكا تتدخل وتأخذ كل شيء، كما يحصل في الواقع وبشكلٍ مباشر. يمتلك صبحي سلاسة غريبة حين التمثيل، يستطيع بسهولة بالغة أن يقدّم شخصية المواطن البسيط والعادي بشكل هادئ ويُحسب له هذا كثيرا، أفكاره التي بناها خلال سنوات طويلة من العلاقة مع المسرح استطاعت أن تؤسس فعلياً لمدرسة خاصة به يراكم عليها. ويُحسب للعمل أنّه مباشر، لا يحاول الفلسفة الزائدة، بنفس الوقت يمتلك الكثير من الكوميديا التي جعلت فكرته جذابة ويمكن مشاهدتها والضحك عليها دون أن تكون مملة أو متعبة. لهذا يُحسب لصبحي كثيراً أنّه استطاع تقديم أفكار معقدة وصعبة بشكل سلس وبسيط ودون الحاجة لتخفيف جرعة التفكير والفهم.
الرابط:
17- وجهة نظر (الكاتب لينين الرملي، إخراج محمد صبحي 1989):
للمرة الثانية يتقارب الزعيم عادل إمام مع زعيم المسرح المصري محمد صبحي في فكرة مشتركة، نفس فكرة فيلم الزعيم “أمير الظلام”(2002 اخراج رامي إمام) نجدها في هذه المسرحية والتي سبقت فيلم إمام بسنوات كثيرة، ويمكن الإشارة إلى أنّ فكرة العملين -بشكل أو بآخر- مأخوذة من فيلم “عطر امرأة” والذي أبدع فيه الأمريكي آل باتشينو. الفكرة قائمة على منزل للمكفوفين يسيطر عليه مدير فاسد يرغب في الاستفادة من هؤلاء المكفوفين لأجل مآربه الخاصة. أهمية القصّة لا في حيثيتها الأصلية، إنّما في تعرية المجتمع ككل من جهة، ومن جهة كيف يتعامل هؤلاء الأفذاذ المكفوفين مع الحياة مع كل صعوباتها خصوصاً مع التعقيدات التي يفرضها لا مدير الدار الظالم والمؤذي بل أيضاً المجتمع بحد ذاته من خلال طريقته في التعامل معهم: إما بالشفقة أو بالتجاهل والنكران. مسرحية تُعرّي المجتمع بمقدار ما هي مضحكة، هي مؤلمة وتحمل رسائل عميقة تستحق القراءة. مهارة هناء الشوربجي وعبلة كامل لا يمكن أبداً تجاهلها في هذا العمل، وفي العموم إنّ هناء الشوربجي واحدة من علامات مسرح محمد صبحي الدائمة.
الرابط:
18- مغامرة رأس المملوك جابر (كتابة سعد الله ونوس، إخراج عصام العراقي 1977):
يمكن اعتبار سعد الله ونوس أحد أهم الكتّاب المسرحيين العرب، والذي تناول في حكاياه ومسرحياته الكثير من القضايا المركزية إنّما بغلاف تاريخي تراثي، ولربما هذا كان من أذكى ما عنده. تأتي حكاية هذه المسرحية من ضمن ذات الأفكار: إنّه المملوك أو الخادم الذي يحمل على رأسه رسالة سرية من أميره، وحال وصول الرسالة، فإنّه من فحوى الرسالة أن “يطير” رأس ذلك المملوك. ومن هنا أتت فكرة “مغامرة الرأس” التي عنون به ونوس مسرحيته الشهيرة والتي قُدّمت عشرات بل مئات المرّات عربيا. مسرحية مسبوكة بعناية، لغتها قوية جذلة، وفوق هذا تحكي فكرة شديدة الأهمية في ألا يتدخل المرء في ما لا يعنيه، وأنّ الحروب والأمراء والأنظمة لا تهتم بالأفراد إلا بقدر حاجتها إليهم، وحال انتفاء الحاجة فإنّها تتخلص منهم دون مبرّر ودون منطق حتى، فالمملوك جابر كان مثالاً مهماً للغاية طالما أنّه يحمل رسالة غير مقروءة على رأسه، وحالما تمّت قراءتها انتفت الحاجة إليه نهائيا. الفكرة التي أراد الكاتب طرقها ههنا أنَّه في أنظمة القمع والقطع على المرء ألا يتدخّل وألا يمد رأسه أبدا، وألا يعتقد أنّه أهم من المُلك والحكم، ففي النهاية سيكون الخلاص منه بقطع الرأس. قد تكون لغة المسرحية ثقيلة، لكنّها تستحق المشاهدة والاستماع إليها.
الرابط:
19- مقامات بديع الزمان الهمذاني (كتابة بديع الزمان الهمذاني وإعداد الطيب الصديقي، إخراج الطيب الصديقي، 1971):
الصديقي هو عميد المسرح المغربي، وأحد آباء المسرح العربي، يقدّم واحدة من أعقد الفنون العربية وهي المقامات، وهنا نحن أمام مقامات بديع الزمان التي تتناول قصص بطل “شائك/احتيالي/صعلوكي” هو أبو الفتح السكندري (أو الإسكندري في بعض الروايات)، هذا البطل يروي حكاياته قاصّ هو عيسى بن هشام الذي يلحق هذا البطل في مهماته ورحلاته وحتى هزائمه وانكساراته. تروي هذه الحكايات -كما المسرحية- قصصاً عن هذا البطل وما حدث معه مع الملوك والأمراء والتجّار وأصحاب المال وحتى الأناس العاديين في الطرقات. إنّها قصة مكتوبة في العصور العباسية لكنّها تحضر اليوم وتُروى كما لو أنّها تُعاش اليوم، وهذا يُحسب لهذه النصوص الجميلة. قدّم الصديقي هذه النصوص على شكل مقاطع ومشاهد بطريقة فتحت الباب أمام أجيال من المخرجين الشباب، وقدّم لغة مسرحية صعبة ومدهشة في آنٍ معا.
الرابط:
*كاتبان فلسطينيان
وسوم :
تهاني نصار, ثقافة, سوريا, عبد الرحمن جاسم, لبنان, مسرح, مصر