19 فيلماً تحكي “القطبة المخفية”
مايو 12, 2026 1:03 م
*تهاني نصّار وعبد الرحمن جاسم
الفكرة في الأصل أن يبحث الإنسان عن الحقيقة، فماذا لو كانت الحقيقة أكثر عمقاً مما تعتقد، ماذا لو أنّها لا ترضيك، ماذا لو أنّ خلف هذه الحقيقة هناك حقائق أقسى وأعمق وأكثر ضرارا. في السابق، خلق الشهيد الراحل غسان كنفاني مبدأ “كل الحقيقة، لكل الجماهير” ضمن منطق أنّه لا يحقّ لأحد ما إخفاء أي شيء عن الناس، لأنّه في النهاية سيدفع الناس ثمن خيارات القادة، أياً كانت تلك الخيارات. يدفع المواطن العادي ثمن كل ما يحدث حوله، ونحن: المواطن العادي، يحقّ لنا، أن نعرف، أن نفهم وأن ندرك ما حولنا. من هنا جاء بحثنا عن 19 فيلماً يحكون الحقيقة كل بطريقته، وكل حول فكرته، فمن الماتريكس الذي حكى قبل عقود عن تأثير الآلات المرعب والمخيف، إلى ترومان شو الذي تناول دور تلفزيون الواقع وتأثيراته، إلى wag the dog وإختراع الحروب وخداع العامّة لأجل انتخابات رئاسية. كل هذا حدث أمام الناس، وكل هذا خدعها، إنّنا أمام لعبة “smoke and mirrors” الشهيرة، حيث يخدعك “الساحر” الدّجّال بألعابه فيحيد بصرك فلا تكتشف حقيقة الخدعة أبدا. هذه القراءة شبه البحثية، هي للإستبصار والإدراك قبل أي شيء، فما تقوله هذه الأفلام ليس “مجرد أمر تسلوي” بل هو أمر “حصل ويحصل وسيحصل”، لذلك لا تكن من “المخدوعين”، بل إختر “أن تفهم وتعرف وترى”، ساعتها “تــ قــ اوم”؛ وليس هناك شرح أفضل مما قالته الكاتبة تهاني نصّار في معرض حديثها عن تأثير “الحبة الحمراء” في كتابها البحثي “سيمولاكرا”: “الــمـــ قــ اومـــــ ة أعطت الجماهير فرصة الاختيار بين الحبتين: الزرقاء لمن يفضّل البقاء في الوهم، والحمراء لمن يختار بكامل وعيه أن يستفيق من عالم الماتريكس إلى حقيقة الواقع الفعلي. إن كنتم ترون رمز المثلّث الأحمر المقلوب في المواد المصوّرة الأصلية التي ينشرها إعلام المــــ قـــ اومـــ ة وأنتم مبتسمون، فذلك يعني أنّكم قد استيقظتم من الماتريكس”.
1- Wag the dog (كتابة ديفيد ماميت وهيلاري هينكين عن رواية American hero للكاتب لاري بينهارت، إخراج باري ليفنسون، 1997):
يأتي هذا الفيلم بمثابة أيقونة أفلام “القطب المخفية” وكيفية صناعة “الأحداث” وتكبيرها لأجل أحداث أخرى، أو لأجل إخفاء أجندات سياسية من نوعٍ ما. يدرّس هذا الفيلم في العديد من كليات الإعلام والميديا والسينما حول العالم لا بصفته مجرّد “رواية/قصة” بل كدليل على مهارة تحويل حدث “ليس صغيرا، بل لم يحدث أبدا” إلى حدث عالمي كبير، بالاعتماد على التقنيات المطلوبة، الحرفة المطلوبة والأهم المال، فضلاً عن الأشخاص في المراكز القيادية المهمّة. يصوّر الفيلم “انتخاباتٍ رئاسية أمريكية” والرئيس يخسر هذه الانتخابات بسبب فضيحة ما، وللمفارقة، فإنّ هذا الفيلم عُرض قبل شهر واحد فقط من انتشار خبر “فضيحة مونيكا لوينسكي/بيل كلينتون” المعروفة، والتي استتبعها قصف أمريكا لمصانع -قيل إنّها مصانع أسلحة- في السودان، مع تجييش للمجتمع الأمريكي للحديث عن هذه الضربة “الكبرى على الإرهاب” وقتها. اعتبر كثيرون بأنّ الفيلم وصنّاعه قد عرفوا عن الموضوع من قبل، لذلك صنعوا الفيلم، وهم لم ينكروا الأمر بالتأكيد.
2- The Truman Show (كتابة أندرو نيكول، إخراج بيتر وير، 1998):
يتناقش كثير من نقّاد الأفلام في أي من الفيلمين، هذا والسابق، هو الأحقّ بأن يكون “سيد القطب المخفية”، هنا نحن أمام أداء أكثر من عبقري من المبدع جيم كاري، والذي قدّم حكاية “طفل” تمّ تصوير حياته بأكملها داخل “فقاعة” تلفزيونية. منذ اللحظة التي وُلد فيها عاش في تلك “المدينة التلفزيونية” المخصصة فقط لتصوير حياته اليومية، ومع ما يتخلّله ذلك من إعلانات تلفزيونية وما شابه. في لحظةٍ مصيرية، يكتشف “ترومان” بطل العمل بأنّه جزء من هذه الجريمة التي لم يأخذ أحد رأيه بشأنها. ساعتها تتغيّر الأمور وتنقلب رأساً على عقب. قصة مدهشة تعرّي فكرة “تلفزيون الواقع” بشكل مرعب كيف أنّه من الممكن أن تكون حياتنا كلها “مصورة” عبر أجهزة مختلفة، وهو ما أثبتته الحروب المتعاقبة على بلادنا، من أنّنا جميعنا نعيش في “عالم يتمّ تصويره بالكامل” سواء أردنا ذلك أم لم نرده. يطرح الفيلم فكرة فلسفية هي “كهف أفلاطون” حيث يصبح “الوهم” هو الحقيقة بالنسبة لأناس لم يخرجوا من كهفهم أبدا، والفيلم، للمفارقة، قد خلق مصطلحاً جديداً في مجال علم النفس هو “متلازمة ترومان” وهي حينما يشعر/يتوهم الأشخاص أنّهم جزء من “برنامج تلفزيون واقعي”.
3- They live (كتابة وإخراج جون كاربنتر، 1988):
الفكرة بحد ذاتها قائمة على قصة قصيرة للكاتب/المخرج عينه لكن تحت إسم مستعار، وتحكي فكرة عامل بناء متشرّد يكتشف “نظّارة” تتيح له رؤية “العالم” على حقيقته: يرى حقيقة الشركات الاستهلاكية، حقيقة المواطنين، حقيقة الحكّام، وكل شيءٍ حوله. يُذكر أنّ الكاتب المصري الشهير إحسان عبد القدوس قدّم قصّة “النظّارة السوداء” والتي تحمل فكرة مشابهة، وإن لم تكن تمتلك ذات النظرية الخيالية العلمية، فبدلاً من أن تستخدم البطلة النظّارة لترى الآخرين، استخدمتها لتعزل نفسها عنهم وترى الأشياء كما تريد أن تراها لا كما هي حقيقةً. قيمة فيلم “إنّهم أحياء” أنّه على الرغم من الأداء العادي جداً لبطل العمل المصارع رودي بايبر والذي لا يمتلك موهبة “تمثيلية” عظيمة، إلا أنّ فكرته حوّلته إلى فيلم “أيقوني” يحمل أبعاداً تعرّي المجتمع بحقيقته بعيداً عن أوهام “الميديا” والإعلانات والشركات الكبرى. واحد من أقوى لحظات الفيلم هو في مشهد “القتال” بين البطل وصديقه، يحاول البطل إقناع صديقه العزيز باستعمال النظّارة، ورؤية الحقيقة، لكنّ صديقه يرفض، فيخوضان مشهداً يتعدّى الدقائق الخمس -وهو للعلم أطول مشهد قتال في تاريخ السينما- وهذا كان مقصوداً لرغبة المخرج بإثبات أنّ الإنسان يرفض الحقيقة ويعاند الوصول إليها.
4- The Matrix (كتابة وإخراج الأختين لانا وليلي واتشاوسكي 1999- الجزء الأوّل):
الفيلم الرابع في هذه القائمة يمكن اعتباره مختلفاً تماماً عن سابقيه، إذ إنّه غيّر فعلياً وبشكل نهائي أفلام الخيال العلمي من خلال تقنية “bullet time” التي أصبحت شهيرة للغاية بعدها، بالإضافة إلى الفكرة الفلسفية الكبيرة خلفه والتي قاربت أفكار الفيلسوف جان بودريار، والذي للتوكيد فإنّ كتابه “simulation and simulacra” يظهر في لقطة من الفيلم. يطرح الفيلم فكرة شبه جنونية حول الذكاء الاصطناعي: ماذا لو أنّ كل ما نعيش به هو وهم مخلّق، وليس حقيقياً أبدا، وأنّ الآلات هي التي تحكم الكون، وتستخدمنا نحن البشر كبطاريات طاقة، لا أكثر ولا أقل. هذه الفكرة الغريبة للغاية حين أطلقها الفيلم جاءت بمثابة نبوءة فنائية إذا بعدها بأعوام ليست بالقليلة بات الناس يستخدمون الذكاء الاصطناعي بشكلٍ يومي تقريباً ومحضَّرون لاستخدامه أكثر فأكثر، ناهيك عن أنّ معظم جيوش العالم الكبرى تستخدم الذكاء الاصطناعي ليتحكّم بأسلحتها بما فيها الأسلحة النووية بشكل كامل ومطلق. تميّز الفيلم بكل شيء فعلياً يجعله واحداً من أيقونات الأفلام، لا أفلام القطب المخفية فحسب، وللأهمية: جاء الماتريكس تقريباً كأوّل فيلم “خيال علمي” يحكي فلسفة عميقة إلى هذا الحد.
5- Eternal Sunshine of the Spotless Mind (كتابة تشارلي كوفمان وميشال غوندري وبيير بيسموث، إخراج تشارلي كوفمان، 2004):
فيلم خيال علمي حزين للغاية، ومهم للغاية بنفس الوقت. رجل عالق في قصة حب لم يُكتب لها النجاح، يذهب لشركة علمية “تجريبية” لديها ميزة “محو الذاكرة”، وهنا تبدأ الحكاية في داخل عقله، نجده يحاول “تهريب ذكرياته الجميلة” من الآلة التي تريد محوها. قصة خيال علمي بحتة، لكنّها تطرح واحداً من أهم الأسئلة الكونية: “ما نحن بلا ذكرياتنا؟، وما الذي يجعلنا بشراً حقا؟ وهل هناك شيء فينا لا يمكن التلاعب به؟”. في مجموعتها القصصية “حكايات ستّي”، تقدّم الكاتبة تهاني نصّار “ثيمة” رئيسية لحكاياتها تحت شعار: “الذكريات وقودها الوحيد”، باعتبار أن جدّتها -بطلة الحكايات- تعيش من خلال “ذكرياتها” عن فلسطين التي حملتها معها وظلّت تعيش فيها وبها حتى خلال حياتها وسلوكاتها في مخيمات العائدين في لبنان. وبالعودة للفيلم بحد ذاته، تأتي طريقة تقديم الفكرة، والتعامل معها، وكيفية غوص البطل في ذكرياته مع حبيبته ودفاعه المستميت عنها، على الرغم من أنّها تؤلمه بشدة، يطرح بشكل مؤكِّداً صراعنا الأبدي مع ذكرياتنا. اسم الفيلم الجميل هذا مأخوذ من قصيدة للشاعر البريطاني الحزين ألكسندر بوب كتبها في العام 1717 تُدعى “إلويزا إلى أبيلارد” وتتحدث عن ذات فكرة الفيلم.
6- V for Vendetta (كتابة الأختين واتشاوسكي عن قصة كوميكس لآلن مور، إخراج جيمس ماكتيغ، 2005):
فيلم عميق معبّر، والأهم من هذا يخلط بين عدّة مفاهيم في آن واحد، المقاومة، الأنظمة الظالمة المتوحشة، وقناع جاي فاوكس. وهذا القناع الذي أُخذ من “منقلب/ثائرٍ” إنكليزي على الملك جيمس، فشل في انقلابه فتمّ إعدامه، الأمر الذي جعل آلن مور الكاتب الشهير للكوميكس يُلبس أحد أبطاله قناعاً مشابهاً لشكل فاوكس. هذا القناع، الذي تحوّل لاحقاً لرمز “الأنونوميوس” و”الأناركية” و”رفض الأنظمة” عالمياً خلال ما عُرف بثورات “الخريف العربي”. حكاية هذا الفيلم قائمة على قصة “في” البطل المقنّع الذي يدعو لإشعال ثورة شعبية ضد حكم نظام فاشي في بريطانيا مستقبلية (لم يحدد في أي تاريخ هي). بطل الفيلم “في” يستخدم العنف والرموز التاريخية (كالقناع الذي يرتديه) لتذكير الناس بما هم عليه، وبما يجب أن يكونوا. أهمية الفيلم أنّه تحدّث عن أنظمة قمعية ظالمة، لا يمكن التخلّص منها إلا بدمج ثلاثة أفكار: الفكرة، التاريخ والقوة/العنف. أداء هوغو وييفنغ في الفيلم -مع أنّه لم يخلع قناعه مطلقا- جعل الفيلم جزءاً فريداً من تاريخ السينما.
7- The Running Man (كتابة ستيفن إي دي سوزا عن رواية لستيفن كينغ كتبها تحت اسمه المستعار ريتشارد باكمان، إخراج بول مايكل جليسر، 1987):
في ترومان شو، حكينا عن “تلفزيون الواقع” وأنّه سيأخذنا عاجلاً أم آجلاً إلى عالم خاص، وهذا ما يقدّمه هذا الفيلم. إنّها حكايةٌ من عصر تلفزيوني متقدّم، حيث الظلم، والأنظمة الاقتصادية المتوحشة قد توحشت حتى النهاية، مما جعلها تُبدع في تخليق تلفزيون واقع يحضّ المشاهدين على “مشاهدة أناس يقتلون بعضهم البعض ضمن ألعاب مصممة لذلك” مقابل ربح الجوائز. يحكي العمل، والذي يشير الكاتب أنّه يحصل (العمل كُتب في سبعينيات القرن الماضي) في العام 2017 حين جرى حكم أمريكا من قِبل دولة بوليسية متوحشة، حيث يتمّ إجبار شرطي أُدين ظلماً على المشاركة في برنامج تلفزيوني يتمّ فيه اصطياد “المجرمين” (أو الذين تصنّفهم الدولة مجرمين) من قِبل “أبطال” (تُعيّنهم الدولة كذلك وتصنعهم) من أجل “إلهاء” الشعوب المضطهدة، وإبعادها عن القضايا المهمّة. قوة الفيلم في اللغة المستخدمة في الحديث الإعلامي حينما يتمّ مثلاً استضافة سيدة لطيفة لسؤالها ما هي الطريقة الأمثل لملاحقة هذا “الرجل الراكض”، لتُجيب بفرح شديد كما لو أنّها تلعب: “إلحقوه بالنار، اقتلوه بالنار”.
8- Idiocracy (كتابة مايك جادج وايتان كوهين، إخراج مايك جادج، 2006):
فيلم تمّت صناعته بغرض أن يطرح قضية كوميدية، إلا أنّ عمقه جعله ضمن هذه القائمة. فكرته بسيطة للغاية، وقوية أيضا: رجل عادي جدا، ذو ذكاء متوسط، أو حتى عادي يتمّ تجميده لسبب ما، وفجأة يستيقظ بعد 500 عام كاملة، ليجد نفسه أذكى بشري على وجه الأرض، لا لأنّه قد ازداد ذكاءاً بل لأنّ البشر من خلال الانحطاط الثقافي، النزعة الاستهلاكية الفائضة، وسيطرة الشركات الكبرى وتوحشها، قد تحوّلوا إلى كائنات غبية وتافهة للغاية. يقدّم هذا الفيلم البسيط والمنتج بكلفة بسيطة غير كبيرة إلى ما يشبه “النبوءة” لما يحدث هذه الأيام ولقادمها كذلك: أجيال كبيرة من الأغبياء الذين لا يعرفون إلا ما يُنقل لهم، لا يهتمون إلا بالترند، ولا يهتمون إلا بالأمور السطحية والتافهة. كل القضايا الكبرى والمهمة ليست لا تعنيهم فحسب، بل إنّها ليست مفهومة بالنسبة لهم ومعقدة للغاية حتى يفكروا بها. اللافت أنّ هذا الفيلم، لم يخرج لصالات السينما بالمطلق، بل إنّه خرج على شكل دي في دي في وقته، باعتباره فيلماً تافهاً وفاشلاً من قِبل شركة فوكس للإنتاج.
9- The Hunger Games (كتابة جاري روز وسوزان كولينز وبيلي راي مأخوذ عن روايات سوزان كولينز، إخراج جاري روس، 2012):
على الرغم من أنّ الفيلم يشير إلى أنّه لا يتحدّث عن كوكب الأرض في القصة، إلا أنّ الفكرة المرعبة في الفيلم قد لا تحدث اليوم، لكنّها قابلة للحدوث إذا ما استمرت البشرية على هذه الشاكلة. إنّها دولة “بانيم” المستقبلية، حيث السلطة الحاكمة أو “الكابيتول” كما يسمّونها تُجبر بقية المقاطعات على إرسال فتى وفتاة للقتال حتى الموت في ما يسمّى “ألعاب الجوع” ضمن حدثٍ متلفز يبث في جميع المقاطعات بهدفين: الأوّل تذكير كل هذه المقاطعات بخسارتها لثورتها على السلطة الحاكمة في الكابيتول، والثاني بهدف العقاب، عقاب المقاطعات الخسارة على تلك الثورة الفاشلة. قوة هذا العمل في أنّه يقدّم هذا الحدث الدموي المتوحش والخالي من المشاعر باعتباره حدثاً “استعراضيا”. إنّه يصوّر الحياة في المدن الكبرى -ولو لم يذكر هذا الأمر صراحة- مقارنة بالمدن الصغيرة، وبين أعمال سكان العواصم العملاقة مقارنة بسكان المدن الصغيرة والقرى لناحية المأكل والملبس والعادات والتقاليد. طبعاً “ألعاب الجوع”، للأسف وبحزن شاهدناها تحدث في غزّة خلال العامين الفائتين حينما كنا نشاهد “المساعدات” التي تُرمى من السماء بواسطة الطائرات وأحياناً تقع على “منتظريها” فتُرديهم شهداء، أو تنفجر بهم، وهذا ما حدث بشكل واقعي مخز. لا ينسى العمل الضخم والمهم هذا تناول السياسة بكل وحشيتها واستعراضاتها، وكيف تؤدلج السياسة الناس وتربّيهم بأسوأ الطرق الممكنة. يُذكر أنّ الكاتبة سوزان كولينز أشارت في إحدى مقابلاتها بأنّها استلهمت فكرة الرواية من مشاهدتها لتلفزيون الواقع وتغطية الإعلام الأمريكي لأحداث حرب العراق الأولى.
10- Thank You for smoking (كتابة وإخراج جيسون رايتمان عن رواية لكريستوفر باكلي، 2005):
تكمن أهمية هذا الفيلم في كونه يصوّر لنا الأداء الإعلامي للأشخاص الذين يتولّون الدفاع وحماية الشركات الكبرى، إنّه يقدّم لنا هذا الأمر بلا محاباة أو فلسفة أو حتى تغطية من أي نوع. إنّها حكاية نيك نايلور، المتحدث الرسمي باسم “شركات التبغ الأمريكية”، والذي تدور وظيفته حول أمر واحد: تلميع وتحسين صورة التدخين والتبغ، والتشكيك في أي دراسة علمية/صحية تتناول مضار التدخين أو التبغ. هذه القصّة التي قاربها الفيلم تتحدّث -في ظاهرها- عن “إعلامي” يدافع عن شركات التبغ والتدخين لكنّها في الحقيقة تتحدّث عن جميع من هم يماثلونه في الدور وفي الأداء: من الفود بلوجرز، إلى التجار، إلى بائعي أي شيء عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فضلاً عن الأطباء والمهندسين وسواهم ممن يدافعون عن الشركات الكبرى، أو “ما يبيعونه” رغم علمهم بضرره الكبير أو مخاطره ولا يقولونها للناس رغم معرفتهم بتلك المخاطر. فيلم عميق للغاية، يقارب القضية بسلاسة وسهولة دون أي فلسفة أو صعوبة.
11- Natural born killers (كتابة ديفيد فيلوز، ريتشارد روتوسكي، وأوليفر ستون عن قصّة لكوينتين تارانتينو، إخراج أوليفر ستون، 1994):
فيلم عنيف للغاية، مختلف للغاية، يحكي كيف يؤثّر الإعلام ويعدّل على حياتنا بأكملها لا بل إنّه يخلق وحوشاً ليست بالضرورة وحوشاً لكنّها تستفيد من هذه الضجّة التي يسبّبها الإعلام عبر رغبته في تحويل “الهامش” -fringe- إلى أساسي -main-. إنّها حكاية شاب وفتاة عاشقين، مجنونين، يقرران القيام بسلسلة من جرائم القتل الوحشية معا، بهدف نيل الضجة، فيأخذ قصتهما الإعلام، فيحوّلهما إلى “بطلين شعبيين محبوبين” على الرغم من قذارة جرائمهما واعترافهما بارتكابها. أهمية هذا الفيلم لمخرج عميق القدرة مثل أوليفر ستون أنّه وضع لبنة الأساس أمام فكرة مهمة هي أنّ الإعلام يمكنه، فعليا، تغيير زاوية التعاطف مع أي أحد، وفي أي وقت، فيصبح القاتل لطيفا، طيبا، محترما، مظلوما، فيما يصبح المظلوم مجرماً وقاتلاً وهو السبب في ما حصل له. قوة الفيلم تكمن في طريقة تصويره، وهي طريقة مختلفة عن المعتاد، اعتمد فيها ستون على الأبيض والأسود في كثير من الأحيان في طريقة تشبه الهلوسة منها للطريقة العادية في الإخراج. فيلم ثقيل، لكنّه قوي للغاية.
12- Don’t Look up (كتابة وإخراج آدم مكاي عن قصة له ولديفيا سيروتا، 2021):
قصته بسيطة للغاية، وليست معقدة: عالمان يكتشفان بالصدفة أنّ هناك مذنباً ضخماً يتجه ناحية كوكب الأرض، وسيدمّره فعلياً ويقتل البشرية جمعاء. يذهب هذان العالمان في مهمة إنقاذية “إعلامية” لتحذير الناس وحكّام البلاد مما سيحدث، ليواجهوا بكمية هائلة من التجاهل، واللامبالاة، فضلاً عن الجشع ومحاولة الاستفادة مما يحدث من سياسيين واقتصاديين. لغة الفيلم البسيطة والمعبرة تجعله يستحق المشاهدة أكثر من مرّة، ذلك أنّ فيه الكثير من التفاصيل التي تستحقّ المتابعة. تكمن أهميته في أنّه ببساطة يؤكد نظرية أنّ المواضيع المهمة لا تُطرح، ولا يهتم بها أحد، وإذا ما حصل فإنّها تحصل على الاهتمام غير المناسب أو غير المفيد. قضية مصيرية مثل هذه، مثل آلاف القضايا المصيرية لا يهتم بها أحد إلا إذا ما أصبحت “ترند” وإذا ما فعلت، فإنّ الاهتمام يكون بها بمقدار بقائها كترند، أما إذا نُسيت، فإنّها تبقى في النسيان حتى تصل لمرحلة الانفجار.
13- Snowpiercer (كتابة وإخراج بونج جون هو، وشاركه في الكتابة كيلي ماسترسون عن رواية كوميكس فرنسية، 2013):
لا ريب أنّ قضية الإحتباس الحراري وثقب الأوزون وأزمة الحرارة تشكّلان قضايا رئيسية كانت يجب أن تكون في أولويات البشر هذه الأيام وفي الأيام القادمات، إلا أنّ الإنشغالات الدائمة في كل الأمور الراهنة والحروب التي لا طائل منها، فضلاً عن الجشع المطلق للشركات كما للدول الكبرى سيجعلنا نصل إلى مرحلة يحكي عنها هذا الفيلم. في المستقبل القريب تتجمّد الكرة الأرضية بفعل تجربة فاشلة لإيقاف الاحتباس الحراري، ويعيش من تبقّى من العِرق البشري على متن قطار هائل الحجم مقسّمين بحسب “الطبقات” و”الثراء” كل في مقطورته لا يلتقون إلا لماما. سرعان ما تحدث ثورة يقوم بها سكان المقطورات الأكثر فقرا، ضمن الطبقات الدنيا في هذا المجتمع. أهمية هذا العمل يأتي لناحيتين أنّه قارب قضايا مركزية لناحية الإحتباس الحراري والثورة على الظلم، فضلاً عن إطلالته على أنّ وحشية البشر وصلفهم لن ينتهي بتعرّضهم لكارثة تكاد تبيدهم بل بالعكس تجعلهم أكثر سفالة. فيلم يطرح قضية عميقة، وإشكالية، وقد نصل إليها يوماً ما.
14- Shattered Glass (كتابة وإخراج بيلي راي اقتباساً عن مقال للصحافي باز بيسنجر، 2003):
في العام 2018، قام الصحافي الألماني “النجم آنذاك” في صحيفة دير شبيغل الألمانية كلاس ريلوتيوس بتزوير أكثر من 14 مقالاً له حول اللاجئين السوريين ومقالات أخرى عن العراق نال عليها عدّة جوائز كبرى. على الرغم من كشف كذب وزيف هذه المقالات، لا يزال البعض يتعامل مع هذه المقالات باعتبارها مصادر رئيسية كونها نُشرت في صحيفة مرموقة مثل دير شبيغل. يأتي فيلم shattered Glass قبل ما حدث مع ريلوتيوس بسنوات عدّة، راوياً قصة مشابهة تماما، وحقيقية أيضاً هي حكاية الصحافي الأمريكي ستيفن جلاس، الصحافي المرموق والناجح في مجلّة “The New Republic” الأمريكية المعروفة والذي تمّ اكتشاف أنّه زوّر أكثر من 27 مقالاً (بشكل كامل أو جزئي) من أصل 41 مقالاً كتبها للمجلّة، ضمن طريقة تزوير احترافية مدهشة يصعب على أحد تتبُّعها. رغم فضيحة جلاس المدوية، يظل هذا الفيلم يؤكد بأنّ هناك المئات لربما من جلاس لا يزالون غير مكتشَفين، يكتبون أكاذيب مؤلَّفة ولا يعرف عنهم أحد.
15- Minority report (كتابة سكوت فرانك وجون كوهين عن قصة للكاتب فيليب ك. ديك، إخراج ستيفن سبيلبيرغ، 2002):
حكاية مستقبلية حيث “تُكتشف” الجرائم قبل حدوثها من قِبل مستبصرين يعملون لدى الحكومة. قصّة قد تبدو من الخيال، لكن لا شيء بعد اليوم يمكن أن يدهش الحضارة البشرية. يحكي الفيلم عن جون أندرتون مسؤول وحدة المستبصرين هؤلاء والذي يُتّهم بأنّه سيرتكب جريمة بعد قليل، ومن هنا يجب القبض عليه، يؤمن أندرتون بأنّ المستبصرين على حق، لكنّه بنفس الوقت يؤمن بفرضية “تقرير الأقلية”(minority report) ومن هنا جاءت التسمية، فيبحث عن القاتل ليكتشف أنّ الخلل أكبر بكثير مما يعتقد. أهمية هذا العمل، والذي قد لا يراه كثيرون عميقاً بالقدر الكافي، أنّه يطرح سؤالاً شديد الأهمية عن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي أو الآلة، أو حتى القوانين الصارمة في تناول القضايا الرئيسية والمهمة. إذ لطالما أنّ هناك عمل، كانت هناك أخطاء، ومن هنا، فإنّ أقوى الأنظمة هي عرضة لأخطاء صغيرة قد تؤدي لنتائج كارثية. بنفس الوقت يطرح الفيلم سؤالاً رئيسيا: هل الحساب يكون على النية، أم على الفعل؟.
16- Vice (كتابة وإخراج آدم مكاي، 2018):
فيلم ساخر وجريء إلى حد كبير. يروي الفيلم حكاية شبه حقيقية لصعود نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني إلى منصبه وكيف تحوّل عامل سكة الحديد المدمن على الكحول إلى الرئيس التنفيذي لشركة “هاليبرتون” الكبرى، ثم إلى أقوى نائب رئيس أمريكي في تاريخ أمريكا خلال فترة حكم جورج دبليو بوش، خصوصاً كيف “شكّل” هذا الشخص المدمن على الكحول شكل العالم من خلال الحربين الشهيرتين: العراق وأفغانستان. يمكن الحديث مطولاً عن الأداء المذهل للبريطاني كريستيان بايل لدور تشيني، كما يمكن الحديث مطولاً حول السيناريو المسبوك للعمل، لكنّ الأهمية الحقيقية هي في كيفية تقديم الشخصية هذه التي لم تؤثّر فحسب على الكوكب بأكمله، بل أيضاً في أنّه الرئيس الظل، الذي جمع كل السلطة في يده، وخلق “الإعلام الأمريكي الوجه ذو الرأي الواحد” ممهّداً الطريق أمام قنوات مثل فوكس نيوز ذات الأخبار السياسية المتحيزة.
17- Good night and good luck (كتابة جورج كلوني وغرانت هيسلوف، إخراج جورج كلوني، 2005):
فيلم يحكي عن الصراع في خمسينيات القرن الماضي بين مذيع تلفزيوني معروف يُدعى إدوارد مورو، وسيناتور أمريكي يُدعى جوزيف مكارثي. هذا السيناتور الذي طبع مرحلة سياسية أمريكية سُمّيت بـ”الماكارثية” من خلال ملاحقته الشيوعيين الأمريكيين بطريقة أشبه بمطاردة الساحرات في القرون الوسطى، بشكل وحشي، إرهابي، وطريقة تخلو من أي ارتباط بالقانون. أهمية الفيلم تأتي من ناحيتين: الأولى، أنّه أظهر أنّ صوتاً واحداً قويا، من الممكن أن يأتي بنتيجة ضد “طغيان غاشم” وألا يستصغر الإنسان قوته إذا كان في الموقع الصحيح للقيام بالفعل. النقطة الثانية، أنّه أظهر أنّ معظم هؤلاء الذين يتمسّكون بحرفية القانون وضوابطه هم أكثر الناس الذي لا يهتمون بالقانون ويرتكبون الفظائع تحت حجّة أنّهم يريدون تطبيق القانون وتحقيقه. يروي الفيلم قصة حقيقية، حتى إنّ المخرج جورج كلوني استخدم فيديوهات حقيقية للشخصية الأصلية جوزيف مكارثي بدلاً من الإستعانة بممثل للعب الشخصية، المفارقة أنّ كثيراً من النقاد والمشاهدين اعتبروا أنّ “من أدّى الشخصية” قد بالغ في الأداء ولا يجيد التمثيل.
18- The Purge (كتابة وإخراج جيمس ديموناكو، 2013):
فكرة الفيلم بسيطة: يوم واحد في السنة يحقّ فيه للمواطنين أن يقتلوا بعضهم البعض دون تدخلٍ من الدولة نهائيا، من الفجر حتى الفجر. هذه الفكرة شديدة التوحّش يقدّمها الفيلم بطريقةٍ أشبه بـ”الاستعراض” و”البهجة بالقتل” أكثر من غيرها بكثير، ومن هنا تكمن أهميته. إنّه يروي كيف يتوحّش الناس إبّان “الحروب الأهلية” لكن في يوم واحد فحسب، ينقلب الأخ على أخيه، والجار على جاره، والأهم كل من له دين على آخر ينتظر هذا اليوم على أحر من الجمر. يُظهر الفيلم أفظع ما في البشر، وكيف أنّهم ينتظرون بعضهم البعض ليمارسوا أقذر ما بدواخلهم في ذلك اليوم. ليعودوا في اليوم التالي كأنّ شيئاً لم يكن. يطرح هذا الفيلم إشكالية “الحروب الأهلية” وجرائمها بطريقة مبطّنة، هل سيعيش من قتل بعضهم البعض بهدوء واستكانة وسلام مع بعض؟ أم أنّهم سيدفنون أحقادهم بانتظار اليوم التالي من “التطهير”؟. تتجلّى قوة العمل من خلال إظهاره أنّه حتى في “القتل” هناك طبقات، وهناك أموال، وهناك دولة وأنظمة.
19- Battle Royal (كتابة كينتا فوكاساكو عن قصة لكوشون تاكامي، إخراج كينجي فوكاساكو، 2000):
يُعتبر هذا الفيلم الياباني الأب الروحي لأفلام “البقاء للأقوى” المعروفة عالميا، ولولاه لما رأينا أفلام مثل “Hunger game”، وسواها. يروي الفيلم قصة “متوحشة” في عالم حيث اليابان تسودها البطالة والكساد، وترتفع معدلات البطالة، من هنا يخلق قانون يُدعى بي آر، والذي يسمح بتخدير تلامذة صف دراسي للقاصرين (تحت سن الثامنة عشر) وإعطائهم أسلحة كي يقتلوا بعضهم في لعبة “نجاة” دموية لأجل “تسلية” الجماهير التي لا تفعل شيئا. فكرة هذا الفيلم هي التي فتحت الباب أمام كل ألعاب “الباتل رويال” مثل الببجي وسواها من الانتشار سريعا: جزيرة مفتوحة، الكل ينزل عليها، وعليه قتل الآخرين بفرح شديد، وبالكثير من الضجة حول الأمر. السؤال الأهم الذي يطرحه الفيلم: ماذا لو تحوّل هذا من مجرّد فيلم وقصة إلى واقع شديد الحقيقية؟. يُذكر أنّ فكرة “الدرون” قبل سنوات قليلة فحسب، كانت تُعتبر مجرّد لعبة أو آلة تسلوية للشبان والصبية، واليوم هي “آلة” قتل حقيقية تستخدمها معظم جيوش العالم.
*كاتبان فلسطينيان
وسوم :
أفلام عالمية, تهاني نصار, ثقافة, صمود, عبد الرحمن جاسم