19 كتاباً تُسهم في كشف القطبة المخفية
مايو 28, 2026 6:00 ص
*تهاني نصّار وعبد الرحمن جاسم
الكتاب أصل الأشياء وبداياتها، ومن هنا جاءت أهمية الفكرة، والحكاية، والحبكة. الحبكة التي تقول كل شيء، وتعرّي ما هو مخفي، وأصلي، الذي لا يبيّن من المرّة الأولى. هذه المرّة اخترنا أن نغوص في عمق التفاصيل الصغيرة التي تحكم حياتنا كبشر، كأجزاء من المجتمع، “الترس” الصغير في الآلة الكبرى المسماة مجتمعا، أو دولة، أو أمّة، أو حتى اتحادا. قررنا أن نحكي حكاية الحياة اليومية، الخيارات، التفاصيل التي تجعلنا نعتقد أنّنا “نحن” وكيف يحاول “الأخ الأكبر”، أيّ أخ يعتقد أنّه أكبر ويحق له أن يتحكم في مصائرنا دون أن نعرف، أو يكون لنا “قرار” في ما يفرضه هذا “الأكبر” علينا. من “التلاعب بالعقول” إلى تحويلنا إلى “مجتمع فرجة”، إلى “صناعة إذعان”، إلى “السيمولاكرا” المصطلح الذي أعادته د. تهاني نصّار إلى الواجهة من خلال كتابها “سيمولاكرا”، إلى “الغباء” و”التفاهة” وكيفية دفعهما للأمام والتشجيع عليهما، إلى إنسان ذي بعدٍ واحد لا يفكّر أبعد من أنفه. من الشيخ الجليل عبد الرحمن الكواكبي الذي مات مقتولاً دفاعاً عن فكرته، إلى علي الوردي، إلى الصادق النيهوم، إلى آلان دونو، وجان بودريار، ونعوم تشومسكي، ونعومي كلاين، وهربرت ماركوز. كل هذه أسئلة حاولنا الإجابة عنها من خلال 19 كتاباً تسهم في كشف القطبة المخفية، 19 كتاباً من الضروري قراءتها قبل أن ينتهي عمرنا، 19 كتاباً قد لا تكفي نهائياً للإضاءة على “زوايا” المجتمعات، لكنّها قد تكون فاتحة خير ووعي وطريقا للنهوض. وما من سبيل إلا ذلك، وما أحلى النهوض للقيام بأمر حق، منتج ومفيد.
1- المتلاعبون بالعقول (The Mind Managers) – 1973، هربرت شيللر:
كتاب يصلح حجر أساس لفهم فكرة السيطرة على العقول عبر التلفزيون الكلاسيكي، تلك السيطرة التي امتدّت سنوات طويلة. وقد حُورب الكتاب، فرفضت معظم المجلات والمطبوعات الكبرى أن تتحدّث عنه أو تنشر مراجعات له، حتى إن هربرت شيللر، عالم الاجتماع والاقتصاد السياسي، عدّ هذه المحاربة نفسها دليلاً على نجاح فكرته عن السيطرة التي يمارسها أصحاب المؤسسات الإعلامية على الحقيقة والحرية.
يشرح الكتاب آلة الإعلام الأمريكي ويغوص فيها بعمق، ويحكي أنَ “حرية التعبير والصحافة” في المجتمع الرأسمالي هي “واجهة” فاتنة لإخفاء سيطرة وهيمنة نخبوية محدودة. يحلل الكتاب كيف تقوم الشركات والمؤسسات الإعلامية الكبرى بتعويم شيء، وإخفاء شيء آخر، وإغراق المتلقّي في بحورٍ من الترفيه والابتذال، وتجزئة الأخبار المهمة وتسخيفها، بحيث يفقد المتلقي أي قدرة على تجميع الأخبار وتكوين صورة كاملة عنها. هذا الأمر يخلق بحسب الكتاب مواطناً مستهلكا سلبيا، مسلوب الإرادة السياسية، يختار ما يتمّ وضعه أمامه باعتباره الحقيقة الوحيدة. واحدة من أهم أفكار الكتاب هي “الوعي المعلّب”، وكيف تصنع استطلاعات الرأي “الرأي” ولا تستطلعه أبدا.
2- صناعة الإذعان (Manufacturing Consent) – 1988، نعوم تشومسكي وإدوارد هيرمان:
لا ريب أنّ كثيرين قد سمعوا بنعوم تشومسكي، أستاذ اللسانيات والمفكر السياسي المعارض، وهو يجتمع هنا مع الخبير الاقتصادي إدوارد هيرمان ليبحثا في “نماذج الدعاية” الشهيرة في الأنظمة الديمقراطية. إنّهما يشرحان بوضوح كيف أنّه ليس هناك من حاجة “لرقيب” في هذه النظم، ذلك أنّ “النظم” أنفسها هي الرقيب من خلال عدة نقاط: الممول، الملكية، الاعتماد على الإعلانات كمصدر وحيد للدخل، وبالتأكيد مصادر الأخبار الرسمية.
هذه “الأصول” تضمن تنقية الأخبار من كل ما لا تريده الطغمة الحاكمة ورأس المال. ويشرح الكتاب أنّ الخبر، كي يصل إلى الناس، يمرّ عبر مرشّحات أساسية تُقصي أي صوت معارض، فتُهمَّش الروايات الأخرى وتُعوَّم الرواية الرسمية بوصفها حقيقة مدعومة بالأدلة. ويذهب الكتاب إلى أن الإعلام الغربي يمارس هندسة ثقافية تنتزع موافقة الجماهير على سياسات قد تكون مدمّرة لها، وكل ذلك تحت غطاءٍ من المهنية الزائفة والتعددية الشكلية. ولهذا يعدّه كثيرون مرجعاً أساسياً لليسار العالمي وللمناهضين للإمبريالية حين يتحدّثون عن الإعلام الغربي.
3- مجتمع الفرجة (La Société du spectacle) – 1967، غي ديبور:
يطرح ديبور، وهو مخرج وفيلسوف ماركسي، فكرة بالغة العمق: ما نراه يومياً على الشاشات، سواء شاشة التلفزيون أو شاشة الهاتف اليوم، ليس ترفيهاً بصرياً بريئا، بل مشهد مصنوع ومرتّب بدقّة كي يجعلنا مستلَبين. ويرى ديبور أنّ السياسيين والإعلاميين والممثلين وغيرهم ليسوا سوى أدوات تخلق التبعية لما يقوله النظام المهيمن، وتجعل المشاهد “طيّعا” أمام الطريقة التي يُفسَّر بها معنى الحياة والمجتمع.
“التريند” الذي نعيش تحت سطوته اليوم: من أين يأتي؟ من يصنعه؟ من يطلقه؟ يجيب الكتاب عن ذلك بدقّة، وقبل عقود من ظهور الكلمة نفسها. الأنظمة الحاكمة تريد أن تصنع حياة نمطية فارغة هادئة، ثم تُرسّخها بوصفها الحياة الطبيعية الوحيدة التي ينبغي أن تُعاش، حياة لا مكان فيها للتفكير في الثورة أو الوقوف بوجه الظلم أو مساءلة الآلة الحاكمة ذاتها. الشاشة في مجتمع الفرجة تصنع مواطناً أقرب إلى الزومبي، متفرّجاً سلبياً لا يفعل شيئاً سوى الضغط على الشاشة كي يشاهد الفيديو التالي. ومع ذلك، فقد فتح هذا الكتاب الباب أمام احتجاجات مايو 1968 في فرنسا التي غيّرت وجه البلاد إلى الأبد.
4- المصطنع والاصطناع (Simulacres et Simulation) – 1981، جان بودريار:
كتاب ألهم أعمالاً كثيرة، لعلّ أبرزها فيلم “الماتريكس” بفلسفته كلّها، كما يُلمَس أثره أيضاً في فيلم “Wag the Dog”. صاحب الكتاب هو عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي جان بودريار، أحد أشهر فلاسفة القرن العشرين، وفيه يعلن “موت الواقع” كما نعرفه، وهو تعبير قد يبدو غامضاً ومعقداً بالنسبة لكثيرين.
يشير بودريار إلى أنَ عصر الحداثة (وما بعد الحداثة لاحقا) قد غيّر الواقع الذي نعيشه، فتمّ محو الحدود بين الحقيقة والوهم، وتمّ تخليق “الواقع الفائق” (hyperreality) من خلال الإعلام والفيديوهات والصوتيات والمرئيات. ولاحقا، وسّع بودريار هذه الفكرة في أطروحة مستقلة عن حرب الخليج: المواطن الذي تابع الحرب على شاشة التلفزيون لم يرَ الحرب نفسها، وإنّما رآه صورةً عنها رُتّبت له بعناية. لقد عاش “واقعاً فائقا” أقنعه بأنّه شاهد الحرب، وبأنّها وقعت كما عُرضت عليه، حتى إنّه سيروي تفاصيلها لأحفاده، بينما ما جرى على الأرض قد يكون مختلفاً تماماً عمّا وصله، أو لا يشبهه إطلاقا، تماماً كما في فيلم Wag the Dog. وقد أحدث الكتاب أثراً ثقافياً ما زال ممتداً إلى اليوم، فهو يعطينا مفتاحاً لفهم “الصورة التي يصنعها الذكاء الاصطناعي”، وما يُعرف بالـ Deepfake، وغيرها مما هو في حقيقته “صور بلا أصل”، مستنسَخة عن أمور قد لا تكون حقيقية أصلا.
5- خيانة المثقفين (La Trahison des clercs) – 1927، جوليان بندا:
كتاب من الأهم لناحية توجيه هجوم قاسٍ ولاذع وحقيقي تجاه المثقفين ودورهم ومكانتهم في القرن العشرين، لمفكّر وفيلسوف وروائي وناقد فرنسي عاش ومات وهمه الوحيد “الدفاع عن العقلانية والمنطق” في وجه الأهواء والمكاسب الشخصية. يشرح الكتاب أنّ الأمر قد بدأ مع المثقفين بكونهم حرّاساً للثقافة، ومدافعين عن الجماهير/الشعوب، والمفاهيم المطلقة للجمال: الحرية، الحق، العدالة.
ثم بدأ هؤلاء ينحدرون، فغرقوا في وحول الأيديولوجيات المتطرفة والفاشية، ثم في المصالح الحزبية الضيقة، حتى صاروا أبواقاً للأنظمة التي كان من المفترض أن يقوّموها ويوجّهوها. وقد برّروا، ولا يزالون، كل ما تفعله أنظمتهم بحقّ الشعوب المقهورة، شعوبهم أو شعوب غيرهم، وراحوا يشعلون الكراهية بتفسيرات تقوم على تفوّق العِرق والوطنية الزائفة، طمعاً في المكاسب والمناصب. ويرى بندا أنّ هذا تحديداً ما قادنا إلى ما نحن فيه من كوارث وحروب طاحنة.
6- وظائف تافهة (Bullshit Jobs: A Theory) – 2018، ديفيد غرايبر:
ماذا لو كانت نصف الوظائف في العالم اليوم بلا مبرّر لوجودها؟ انظر حولك في مكان عملك واسأل نفسك: ماذا يفعل فعلاً نصف من يشغلون المناصب في مؤسستك؟ وبعد أن تجيب، هل تظن أنّ أصحاب العمل لا ينتبهون إلى ذلك، أو أنّهم يبذّرون أموالهم على وظائف وهمية لأناس لا ينتجون شيئا؟.
كتاب عالم الأنثربولوجيا الأمريكي ديفيد غرايبر وأحد أبرز منظّري حركة “احتلوا وول ستريت” الشهيرة يعطي إجابة واقعية لهذه الفكرة وبشكل واضح: لا بالطبع، أصحاب المؤسسات يعلمون، ولكنّهم أيضاً يعرفون بأنَّ هناك ملايين الوظائف البيروقراطية الإدارية (مستشارون، مديرون، منسقّون، مديرو موارد، وسواهم) التي يعرف الجميع – بما فيها اعترافات حقيقية واردة في الكتاب – بأنّه لا دور لهم ولا يقومون بأي دور في مؤسساتهم ولا يقدّمون أي فائدة للمجتمع رغم تقاضيهم مرتبات مرتفعة. تُسهم هذه الوظائف بشكل أو بآخر في تخليق مشاعر وهمية سلبية ومؤثرة مرتبطة بالتطور والتقدّم: مثلاً يُعيَّن “إكس” من الموظفين في منصب مرتفع، هو لا يمتلك أي ميزة سوى أنّه “مطبّل” للنظام/للمدير. المدير يعلم بأنَ “إكس” لا يفعل شيئا، لذلك هو وضعه في “مكان لا يفعل فيه شيئا” لكنّه بذلك “علّم” و”درّب” موظفيه الباقين على أنّ “التطبيل هو طريقكم الأمثل للترقّي والتقدّم”.
7- مفارقة الغباء (The Stupidity Paradox) – 2016، ماتس ألفيسون وأندريه سبايسر:
هل واجهتم أثناء أي “نقاشٍ” مع مديركم، أو مسؤول الموارد البشرية يوماً جملة: “الـ attitude عندك غير مناسب للشركة”؟ عند هذه الجملة بالذات يتوقّف كتاب الأكاديميَّيْن السويدي ماتس ألفيسون والنيوزيلندي أندريه سبايسر، المتخصّصَيْن في القيادة والدراسات الإدارية النقدية، وقد كتباه انطلاقاً من سنوات عملهما مستشارَيْن لكبرى الشركات.
يطرح الكتاب مفهوم “الغباء الوظيفي” كمصطلح رئيسي في التعامل -كموظف- مع المؤسسات: إنّ المؤسسات تشجّع الموظفين الأذكياء، ذوي الكفاءات العالية على إيقاف عقولهم عن العمل النقدي من أجل التماشي مع ما يسمى “ثقافة المؤسسة”. في أي مؤسسة من هذا النوع، يُعَدّ التساؤل عن جدوى القرارات أو نقد الاستراتيجيات التي وضعها المدير -أياً كانت- تمرداً ومؤشراً على عدم الولاء، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى الطرد والفصل. هذا الغباء الوظيفي الذي يفيد المؤسسات على المدى القصير من خلال تسيير العمل بسهولة وسلاسة، لديه على المدى الطويل مصيبتان: الأولى أنّه يقتل أي روح للتطور والتطوير لدى الموظف، والثانية أنّه يمنع أي توجيه نحو الصواب، وهو كما يشير الكتاب سيؤدي لانهيار المؤسسة وفشلها لأنّ أحداً لم يستطع القول بأنَ “الملك عار”.
8- وهم الجدارة: طغيان الاستحقاق (The Tyranny of Merit) – 2020، مايكل ساندل:
صدر هذا الكتاب عام 2020 لمايكل ساندل، أستاذ الفلسفة السياسية في جامعة هارفرد، بعد فضيحة القبول في الجامعات الأمريكية النخبوية التي كشفت أنّ الأثرياء يشترون لأبنائهم مقاعد كان يستحقّها سواهم (سُمّيت العملية Operation Varsity Blues حيث قامت وزارة العدل الأمريكية بملاحقة ريك سينغر الذي فتح الباب أمام الأثرياء وأبنائهم بالدخول عبر المال إلى الجامعات الكبرى من خلال تزوير نتائج SAT أو التلاعب بها، والاحتيال الرياضي، وقد حدثت في جامعات مهمة مثل ييل، ستانفورد، جنوب كاليفورنيا، جورج تاون و UCLA).
يفكّك الكتاب أسطورة “الميريتوقراطية”، أي حكم الجدارة، تلك الفكرة القائلة إنّ الأكفأ الذي بذل الجهد وامتلك الموهبة هو من وصل ومن يحقّ له أن يحكم. يرى ساندل أنّ هذه الفكرة تصنع مجتمعاً مريضا: فالرابحون فيه تتملّكهم غطرسة الاستحقاق، إذ يظنّون أنّ نجاحهم وليد عبقريتهم وجهدهم وحدهما، ناسين دور الحظّ والجينات والطبقة الاجتماعية والعائلة، بل وأحياناً الدين أو الإثنية في بعض البلدان. أما من لم يصلوا فيتركهم هذا النظام غارقين في الشعور بالمهانة والذل، ثم في غضب عارم يقول الكتاب إنّه صار وقوداً تتغذّى عليه اليوم تيارات يمينية متطرفة.
9- نظام التفاهة (La médiocratie) – 2015، ألان دونو:
لعلّ هذا أشهر كتب هذه المجموعة على الإطلاق، فقلّ أن تجد “بسطة كتب” تخلو من نسخة مقلّدة منه. صاحبه هو الفيلسوف والأكاديمي الكندي ألان دونو، ويرى أنّ الأنظمة الحديثة لا تريد العباقرة ولا المفكّرين النقديين، كما لا تريد الأغبياء عديمي الفائدة. ما تريده هذه الأنظمة، بثقة ووضوح، هو التافهون بمختلف أصنافهم.
يشرح دونو أنَ التافه هنا هو شخص مطيع، يجيد استخدام لغة المؤسسة المضللة والخشبية، لا يطرح أي سؤال جوهري، مستعد لتنفيذ الأوامر وتقديم التنازلات الأخلاقية من أجل الترقّي والتطور. تخلق الأنظمة الأكاديمية العلمية والعملية المؤسساتية بيروقراطية متطورة تخنق الإبداع وتكافئ “المطبّلين التوافه”. يوضح الكتاب كيف أنَ الأنظمة التعليمية تحوّلت إلى مصانع استشارات تخدم الشركات والمؤسسات التي تريد هذا النوع من “الكنادر”. فتحولت السياسة إلى إدارة تقنية بلا رؤية، والفن إلى مجرد تسلية استهلاكية بلا أي معنى أو قيمة. أهمية الكتاب تكمن في أنّه يدعو إلى رفض الأمر، والوقوف في وجهه، وعدم التواطؤ معه بأي طريقة، والعمل ضده مهما كان الثمن، فالانحطاط العام ليس صدفة، بل هو منظومة إدارية تُدار بعناية.
10- الإنسان ذو البعد الواحد (One-Dimensional Man) – 1964، هربرت ماركوز:
اعتبرت الحركات الطلابية اليسارية في أوروبا في ستينيات القرن الماضي الفيلسوف الألماني/الأمريكي هربرت ماركوز والدها الروحي، ذلك أنَ كتابه هذا وضع الماركسية ومفكريها أمام إشكالية شديدة الأهمية: لم يعد العمّال هم رواد الثورة، بل الطلاب والمهمّشون. يقدّم ماركوز تحليلاً مخيفاً لكيفية تمكن المجتمع الصناعي الأمريكي/الأوروبي من ترويض “العامل” عبر “مفاهيم الرفاهية”.
لم تعد هذه الأنظمة تقمع معارضيها بالحديد والنار كما كانت تفعل الأنظمة الأكثر وحشية، بل صارت تخنقهم بحاجات ورفاهيات زائفة تتسلّل إلى يومياتهم. تأمّل كيف كان أهلنا في الماضي يكتفون على الفطور بصنف أو صنفين، بينما صار للفطور وحده اليوم أطباق متعدّدة، فضلاً عن خدمات التوصيل والأطعمة الجاهزة. هل يستطيع بيت اليوم أن يعيش بلا إنترنت؟ أو بلا كهرباء على مدار الساعة؟ ماذا عن المكيّف؟ كل هذه التفاصيل التي لم تكن يوماً ركناً أساسياً في الحياة صارت قيداً علينا من حيث لا ندري.
يشرح الكتاب كيف أنَ الكائن المتمرد يتمّ استيعابه من خلال محاصرته بهذه الطلبات ممن يحبهم: أولاده، عائلته، أهله وسواهم. لقد أصبح الرفض والقول “لا” عقابه “غياب” هذه الأمور البديهية بشكلٍ أو بآخر: فغياب العمل -الذي تؤمنه الأنظمة- يعني غياب هذه “الرفاهيات التي لم تعد رفاهيات”. يشرح ماركوز بأنَ الطبقات العاملة لم تعد جاهزة للثورة، بل ابتلعت الطعم الاستهلاكي واندمجت تماماً في النظام الذي يُفترض أن تقف ضده.
11- مجتمع الاستهلاك (La Société de consommation) – 1970، جان بودريار:
هل صادفتَ شخصاً يحمل أحدث هاتف آيفون ليستعرضه أمام الناس؟ أو يدخّن سيجارة الـ Iqos الإلكترونية تباهيا؟. يقدّم هذا الكتاب رؤية غير تقليدية للاقتصاد مؤكداً أنّ الاستهلاك في عصرنا لم يعد متعلقاً بإشباع حاجات الفرد الطبيعية كالجوع والبرد، بل هو “استهلاك” لعلامات ذات “طبائع سيميائية” تحدد “المكانة” و”الهوية” الاجتماعية.
مثل أن نجد شخصاً يقول بأنّه لا يأكل “إلا ماكدونالدز” أو لا تستعمل إلا حفاضات من نوع “بامبرز”، إنّه يقدّم “الطبقة” التي يطمح لارتيادها، أو هو في صدد تقديم “ولاءات” ثقافية/اختيارية معززة لتثبيت تلك المكانة. يعيش المجتمع المعاصر -بحسب بودريار- في وفرة وهمية، حيث نحيط أنفسنا بأشياء وخدمات لا نهائية تخلق لغة استهلاكية نجعلها “مقدسة”: لا آكل إلا هذا، ولا أستخدم إلا هذا، ولا أحب إلا هذا، وكلّها “ماركات” و”نوعيات” ترتبط ارتباطاً لا واعيا، وأحياناً مرضياً قهرياً بما في نفوسنا. يعزل هذا الهوس الاستهلاكي البشر عن بعضهم، ويقرّبهم ممن يشبههم في ذات نوعية الاستهلاك، محولاً كثيراً من العلاقات البشرية إلى “ترابط استهلاكي”. لا ينسى الكتاب عمليات التجميل، ونحت الأجساد والوجوه لتقديم “صور غير حقيقية” مسلّعة لامرأة أو رجل يشبه مجتمع الاستهلاك نفسه.
12- لا لوجو (No Logo) – 1999، نعومي كلاين:
تحقيق استقصائي رصين، من النوع الذي قلّ نظيره في صحافتنا العربية، للصحافية وصانعة الأفلام المستقلة الكندية نعومي كلاين، حتى لُقّب بالكتاب المقدّس للحركة المناهضة للعولمة. تشنّ كلاين فيه نقداً لاذعاً على الشركات الكبرى والمتعدّدة الجنسيات، وتكشف الوجه القبيح للعلامات التجارية المهيمنة.
يقول الكتاب إنّ الشركات الكبرى صاحبة “البراندات” لم تعد نهائياً تهتم بالمنتج الذي تقدّمه للمستهلكين، بل ببساطة بالفكرة والقصة والحكاية والمفهوم خلف هذا المنتج: لقد أصبحت تبيعهم الحرية في حذاء، أو حقيبة (شنطة)، أو تي شيرت. لقد أصبحت “الرجولة” أو “الأنوثة” تكمن في قنينة عطر، أو نوع “كحول” أو “تبغ” أو ربطة عنق. تستثمر هذه الشركات الكبرى، بحسب البحث/الكتاب، ملايين الدولارات في الإعلانات والأفلام الموجهة وصناعة الهوية البصرية، فيما تتمّ عملية الإنتاج لـ”منتجاتها” في معامل الاستغلال الوحشي (sweatshops تُسمّى محلات أو مصانع العرق)، في دول العالم الثالث حيث يعمل العمال بأجورٍ أقل من زهيدة، وظروف غير إنسانية، وبلا حقوقٍ أبدا. أهمية الكتاب أنّه قدّم لفكرة “مقاومة” الماركات، ورفضها، والوقوف في وجهها، واعتبر أنّ هذا الأمر هو بداية سياسة لمناهضة طغيانها.
13- الحداثة السائلة (Liquid Modernity) – 2000، زيجمونت باومان:
كتاب عميق للغاية يضع إجابات على أسئلة تخطر يومياً على بالنا: لماذا ارتفعت نسب الطلاق كثيراً في بلادنا؟ لماذا لم تعد الصداقة، أو الأسرة، أو الانتماء للوطن، والكثير من الأمور والثوابت التي عاش عليها كثير من أجدادنا موجودة ومؤثرة إلى الحد الذي كانت عليه في السابق؟ هل تغيّر المجتمع إلى هذا الحد؟.
تأتي الإجابة من أحد أبرز علماء الاجتماع في القرن العشرين، البولندي البريطاني زيجمونت باومان، صاحب مفهوم “السيولة” الذي وصف به انهيار الثوابت في عصرنا. في الحداثة الصلبة القديمة، كانت الوظيفة والزواج والانتماء السياسي والهوية الاجتماعية، بل والهوية الجنسية، أشياء مستقرّة تمتدّ مدى الحياة، وهذا الاستقرار نفسه كان يمنح الفرد والجماعة قدراً من الطمأنينة.
أما في عصرنا اليوم، عصر الحداثة السائلة: لقد أصبح كل شيء مرنا، قابلاً للتغيير الفوري، مهما كان ثباته في السابق. لقد أصبح رأس المال ينتقل من مكان إلى آخر بضغطة زر: فيقتل شعوباً ويدمّر حضارات دون ثباتٍ في مكان. هذا “التحرر” الموهوم من القيود حوّل كل العبء الاجتماعي/الثقافي على كاحل الفرد الأعزل: الذي بات عليه أن يخترع “وجوده” و”قناعاته” و”أفكاره” وحتى “هويته” يومياً دون أي شبكة أمان اجتماعي. لقد أصبح كل شيءٍ سطحياً بلا قيمة، ومبنياً على منفعة سريعة قد تتغير في لحظة آنية.
14- مجتمع التعب (Müdigkeitsgesellschaft) – 2010، بيونغ تشول هان:
يطرح الفيلسوف الكوري الجنوبي بيونغ تشول هان، في كتابه المكتوب بالألمانية، سؤالاً مقلقا: لماذا يحترق الإنسان في المجتمعات الحديثة داخل وهم الإنجاز؟. يرى هان أنّ المجتمع المعاصر لم يعد يُحكم بالمنع والمراقبة كما وصفه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، بل صار يُسيطَر عليه بعبارات برّاقة خادعة من نوع: “أنت تستطيع”.
إنّه وهم الإنجاز المحكوم بالإيجابية المفرطة غير الحقيقية: لا تراعي كتب/محاضرات/فيديوهات التنظير الإيجابي اليومية، ولا منظّروها المتناثرون على مواقع التواصل الاجتماعي هذه الأيام أياً من المشاكل الحقيقية للمجتمع خلال دفعهم الأفراد للاحتراق الوظيفي والنفسي. مثلاً في بلادٍ لا أمان اجتماعي أو وظيفي أو حتى سياسي/اجتماعي فيها تأتي “النظريات” أنّك “تستطيع”: كيف يستطيع آنذاك الفرد؟ هنا يلوم الفرد نفسه ويعتبر أنّه “فاشل” بينما غيره “نجح” مما يجعله أمام “مصائب” جسدية ونفسية وسيكوسوماتية (نفسية جسدية حتى): من فرط الحركة إلى الاكتئاب، إلى تشتت الانتباه إلى العصبية الزائدة وسواها. يسقط الإنسان اليوم من شدة التعب والإرهاق لكنّه لا يلوم أحداً سوى نفسه: لا يلوم النظام، لا يلوم هؤلاء المتفائلين الكذبة، بل نفسه لعدم كفاءته وقدرته على الاستمرار الوهمي هذا. أهمية الكتاب أنّه يشرح الاستغلال هذا الذي يجعلنا عبيداً طوعيين في عجلة العمل التي لا تتوقف.
15- بؤس العالم (La Misère du monde) – 1993، بيير بورديو:
كتاب ضخم وصادم لواحد من أبرز منظّري رأس المال الثقافي والعنف الرمزي، الفرنسي بيير بورديو. يقوم الكتاب على عمل ميداني أجراه بورديو مع فريق من الباحثين، عبر مقابلات مطوّلة مع فئات مهمّشة في فرنسا: عمّال ومهاجرون وموظفون صغار وعاطلون عن العمل.
يكشف الكتاب/البحث أنّ هؤلاء يتعرّضون لعنف رمزي خفي وممنهج من قِبل مؤسسات الدولة والمجتمع مما يجعلهم يشعرون بالدونية والعجز ولا يُسمح لهم لا بالتقدّم ولا بالتغيّر. إنّ المجتمع يريدهم في هذا المكان، في هذه الطبقة، عاجزين، وبهذا الشكل الذي هم عليه دون أي تغيير أو إصلاح من أي نوع. يرفض بورديو اختزال فكرة البؤس بالفقر المدقع، ويثبت أنّ هناك بؤساً يومياً خفياً يتجلى في الإذلال الإداري، فقدان المكانة والمنصب، تدمير العلاقات الاجتماعية والتضامن، والأهم اليأس من المستقبل والشعور بأنّ القادم قبيح وبشع. أهمية الكتاب أنّه يعيد الاعتبار للأبطال المقهورين، للإنسان المسحوق، مشيراً إلى أنّ هذا الأمر لن يدوم نهائيا، وبأنّ كل هذا سيقود لانفجاراتٍ اجتماعية وعنصرية خطيرة.
16- المرايا (Mirrors) – 2008، إدواردو غاليانو:
أهمية هذا الكتاب لليساري الأوروغوياني، الكاتب الرقيق والمفعم بالمشاعر إدواردو غاليانو، أنّه يعيد سرد تاريخ “العالم” وكيف وُجد، لكنّه هذه المرة يرويه من “القاع” بدلاً من “القمة”: أي سِيَر العامة، وليس سِيَر الملوك والقادة، سِيَر الناس العاديين لا المنتصرين في الحروب. إنّه يناقض التاريخ الرسمي الذي كتبه المنتصرون والبيض والأغنياء وأصحاب المليارات، بل يقدّم مئات القصص القصيرة والقصيرة جداً التي تروي التاريخ بعيون السكان الأصليين للبلاد، العبيد، النساء المقهورات، العمال الكادحين، والفقراء المهمّشين.
ينتقل الكتاب كعادة غاليانو المفتون بالنصوص القصيرة بين الأزمنة والأمكنة ليفضح الاستعمار، الرأسمالية، والعنصرية التي أسست وبنت حضارتها على جماجم الفقراء المنسيين. يسخر الكتاب الرقيق والعاطفي في آنٍ معا، من ادعاءات الحضارة البيضاء الغربية أنّها “حضارة إنسانية”، ويُعيد الاعتبار لحكايات وأساطير الشعوب الأصلية. ميزة هذا الكتاب أنّه ليس كتاب تاريخ معتاداً وأكاديمياً بمقدار ما هو شبه صناعة ذاكرة حية، تشبه تاريخاً شفهياً في كتاب.
17- مهزلة العقل البشري – 1959، علي الوردي:
كتاب عميق، جميل، حلو، والأهم من هذا أنّه من مفكرٍ عربي عراقي، يطرح المفاهيم العلمية والأكاديمية بشكل سلس وبسيط ويطبقها على مجتمع عربي هو المجتمع العراقي. يطرح هذا الكتاب الجريء والذكي نقداً قاسياً وساخراً لمفهوم الدوغمائية (الجمود الفكري) والتعصب الفكري شارحاً بأنّ العقل البشري ليس أداةً صلبة للبحث عن الحقيقة المجردة كما اعتقد المنطقيون القدماء.
العقل البشري عند الوردي أداة تبريرية تنقاد للمشاعر والدوافع والغرائز والمصالح، بل وللمقامات الاجتماعية أيضا. يكشف الوردي تناقضاً صارخاً في الشخصية العراقية بين ما تعلنه من مثاليات عُليا وبين واقعها اليومي المحكوم بالبداوة والعصبية والمصلحة. وينتقد رجال الدين والوعّاظ والفلاسفة الذين عاشوا منعزلين عن الناس في أبراج “عاجية”، يحاولون إصلاح المجتمع بالموعظة المجرّدة دون أن يفهموا طبيعة البشر ولا القوانين التي تحكم تطوّر المجتمعات. والكتاب في جوهره دعوة إلى تفكير نسبيّ واقعي يتحرّر من الجمود والتعصب. وقد كتب الوردي “مهزلة العقل البشري” أصلاً ردّاً على موجة الانتقادات التي طالت كتابه السابق “وعّاظ السلاطين”، فقد أثار ذلك الكتاب جدلاً واسعاً جعل صاحبه عرضة للهجوم سنوات طويلة.
18- طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد – 1902، عبد الرحمن الكواكبي:
كتاب عربي آخر، أشبه بالمانيفيستو النهضوي والحضاري والثقافي قدّمه المفكر الإسلامي والمصلح الاجتماعي السوري الشيخ عبد الرحمن الكواكبي، والذي أدى في النهاية لمقتله بفنجان قهوة مسموم في منفاه المصري. طُبع الكتاب بداية في القاهرة تحت اسم مستعار هو “الرحالة كاف” ذلك أنّ مجرّد الحديث في الأمور التي قاربها الكتاب عُدّ آنذاك بمثابة “الهرطقة” و”الكفر”.
يغوص الكواكبي في تحليل كيفية تدمير الاستبداد للدين عبر تحويله لخرافات تخدم السلطان وتُسهم في بقائه في الحكم سنوات طوال دون وجه حق، وتدمير العلم إذ إنّ المستبد يحارب العلم، والعلوم، والتقدّم ويشجع الجهل، وتدمير الأخلاق إذ يزرع النفاق والتطبيل والجبن وانعدام الثقة في المجتمع. تكمن أهمية الكتاب وعمقه في أنّه بدلاً من المعتاد في “شتم الحاكم” و”ظلمه” لام الكواكبي الناس، إذ إنّهم هم السبب في بقاء هذا المستبد في مكانته، ولولا خنوعهم وصمتهم وجهلهم، فضلاً عن إلفهم للعبودية واستعذابهم للذل لما وصل الأمر إلى ما هم عليه وهو ما أسماه الكتاب: “العبودية الطوعية”. يقول الكواكبي في هذا المانيفيستو بأنّ الحل الوحيد والجذري هو القيام في وجه هذا الوباء: أي الاستبداد الذي هو أصل كل داء. إنّه السبب في تراجع الشرق، وحالته الحالية، وبقائه في مكانته المتخاذلة المقهورة والمكسورة هذه بين الأمم.
19- ثلاثية الإسلام (الإسلام في الأسر: من سرق الجامع وأين ذهب يوم الجمعة، وإسلام ضد الإسلام) – 1991-1995، الصادق النيهوم:
ثلاثية قوية وعميقة لمفكرٍ ليبي قرّر أن يخوض غمار نقاش الوضع الإسلامي من خلال مجموعة مقالات نشرتها مجلّة الناقد اللبنانية الصادرة في لندن في أوائل تسعينيات القرن الماضي. هاجم النيهوم في كتبه/مقالاته وعّاظ السلاطين، واعتبرهم مؤسسة كهنوتية لا أصل لها في الإسلام، وأنّها صُنعت أساساً وخصيصاً لخدمة الأنظمة والسلاطين.
شرح النيهوم كيف أنَ الإسلام هو حركة ثورية، مساواتية، اشتراكية، تنحاز للفقراء، وتؤسس لديمقراطية شعبية مباشرة. يطرح الكتاب كيف أنَ الإسلام اختُطف وسُجِن في أقبية السلطة السياسية (تحديداً الأموية والعباسية) بالتحالف مع طبقة من فقهاء الأنظمة والملوك والسلاطين. ابتكرت هذه الأنظمة طبقة “رجال دين” مهمتهم تطويع النصوص الدينية وتفصيلها على مقاس الحاكم: هنا يتحول الإسلام بحسب هؤلاء إلى طقوس جامدة، والفتاوى لا تصدر إلا كما يريده الحاكم وتبرّر الظلم وتدافع عن الأثرياء وتخدم مصالحهم أياً كانت، ومهما خالفت الشعائر الأصلية للإسلام. أهمية هذه الكتب أنّها طرحت مفاهيمَ ثورية للغاية وأفضت إلى نقاشات تستحقّ الولوج إليها.
*كاتبان فلسطينيان
وسوم :
القطبة المخفية, تهاني نصار, ثقافة, صمود, عبد الرحمن جاسم, كتب