19 فيلماً عن المقاومة
يونيو 4, 2026 10:28 ص
*تهاني نصّار وعبد الرحمن جاسم
قاومت الشعوب الاحتلالات، هذا هو الأصل. عدم المقاومة هو فعل غير طبيعي، غير فيزيائي، غير حقيقي. كل قوة “غاشمة” تقوم بمقابلها “قوة مقاومة”، هذا هو البديهي، لا شيء فيما نقوله غريب أو غير حقيقي. نقاش غير ذلك هو غير الطبيعي، وغير المنطقي، وغير الواقعي. أتت المقاومات مختلفة، متنوعة، ذات صرخات قوية، وهي كعادتها، كعادة كل المقاومات تنتصر في النهاية مهما بلغت التضحيات. من هنا جاء نقاشنا هذا الأسبوع نون الروح وأنا حول الأفلام التسعة عشر التي تناولت المقاومة وإن بأشكال متنوعة مختلفة، فمن السيرة الشخصية لشخصيات مقاومة من باتريس لومومبا، عمر المختار، جميلة بوحيرد، جمال عبد الناصر، بوبي ساندز. إلى الفعل المقاوم البسيط أو المعقد من السر المدفون وخلّة وردة إلى عائد إلى حيفا والمخدوعون، ومن السخرية المريرة بالاحتلال في يد إلهية إلى إثبات الوجود بحد ذاته مقاومة من خلال “هم لا يوجدون”، وباب الشمس. قاومت الشعوب الاحتلالات، تقاوم الشعوب الاحتلالات، ستقاوم الشعوب الاحتلالات. هكذا هو الحال دائماً وأبدا، إلى نهاية الدهر، مهما حصل، ومهما تغيّر: فالأصل أن نكون، وبوجود “قوة قاهرة” هناك “مقاومة دائمة وأبدية” لا بد لها أن تنتصر، فالقسر لا يدوم.
- معركة الجزائر (The Battle of Algiers) (كتابة فرانكو سوليناس وجيلو بونتيكورفو، إخراج جيلو بونتيكورفو، 1966):
تكمن أهمية هذا الفيلم في أنّه وثّق بواقعية جديدة/حديثة نضال جبهة التحرير الوطني الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي بين العامين 1954 و1957. أخرج الفيلم وكتبه المخرج الإيطالي الشيوعي والمقاوم على طريقته جيلو بونتيكورفو. صوّر الفيلم معتمداً على واقعية مدهشة بمشاركة بطل التحرير ياسف السعدي، وركّز على قسوة تلك المعارك ووحشية الاحتلال الفرنسي بقيادة العقيد ماثيو الذي قاد المظليين الفرنسيين. استعان المخرج في العمل بالعديد من الممثلين غير المحترفين، وأضفى واقعية كبيرة على حروب العصابات، لدرجة أنّ هناك معلومة أنّه “عرض في وزارة الدفاع الأمريكية -البنتاجون- بوصفه “درساً عسكريا”. موسيقى الفيلم التي صنعها إنيو موريكوني قوية للغاية، عميقة للغاية، وتشبه الفيلم وتضعه في مكانة خاصة، قصته، كما فكرته، كما الجو العام فيه يجعله ضمن مصاف أفضل الأفلام التي صنعت حول “المقاومات”. اهتم المخرج بالشعب، أي البطولة الجماعية على حساب “القادة” والشخصيات، وهذا يعمّق من قوّة الفيلم وأهميته.
رابط العمل:
2- عمر المختار (كتابة إتش إيه إل كريغ، إخراج مصطفى العقّاد، 1981):
يروي هذا الفيلم الممول بالكامل من الدولة الليبية أيام كانت ينطق إسمها “الجماهيرية الليبية” بإصرار من الرئيس الراحل العقيد معمّر القذافي. جاء هذا التمويل الضخم (بلغ قرابة 35 مليون دولار) حول شخصية “مقاومة” عملاً مهماً ومفيداً لتثبيت أهمية “الفعل المقاوم” عبر السنوات، الحضارات، والشعوب. حوّل هذا العمل عمر المختار من شخصية “غير معروفة” بالنسبة للشعوب العربية إلى واحدة من أيقونات الفعل الشعبي بمواجهة عدوانٍ متوحشٍ غاشم. حكاية الفيلم معروفة للغاية بالنسبة لمعظم الأجيال العربية التي شاهدت الفيلم وفتنت بالصراع المذهل بين الشيخ العربي الجليل، معلّم القرآن للأطفال، أستاذ الزاوية الشهيرة، عمر المختار، بمواجهة قائد إيطالي متوحش مجرم هو الجنرال رودولفو غراتسياني والذي جاء بأوامر مباشرة من الدوتشي بنيتو موسوليني حاكم إيطاليا الفاشية آنذاك. واحدة من نقاط قوة الفيلم هي حضور القدير أنطوني كوين في دور البطولة والذي أعطى الفيلم الكثير من القوة كما السبك. أخرج الفيلم أحد أهم المخرجين العرب شبه الهوليوديين مصطفى العقّاد، وأضاف موريس جار موسيقياً للفيلم الكثير. فيلم يستحق المشاهدة ويمتلك عمقاً جميلا.
رابط العمل:
3- المتبقي (كتابة وإخراج سيف الله داد، 1995):
يأتي هذا الفيلم تقريباً بنفس شهرة فيلم عمر المختار، وهذه المرّة اقتبس المخرج الإيراني القدير والماهر سيف الله داد تحفة غسان كنفاني الروائية “عائد إلى حيفا” مغيراً بعض الملامح على طريقته الخاصة. يروي الفيلم سقوط مدينة حيفا في العام 1948 أمام عصابات الاحتلال المجرم، وكيف فقد الطفل الرضيع “فرحان” بعد استشهاد أهله: دكتور سعيد وزوجته لطيفة. لاحقاً تقرر جدة الطفل “صفية” إعادة الطفل، والقيام بفعل مقاوم مدهش. أهمية العمل تكمن في كل تفاصيله: إظهار وجه الاحتلال الحقيقي، كيفية حدوثه، والوسائل التي استخدمت لذلك، الوحشية الكبيرة للاحتلال المجرم، والأهم من ذلك أنّ المقاومة تأتي بأشكال متعددة فالجدة التي لا تقدر على رفع حجر قادرة على تغيير معادلات بأكملها. يحسب للعمل الأداء التمثيلي الساحر لنخبة من نجوم الدراما السورية القديرين فمن غسان مسعود، إلى جمال سليمان، إلى سلمى المصري. الفيلم عميق، القصة عميقة، التصوير مباشر وعفوي ويشابه تلك المرحلة الزمنية. يناقش البعض أنّ الفيلم يختلف بعض الشيء عن الرواية، ولكن بكل الإحتمالات فإنّ العملين يحكيان ذات الفعل المقاوم.
رابط العمل:
https://www.youtube.com/watch?v=as1aRpxY1DU&t=324s
4- السر المدفون (كتابة رضا إسكندر ومحمود غلامي وإخراج علي غفاري، 2015):
يأتي هذا العمل من الانتاجات القليلة المقاومة التي نالت حظها من الحضور الجماهيري، والنجاح الشعبي، ذلك أنّه وللغرابة فإنه على الرغم من العدد الهائل من القصص حول المقاومة اللبنانية للاحتلال الغاشم في جنوب لبنان، إلا أنّ قلة قليلة منها تحوّلت إلى أفلام، وإن فعلت بقيت إما حبيسة المؤسسات التي أنتجتها، فلم تعرف عربياً أو عالميا، تحت حجج مختلفة، أو عرضت مرتين أو ثلاثاً في مناسبات عامة أو على قناة المنار لا أكثر. يروي هذا الفيلم حكاية أحد الاستشهاديين الأوائل في الحزب الأصفر، الاستشهادي أبو زينب عامر كلاكش، والذي بقي إسمه سراً لسنوات طوال خوفاً من أن يقوم المحتلون المجرمون بالتنكيل بعائلته والانتقام منها بعد عمليته الاستشهادية البطولية. قيمة الفيلم في عمقه وقصته وتوقيتها وروايتها، لا في أداء ممثليه أو مخرجه، مع العلم أنّهم أدوا بشكل جيد، إلا أنّ ما نقصهم هو “التراكم” لا أكثر ولا أقل. فيلم فعلياً يستحق المشاهدة، يروي كما الفيلم الذي سبقه حكاية أنّ المقاومة فعل فردي، عام، شامل، شعبي، أمومي (خصوصاً مع التركيز على دور والدة الاستشهادي الذي أدّته ببراعة الممثلة كارمن لبس)، فطري، ولهذا فإنّه ينتصر في النهاية.
رابط العمل:
5- جميلة (كتابة عبد الرحمن الشرقاوي، إخراج يوسف شاهين، 1958):
يروي الفيلم حكاية البطلة الجزائرية الشهيرة جميلة بوحيرد والتي تحوّلت إلى أيقونة نضالية بعد اعتقالها من قِبل الاحتلال الفرنسي ومحاكمتها أمام محاكمهم الجائرة والظالمة. لا تتمحور الحكاية حول جميلة وحدها، بل الثورة الجزائرية بأكملها، فمن خلال قصة الفتاة الشجاعة نرى التعذيب والظلم والتصرفات غير الإنسانية للاحتلال الفرنسي الغاشم للجزائر آنذاك، وكيفية قيام “الناس العاديين، اليوميين” بمقاومة الاحتلال بكل ما أوتوا من قوة وبكل الوسائل الممكنة وغير الممكنة. حظي الفيلم بضجة كبيرة وعُرض تقريباً في جميع أنحاء العالم، وقدّمت الفنانة المصرية ماجدة دور العمر، وتحوّلت إلى أيقونة. ميزة الفيلم أنّه قدّم النضال النسائي/النسوي بشكله الحقيقي بعيداً عن سلوكات الكثير من مدّعي حقوق المرأة النسوية الغربية الممولة من الـNgo’s الغربية.
رابط العمل:
6- عائد إلى حيفا (العودة إلى حيفا)، (كتابة وإخراج قاسم حَوَل، 1982):
اقتباس مهم آخر عن رواية غسان كنفاني الشهيرة “عائد إلى حيفا”، لكن هذه المرّة اقتباس دقيق، من خلال مخرج مهم للغاية لا يعرفه إلا قلة هو العراقي قاسم حول، والذي أسّس دراما فلسطينية خاصة وأصبح هو عمادها وعميدها، وكان لا بد لها أن تتقدّم وتتطوّر لولا الظروف المناطقية والإقليمية. يعود الأب والأم (سعيد وصفية) اللذان أجبرا على ترك رضيعهما خلدون في حيفا أثناء التهجير القسري إبّان الهجوم الوحشي على المدينة من قبل عصابات الهاجاناه والشتيرن المجرمة في العام 1948. يفاجئ الأهل بأنّ إبنهما قد أصبح اسمه “دوف” وقد تمّت تربيته ليصبح جندياً في عصابات الاحتلال تحت مُسمّى “دوف”. هنا يبدو النقاش شديد الأهمية أنّ الوطن هو مزيج من الماضي والمستقبل ومن خلالهما يعيش ويستمر ويمتد. أهمية العمل أنّه قدّم رواية فلسطينية مقدّمة بشكل تقني جيد (مقارنة بالوضع الصعب في العام 1982 إبّان الاجتياح في ذلك العام للبنان حيث صوّر الفيلم)، اقتباس ذكي ودقيق للرواية. أما الأهم فهو النقاش الجذري في الفيلم بين المحتلين الطارئين وبين أصحاب الباقين والأصليين. ومعلومة قد لا يعرفها كثيرون عن العمل هي أنّ الممثل الذي أدّى دور دوف في هذا الفيلم، هو نفسه من أدّى دور والده في فيلم “المتبقي”، وهذا أمر مذهل وللغاية. تحوّلت كثير من مقولات هذا العمل إلى “مقولات” شعبية تشارك كل يوم على مواقع التواصل الاجتماعي.
رابط العمل:
7- لومومبا (كتابة وإخراج راؤول بيك):
ليس هناك من زعيم يستحق أن تُروى قصته لتعرية الاحتلالات وإجرامها إلا الرئيس الكونغولي باتريس لومومبا، أوّل رئيس وزراء منتخب بشكل ديمقراطي من قِبل الشعب بعد تحررها من سيطرة “الاحتلال البلجيكي”. يروي الفيلم كيف تمّ اغتيال هذا البطل الشعبي والقائد وقتله بوحشية بالغة، ثم إذابة جسده كاملاً بالأسيد (لم يبقَ منه إلا أسنانه الأمامية فقط). يذكر أنّ الاستخبارات الأمريكية متورطة في الأمر وبالوثائق. يروي المخرج الهايتي راوول بيك حكاية لومومبا عبر لغة مباشرة تحمل معانٍ كثيرة وتوضح مسيرة هذا القائد الفذ إبّان وصوله للحكم وبقائه لفترة قصيرة به. أهمية الفيلم أنّه قدّم أحد أهم القادة الإفريقيين بشكل يستحقّه، قائد “أيقوني” الأمر لا يزال حتى اللحظة يُستعاد حتى ولو في ملاعب كرة القدم من خلال مشجعين مثل كوكا مبولادينغا الذي أصبح رمزاً لا لبلاده فحسب، بل لمقاومة القارة الإفريقية للاستعمار. يُحسب للعمل كثيراً الأداء الطبيعي والعفوي والقوي لشخصية لومومبا من خلال الممثل إيريك إيبواني، وكذلك شجاعة المخرج بيك في صدحه بالحقّ بتسمية من اغتال لومومبا بالإسم وبالأدلة.
رابط العمل:
8- هم لا يوجدون (كتابة وإخراج مصطفى أبو علي، 1974):
يراه كثيرون كفيلم توثيقي أكثر من كونه فيلم درامي سينمائي، لكنّه في الأصل واحد من أوائل الأفلام السينمائية القصيرة التي تناولت فكرة وعملت عليها. يختار أبو علي وهو المؤسس الفعلي تقريباً للسينما الفلسطينية الثورية مقولة رئيسة وزراء كيان الاحتلال غولدا مائير حينما تمّ سؤالها عن الشعب الفلسطيني وأجابت: “إنّهم لا يوجدون”. يرد الفيلم من خلال تصوير حي ودقيق وحقيقي للشعب الفلسطيني. أهمية الفيلم أنّه مباشر، حاد، لا يحابي، وليس مصنوعاً ليشارك في المهرجانات بمقدار كونه يرغب في قول فكرة واحدة معناها: نحن موجودون. يقدّم أبو علي سينما الخنادق، السينما التي لا ترغب بالتحاور مع أحد بمقدار رغبتها في الإضاءة على ما تريد الإضاءة عليه. إنّها مشاهد حياتية من الشارع الفلسطيني دون تجميل أو إخفاء صور في مخيم في منطقة النبطية في جنوب لبنان يرصد التحاق الشباب والشابات بصفوف المقاومة والثورة.
رابط العمل:
9- المخدوعون (كتابة وإخراج توفيق صالح، 1972):
اقتباس آخر عن رواية عظيمة للراحل غسان كنفاني وهي “رجال في الشمس” عبر توفيق صالح الذي حوّل هذه الرواية إلى تحفة فنية. يروي الفيلم مأساة ثلاثة عائدين فلسطينيين إثر تهريبهم في الصحراء داخل خزان شاحنة وقود يقودها مهرّب وضيع يُسمّى أبو الخيزران بغرض العمل في الخليج (وتحديداً الكويت). يموت الرجال الثلاثة اختناقا بداخل الخزّان بسبب التأخر على الحدود ذات الشمس الحارقة، والعطش، وعدم سماع أحدٍ -لأنّهم غير مهمين- لصرخاتهم وطرقهم على جدران الخزان، ولو أنّ الرواية تنتهي بسؤال أبو الخيزران اللائم للضحايا: “لماذا لم يدقّوا جدران الخزان؟”. أهمية العمل في أنّه قدّم رؤية كنفاني للحالة الفلسطينية آنذاك؛ اللافت أنّ كثيراً من فلسطينيي الخارج اليوم يتباهون بتوصيف لاجئ “المهين”، مع العلم أنّ كنفاني في هذا العمل -والفيلم ضمنا- قد حذّر من هذا الأمر، وأشار إلى أنّ قبوله كارثي. فيلم بالأبيض والأسود لكنّه لا يستحق المشاهدة فحسب، بل من أهم الأفلام الفلسطينية عموما.
رابط العمل:
10- يد إلهية (كتابة وإخراج إيليا سليمان، 2002):
فيلم مقاوم مختلف للغاية عن معتاد الأفلام المقاومة: إنّه مجموعة “سكتشات” من أقوى ما يمكن مشاهدته. كثيرون ربما قد شاهدوا بعضاً من مقاطعه، لكنّهم لم يعرفوا بأنّها جزء من فيلمٍ طويل هو الفيلم الأوّل لأحد المخرجين الفلسطينيين والعرب المختلفين للغاية إيليا سليمان. مثلاً مشهد الرجل الذي يسير وهو يأكل حبّة مشمش، ثم يمر بجوار دبابة احتلال، فيرمي عليها بذرة المشمش فتنفجر الدبابة إلى آلاف القطع، هذا المشهد انتشر بشكل كبير مؤخراً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، دون إشارة للفيلم. أهمية ما يقدّمه سليمان أنّه واقعي، عفوي، مباشر، وذكي للغاية. لغته السينمائية متقدمة، وربما لو لم يكن يتحدّث عن فلسطين، ويعتبره قضيته المركزية لحاز العديد من الجوائز الكبرى والعالمية تقديراً على ما يقدّمه. لغة العمل قد يراها البعض “سوريالية”، لكنّها ليست كذلك، بل تأخذ الواقع وتعدّل عليه. يد إلهية فيلم مقاوم على طريقته، ولكنّها طريقة مدهشة.
رابط العمل:
11– باب الشمس (كتابة يسري نصر الله ومحمد سويد، إخراج يسري نصرالله، 2004):
فيلم مأخوذ عن الرواية الأهم في الحديث عن الفلسطينيين خارج فلسطين للروائي اللبناني إلياس خوري. قيمة هذا الفيلم أنّه قدّم لأوّل مرة قصة تتناول الفلسطينيين العائدين الذين يعيشون في مخيمات العودة في لبنان، ضمن تصوير لحياتهم الخاصة وارتباطهم بأرضهم وطرق مقاومتهم بالبقاء على قيد الحياة قبل أي شيء على الرغم من كل ما يتعرّضون له من ظلم وحصار وحروب وقتل. يروي الفيلم حكاية خليل الذي يقف بجوار يونس الفدائي المسن في غيبوته التي يروي من خلالها حكايته وحكاية فلسطين بأكملها منذ النكبة وصولاً حتى الحالة التي يرقد هو عليها. يشرح الفيلم مفهوم الوطن والشعب والذكريات الشفهية وكيف تتكوّن الحضارات والمقاومة بحد ذاتها. يسلّط العمل (كما الرواية) ضوءاً كبيراً على أهمية الفعل المقاوم كأسلوب حياة مهما كانت التضحيات كبيرة أو جسيمة، خصوصاً مع تمسك أبطال العمل بأرضهم وتفكيرهم بها في كل حالاتهم حتى لا وعيهم. يؤرخ هذا الفيلم -كما الرواية- لتاريخ الشعب الفلسطيني خارج فلسطين وداخلها. واحدة من نقاط قوة الفيلم أنّ كثيراً من الشخصيات الواردة في العمل لا تزال موجودة في المخيمات ويعرفها سكان المخيمات بل وإنّ بعضهم شارك فعلياً بشخصيته الحقيقية في العمل. عمل مليء بالمشاعر، قوي، كاميرته عذبة، وقدّم رؤية مختلفة لفكرة الوطن والمقاومة.
رابط العمل:
12- جوع (Hunger)، (كتابة إندا والش وستيف ماكوين، إخراج ستيف ماكوين، 2008):
فيلم بريطاني للمخرج المعروف ستيف ماكوين يروي كيف يمكن أن يتحوّل الجسد إلى أداة مقاومة فاعلة تقف بوجه الظالم وترفض الاستسلام حتى ولو كانت الكلفة هي الموت. إنّها حكاية المناضل والقائد في الجيش الجمهوري الإيرلندي بوبي ساندز ورفاقه التسعة في سجن مايز البريطاني شديد الحراسة في العام 1981 حينما أضربوا للمطالبة بحقوقهم كسجناء رأي وسياسيين بمواجهة رئيسة وزراء بريطانيا آنذاك مارجريت تاتشر. يصوّر العمل حكاية المقاومة الإيرلندية الشعبية بمواجهة محتل بريطاني غاشم، ومجرم. واحد من أقوى مشاهد العمل هو حوار طويل (حوالي 17 دقيقة) بين قسّ كاثوليكي وبين بوبي ساندز يشرح فيه ساندز وجهة نظر “المقاومين” والمقاومة بمواجهة الظلم، وكيفية التفريق بين الاستشهاد والفعل المقاوم الرافض وبين الانتحار القائم على الهروب. فيلم قوي وعميق ويؤرخ للصراع من قلب القارة الأوروبية العجوز، من خلال مقاومة ساندز ورفاقه التي انتهت بانتصارهم على أعدائهم وأجسادهم في آنٍ معا، فاستشهدوا. قوة المشهد الذي أشرنا إليه في السابق هو وجود ممثلين قديرين مثل مايكل فيسباندر في دور ساندز، وليام كانينغهام في دور القس الكاثوليكي.
رابط العمل:
13- ناصر 56 (كتابة محفوظ عبد الرحمن وإخراج محمد فاضل، 1996):
إنّها الأسابيع الحاسمة التي سبقت القرار الشهير بتأميم قناة السويس للزعيم المصري والعروبي، “الرّيّس” جمال عبد الناصر. يروي الفيلم الذي قدّم فيه الراحل أحمد زكي دوره الأهم، حينما ارتدى ثوب عبد الناصر قبل مئة يوم من الحدث التاريخي المهم في تموز/ يوليو من العام 1956 (قرار التأميم)، فاتحاً الباب أمام رسم تلك المرحلة الحافلة بالأحداث. يركز العمل على عبد الناصر كإنسان عادي يعيش حياته اليومية فيما يقارب الأحداث الكبرى لبلاده بعقل واعٍ ونفسية تريد المقاومة. أهمية العمل لا في أنّه “تصوير سيرة” بل ببساطة لكونه يقارب فترة محددة من حياة ناصر من جهة، أما من الجهة الثانية فهو يقارب حياة “رئيس” لم يحكم فحسب، بل إنّه قاوم من مكانه كرئيس أعتى القوى العالمية (بريطانيا، فرنسا، وأميركا، وكيان الاحتلال) وانتصر عليها غير مرّة. يُعتبر الفيلم من أهم الأعمال التي روت هذا النوع من المقاومة لأنّه صوّر كيف التفّ الشعب -ويلتف- حول قائد تعامل معه كند، واهتم بما يفكر به، وجعل من اهتماماته موازية ومشابهة لما يريده الشعب من الداخل والخارج.
رابط العمل:
14- غاندي (كتابة جون برايلي، إخراج ريتشارد أتنبره، 1982):
يشكّل المهاتما غاندي عبر أسلوب الساتياغراها -قوة الحق- والتي عُرفت في بلادنا باسم “المقاومة السلمية” جزءاً لا يتجزأ من فكرة المقاومة بجميع أشكالها وقوتها. يصوّر الفيلم حياة غاندي كاملة، لا بصفته “المهاتما” والقائد، والشخص الكامل المتكامل الذي قاد الهند لحريتها أمام محتلّها البريطاني المتوحش والقذر، بل كشخص طبيعي، يومي، عادي، يخطأ ولديه عيوب. يبدأ العمل منذ ما قبل العام 1930 حينما كان غاندي في جنوب إفريقيا كمحامٍ وكعامل حتى. يمرر الفيلم ثلاثة عقود من نضال الزعيم الهندي الذي قال يوماً أنّ مقاومة الاستعمار تكون برفض وجوده كلية. يشرح الفيلم ويوضح -وهذا ربما من أهم ما فيه- رؤية غاندي للمقاومة السلمية، التي لا تشبه السلمية التي يحكي عنها الغرب، إذ يفضل غاندي الموت جوعاً وعرياً مثلاً على استخدام بضائع الاحتلال وداعميه، الأمر الذي يؤكد دعم فكرة غاندي ورؤيته لفكرة “المقاطعة الثقافية والإقتصادية” لكيان الاحتلال وداعميه. فيلم قوي وأداء مهم من البريطاني بن كينجسلي في شخصية المهاتما.
رابط العمل:
15– مالكوم أكس (كتابة سبايك لي وارنولد بيرل، إخراج سبايك لي، 1992):
قوة هذا الفيلم القائم على السيرة الذاتية لأحد أبرز المناضلين الأمريكيين من أصل إفريقي مالكوم أكس، أو الحاج مالك الشباز، كما غيّر إسمه، الجرأة السياسية لمخرج العمل المخرج الأمريكي الهوليوودي سبايك لي من جهة، والأداء المذهل لدينزل واشنطن في تقديم شخصية بعمق مالكوم أكس. يغوص الفيلم منذ بدايات “رجل العصابات” مالكوم ليتل، الذي دخل إلى السجن على خلفية كونه مجرم، ونصّاب، وحتى قاتل، ليكتشف هناك حياة جديدة من خلال الإسلام السياسي وجماعة “أمة الإسلام” التي سرعان ما سينشق عنها وينفصل بعد سنوات من النضال. أكس، الذي سيصبح أشهر من رفع شعار “بأي طريقة ممكنة” رابطاً النضال والمقاومة بوجه الأنظمة المستبدة والمجرمة والحاكمة بالصراع بأي “طريقة كانت” مخالفاً لغة الزعيم الأسمر الآخر القسّ مارتن لوثر كينغ الذي نادى بالصراع السلمي. اللافت أنّ الشخصيتين اغتالهما “النظام الأمريكي” لأنّه لا يحتمل أن يرفع أحد الصوت بوجهه. مقاومة مالكوم أكس كانت ولا تزال صورة مشرقة لفكرة المقاومة واستمراريتها.
رابط العمل:
16– ناجي العلي (كتابة بشير الديك، وإخراج عاطف الطيّب، 1992):
أن تضع ثائرا، رساما، مبدعاً وشهيداً مثل رسام الكاريكاتير الفلسطيني الموهوب ناجي العلي، بين يدي أحد أهم كتاب السيناريو في العالم بشير الديك، ورائد من رواد الواقعية في السينما العربية، والذي رحل شاباً بدوره، عاطف الطيب، مضافاً إليهم فنان ذكي ومثقف أصر أن يتحمّل جزءاً كبيراً من تكلفة الإنتاج مثل نور الشريف، فهذا يعني أنّنا أمام عمل أولاً مختلف وثانياً مبدع، وثالثاً يستحق المشاهدة مهما كان. صُوّر العمل في العديد من مخيمات لبنان للعائدين الفلسطينيين لضمان أكبر قدر من الواقعية لتقديم حياة هذا الفنان الفلسطيني المقاوم والذي بدأ منذ نزوحه في العام 1948 رحلته مقاوماً “بالكلمة” و”اللوحة” و”الفكرة” وصولاً حتى اغتياله في لندن في العام 1987 على يد جهاز الاغتيالات في مخابرات العدو المجرم. أهمية الفيلم أنّه أرّخ كيف أنّ الثقافة، والكلمة، واللوحة تُخيف العدو، وتُرعبه، وتُصعقه، لذلك فإنّه مستعد لدفع الملايين فقط لإسكات صوت يضايقه. فيلم يستحق المشاهدة لكل ما ذكر آنفا.
رابط العمل:
17- 3000 ليلة (كتابة وإخراج مي المصري، 2015):
فيلم يروي عذابات الحركة الأسيرة الفلسطينية ويقدّمها بدون أي محابة، تمثيل، أو تقديم مبررات. إنّها حكاية حقيقية أصرت المخرجة على روايتها كما هي. ليال معلّمة فلسطينية تعتقل من قِبل الاحتلال المجرم في فلسطين المحتلة، لمدّة ثمان سنوات، أي قرابة الثلاثة آلاف ليلة ومن هنا جاء اسم الفيلم، في سجن عدو شديد الحراسة. تجد ليال نفسها، مضطرة لإنجاب طفلها خلف القضبان. إنّها حكاية أم ومقاومة وصمود وصلابة. كل في آن معا. تتحوّل الأمومة إلى فعل مقاومة، وإبراز لكيفية أنّ الحياة ستستمر رغماً عن أنف السجّان، وعن إرادته، وعما يريده. ميزة العمل أنّه يقدّم التجربة الحقيقية للحركة الأسيرة النسائية المقاومة، والتي تغيب عن الأدبيات الثقافية، كما عن الأعمال الفنية. هنا تأتي الأم/الأنثى/المرأة الفلسطينية بصفتها قوة عظمى، لا تبكي، وتجلب التعاطف، بل أيضاً تقف وتصمد وتجابه بكل قوتها. قوة الفيلم أنّه صُوّر في “سجن حقيقي” مهجور، بهدف إعطاء مصداقية عالية لكل المشاهد.
رابط العمل:
18- تشي (كتابة بيتر بوكمان وبنيامين فاندرفين وإخراج ستيفن سوديربيرغ، 2008):
يُحظى تشي جيفارا بالكثير من الرومانسية الثورية بالنسبة لأي متبن، مرتبط، متعلّق بفكرة المقاومة، أو حتى منخرط فيها. من هنا يأتي فيلم “تشي” ذو الجزئين والذي يغطي حياته بدءاً من الثورة الكوبية وصولاً حتى سقوطه شهيداً بنيران المخابرات المركزية الأمريكية في بوليفيا. يروي المخرج الأمريكي سوديربيرغ حكاية تشي جيفارا بالكثير من الواقعية، ولربما هذا هو ما أهم في الفيلم، بعيداً عن الشعارات، الخطابات، الرومانسية، والأهم الاستعراض: إنه يقدّمه قائداً عسكرياً فذاً، قادرٌ على بث المعنويات المرتفعة في زملائه، والانتصار في معاركه بقوة الإرادة قبل أي شيء. ينجح جيفارا في معظم ما يقوم به، فمن إسقاط نظام باتيستا، إلى العمل في الوزارة، إلى السياسة الخارجية، ورحلات الخارج وصولاً حتى مقاومات الكونغو وبوليفيا والرحيل. قوة العمل تأتي من جانبين: أداء بينيشيو ديل تورو الجميل في تقديم الشخصية، وشجاعة المخرج في تقديم الشخصية بلا “إساءة” لسمعتها وتشويهها كما جرت في محاولات سابقة قدّمت عن تشي. فيلم بالتأكيد يستحق المشاهدة.
رابط العمل:
19- مانديلا: طريق طويل إلى الحرية (Mandela: Long Walk to Freedom) (كتابة ويليام نيكولسون وإخراج جاستن شادويك، 2013):
ولأنّ الحديث عن المقاومة لا بد وأن يمر على شخصية من أقوى شخصيات المقاومة الشعبية التي وقفت بوجه العنصرية المقيتة والبغيضة للمستعمر الأبيض الذي يعتقد نفسه متفوقاً عرقيا، فلا بد من الحديث عن نلسون مانديلا الوجه المباشر والمعلن والقوي للمقاومة المسلحة والسلمية بوجه الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. يروي الفيلم سنوات السجن السبع والعشرين لمانديلا في جزيرة “روبن” وحتى وصوله لسدة الحكم في العام 1994 بشكل لا يصدّق. أخذ الفيلم عن سيرة حياة مانديلا الرسمية مما أعطى الفيلم الكثير من المصداقية من جهة، والاستبصارية من جهة ثانية لخيارات مانديلا التي جعلته قائداً فعلياً لشعبه مهما قضى من سنوات داخل السجن. لا يتهرّب الفيلم نهائياً من صورة مانديلا كعضو في مقاومة مسلّحة حملت السلاح واستخدمته بلا خجل في سبيل تحرير بلادها، بعيداً عن الصورة الغربية لمانديلا كرجل سلام فحسب. فيلم قوي وعميق ويستحق القراءة.
رابط العمل:
*كاتبان فلسطينيان