19 فكرة ضرورية للنقاش حول كتاب “سيمولاكرا: قراءة في ما حدث، عن الطوفان الماتريكس، جان بودريار وآخرين”
يونيو 11, 2026 5:04 ص
*تهاني نصّار وعبد الرحمن جاسم
بمناسبة الذكرى الأولى لإصدار كتاب “سيمولاكرا: قراءة في ما حدث، عن الطوفان الماتريكس، جان بودريار وآخرين”، ارتأينا نون الروح وأنا، أن نعيد للواجهة أهم مفاعيل هذا الكتاب المهم الذي طرق أفكاراً ضرورية لفهم ما حدث، وما يحدث، وما هي النتائج التي وصلنا إليها بعد كل ما حدث منذ أكثر من عام على الكتاب، وأعوامٍ على الأحداث التي رافقته. قررنا العودة إلى أصل الفكرة: مفهوم السيمولاكرا وتطبيقه على الإعلام العدو، إذ إنّ هذه الفكرة المحورية تمثّل جوهر الإطار النظري للكتاب، فمن استدعاء جان بدوريار الفيلسوف الفرنسي الرائد، حيث “الصورة المحاكية” التي فقدت أصلها -كما أي صلة بالواقع- ترتبط ارتباطاً جذرياً بما يقوله الصهاينة، ويتبنّونه يوميا. ثم فكرة البانوبتيكون المعكوس في غزّة، مُرَكِّزِين على تركيز الكاتبة على نظرية فوكو المتعلّقة بالمراقبة، إلى الواقع المفرط الذي شهدناه في فيلم الماتريكس وعلاقته بالواقع المعاش اليوم. بعدها مررنا بـلوي ألتوسير الفيلسوف والناقد القوي الذي يشرح لماذا انحازت مؤسسات “تدّعي الموضوعية” إنحيازاً فاضحاً لا لُبس فيه. لم ننسَ -كما الكتاب- الإشارة إلى “زلات اللسان” الفرويدية الشهيرة والتي شهدناها في الخطاب السياسي خلال هذه السنوات الأخيرة في الحروب على بلادنا. محاربة الأكاديميين المعادين للصهيونية، و”تحريف” معنى “معاداة السامية” التاريخي، كما دور المثقّف وتفاصيل أخرى توقّفنا عندها نقطة بنقطة.
ليس “سيمولاكرا” مجرد كتاب بحثي، ولا نقاش ثقافي أكاديمي بحت، إنّه عبارة عن محاولة استيعاب لكل ما حدث بطريقة محترفة، هادئة ولائقة. وهو ما نحتاجه وبقوة وبكثرة في هذه الأيام الصعبة، لهذا كان هذا الشرح، وهذا المقال.
1- مفهوم “السيمولاكرا” وتطبيقه على الإعلام الصهيوني
في كتابه ” Simulacres et Simulatio” (المحاكيات والمحاكاة، 1981) يشرح الفيلسوف الفرنسي جان بودريار عن “ضياع الواقع في متاهة الصور المصطنعة اللامتناهية”، وقبل الدخول في “متاهة” التعقيد، علينا أن نشرح فكرة “السيمولاكرا” بأبسط صورها، فالسيمولاكرا هي الصورة/المحاكاة التي فقدت أصلها وبالتالي صلتها الحقيقية بالواقع، ونعطي مثلاً هنا: الصور التي بثّها -ولا يزال- كيان الاحتلال في فلسطين لا تمثّل الواقع وما يحدث غالباً هناك، بل إنّها تخلق واقعاً موازياً مصطنعاً لا أصل له. قام رئيس وزراء الاحتلال بعرض صور تظهر مشاهد قال إنّها لأطفالٍ صهاينة قُتلوا في أحداث السابع من أكتوبر وحُرقت جثثهم. لاحقاً تبيّن أنّ الصور هذه مصطنعة، ثم إنّها ليست لأطفال، بل لـ”كلب”، ثم لاحقاً لشيء آخر غير محترق أبدا. باختصار، هنا تصبح “السيمولاكرا” أساساً وأصلاً في تقديم الرواية، ومع “نظام الإغراق” حيث لا يتذكر الناس سوى ما رأوه كثيرا، سرعان ما يصبح “تكذيب” هذا الأمر مستحيلا، فما علق في البداية أصبح هو الحقيقة الواقعية غير القابلة للشك. بالمقابل يأتي ما تقدّمه المقاومة تمثيلاً للواقع الحقيقي من خلال عدم “التعديل” على الصور -بداية- وتقديمها كما هي فتشرح نفسها بنفسها. أهمية هذا النقاش في هذا التوقيت بالذات هو حول كيفية تشكيل الوعي الإعلامي للمشاهد/المتلقي، الذي يكمن السؤال في قدرته على التمييز بين المصطنع/المؤلف/السيمولاكرا وبين الواقعي/الحقيقي/الأصلي في عالم مثقل بالصور المتدفقة.
2- “البانوبتيكون” المعكوس في غزة
يمتلئ كتاب “سيمولاكرا” بالكثير من النظريات الفلسفية المرتبطة بالجغرافيا/المكان والسياسة في آن معا، ومن بين هذه النظريات نظرية الفرنسي ميشيل فوكو الشهيرة المتعلّقة بالمراقبة التي أوردها في كتابه “المراقبة والعقاب”: “البانوبتيكون”. تقوم هذه الفكرة على نظام سجن بُني بطريقة محكمة بحيث يشعر السجين بأنّه مراقب بشكل دائم بمراقبة مركزية، مما يجعل السجين مضبوطاً كل الوقت. تغوص الكاتبة في هذه الفكرة مشيرةً إلى أنّ كيان الاحتلال يمارس هذه الطريقة ضد أهل غزّة منذ عقود. تغيّر هذا الأمر في السابع من أكتوبر، انقلبت المعادلة: بدلاً من برج مراقبة مركزي واحد يراقب مليوني فلسطيني، أصبح كل غزّي يحمل “هاتفاً نقّالا” مزوداً بكاميرا مراقباً للاحتلال وموثّقاً لجرائمه. هذا الأمر والتحول الجذري في ديناميكية المراقبة والعلاقة فتح بابا لنقاش كيف تُعيد التكنولوجيا في لحظة ما توزيع القوّة بين المراقب والمراقَب. هنا تستعين الكاتبة بكلمات فوكو الحرفية: “إنّ المعرفة هي شكل من أشكال السلطة”. بنفس الوقت يشرح هذا القسم فكرة أنّه رغم كل القمع “الرقابي” هذا، فإنّ فعل المقاومة والرفض ظل قوياً ما أنتج تلك الحالة في السابع من أكتوبر وما بعده.
3- “الواقع المفرط” وفيلم ماتريكس
بُني فيلم ماتريكس للشقيقتين واتشاوسكي على جملة “مرحباً بكم في صحراء الواقع” التي يقولها مورفيوس لنيو، حين معرفته بالحقيقة خلف الماتريكس وما فعلته الآلات في الجزء الأول من ذلك الفيلم الشهير. هذه الجملة تحديداً مأخوذة من جان بودريارد وبشكل حرفي، تربطها صاحبة الكتاب، وتربط عالم الوهم الذي صنعته الآلات لإعاشة البشر فيه واستخدامهم كبطاريات طاقة حيّة، مشابه لواقع مفرط آخر يصنعه كيان الاحتلال. عالم من الصور المصطنعة يُقنع الناس بأنّ الضحية هي الجلاد، والجلاد المجرم هو الضحية المسكينة. يُعيد الكتاب فكرة “الاختيار” بين الحبتين: الحمراء التي تعيد الوعي بالحقيقة والتي تعادل رمزياً كسر حالة التضليل الإعلامي التي يعيشها المشاهد في الغرب أو في بلادنا، والزرقاء -المريحة والتي يفضلها كثيرون- التي تجعل صاحبها مضللاً مخدوعاً قابعاً في “التفاهة” اليومية التي تختزل حياته وتدمرها. أهمية هذا النقاش أنّه لا يطرح فقط فكرة أن نأخذ الحبّة الحمراء من الزرقاء، بل يتعداه إلى ضرورة الوعي تجاه الفكرة بحد ذاتها، والسؤال حول صدقية ما نراه، وما نختار أن نشاهده، والثمن الذي ندفعه جرّاء خياراتنا هذه.
4- “الأجهزة الأيديولوجية للدولة” وكشف المؤسسات الغربية
يميز الفيلسوف الماركسي لوي ألتوسير بين “جهاز الدولة القمعي” الذي يعمل بالعنف المباشر (الشرطة، الجيش)، و”الأجهزة الأيديولوجية للدولة” التي تعمل بالإقناع الخفي (الإعلام، التعليم، الكنيسة)، في هذه النقطة تحديداً تدخل الكاتبة عالم العصر الحديث: الرقمي وغيره من خلال النقطة الأهم: الإعلام وتأثيراته. هنا يوضح الكتاب أنّ الإعلام ليس “بريئا” بل هو في النهاية صوت/صورة مموّل من قِبل “رأس مال” لديه هدف، أو من دولة/نظام لديه فكرة، وهو لا يكف عن إعطاء “الصورة” التي يريدها ويلوّنها كما يحب، لا بل ويُغرق المشاهد في ما يرغب به ويمحي/يخفي ما يشاء. تطرح نصّار سؤالا: هل يمكن لمؤسسة إعلامية -كالبي بي سي أو الغارديان أو التايمز- أن تكون فعلاً مستقلة؟ أم أنّها دائماً خادمة للسلطة التي تموّلها؟. ميزة هذا النقاش أنّه يُعيد فكرة “الأخ الأكبر يراقبك” و”الدولة القمعية” إلى الواجهة من جديد، لكن هذه المرّة ليس بالطريقة عينها بل ببساطة من خلال “الإقناع المختبئ” الذي يؤتي ثماره بأضعاف ما يفعله القمع والعنف.
5- “زلات اللسان” كمكاشفة للنوايا المكبوتة
يُعتبر تعبير “الزلات اللسانية الفرويدية” (Freudian slips) واحداً من أهم الأفكار التي طرحها عالم النفس النمساوي الأشهر، إذ يقترح أنّ الإنسان من خلال “أخطاء” لفظية بسيطة التعبير عما يجول في داخله مهما أخفى وجاهد في هذا الأمر. يشرح الكتاب مفهوم الزلّة اللسانية عبر تحليل لمواقف الدبلوماسيين الصهاينة والغربيين، مشيرة إلى خطأ وقعت فيه “الناطقة الإسرائيلية” حينما قالت بأنّهم “يستهدفون المدنيين” قبل أن “تصحح” نفسها، وأيضاً حينما قال السفير الإسرائيلي في أستراليا “لسنا الضحايا” قبل أن يتراجع عن زلته الحقيقية هذه. هذه الزلّات بحسب الكتاب تكشف المشاعر الحقيقية لهؤلاء الأشخاص الذين يعرفون تماماً ما هم عليه، وما هم فيه، وبأنّ ما يقولونه هو كذب واصطناع. إنّها مشاعر مكبوتة، وعلى الرغم من احترافهم، إلا أنّ الزلة هذه تكشف حجم الكذب وراء الخطاب المصنوع والمصقول بعناية. أهمية هذه النقطة في جعل المراقب/المشاهد متحفزاً وللغاية حينما يسمع زلة مشابهة لهذه وأن يسأل نفسه، ما الذي تسبب في هكذا خطأ؟ ولماذا؟ هذا يجعل اختيار الحبّة الحمراء، بشكل أو بآخر مهما، وضروريا، او على الأقل إختيار الحق. وربما أهم ما جاء في الكتاب هو مقولة للكاتبة شديدة الأهمية: “الــمـــ قــ اومـــــ ة أعطت الجماهير فرصة الاختيار بين الحبتين: الزرقاء لمن يفضّل البقاء في الوهم، والحمراء لمن يختار بكامل وعيه أن يستفيق من عالم الماتريكس إلى حقيقة الواقع الفعلي. إن كنتم ترون رمز المثلث الأحمر المقلوب في المواد المصوّرة الأصلية التي ينشرها إعلام المــــ قـــ اومـــ ة وأنتم مبتسمون، فذلك يعني أنّكم قد استيقظتم من الماتريكس”.
6- قمع الأكاديميين الداعمين للقضية الفلسطينية
ولئن حكينا عن القمع الإعلامي، والسياسي، والاجتماعي، فلا بد من الحديث عن الدور الذي لعبته المؤسسات الأكاديمية الكبرى والعالمية في “قمع” أي رواية مضادة لرواية الاحتلال حول القضية الفلسطينية وما حدث في هذه السنوات الأخيرة. يتناول الكتاب قضية الباحث والأكاديمي جوزيف مسعد في جامعة كولومبيا المعروفة في أمريكا، والذي جسّد صراعاً مهماً في تقديم الرواية والرواية المضادة ومدى تقبّل هذه المؤسسات التي تدّعي لا إنّها مجرّد “مؤسسات محايدة” بل إنّها “حراس للثقافة” و”العدالة” و”المعرفة”. القضية التي بدأت إثر قيام طالبة تعمل كصانعة محتوى لدى جيش الاحتلال العدو ببدء حملة تشهير ضد مسعد مرتبطة بآرائه السياسية/الثقافية، وسرعان ما تبنّتها الجامعة، ألا يطرح هذا الأمر أهمية “منشأ” الفكرة ومصدرها؟. يُستخدم القمع بحسب الكتاب في إسكات أي صوت معارض تحت مسمياتٍ مختلفة، رأي غير مناسب، غير منطقي، معادٍ للسامية. أهمية هذه النقطة هي في طرح أسئلة من نوع ألا يعتبر الأستاذ الجامعي، أو الباحث الأكاديمي واجبه أو دوره مرتبط بالتفكير، والبحث والسؤال، مهما كان هذا البحث مسلماً أو مقطوعا؟ هل يحق للجامعة أو المؤسسة الأكاديمية -كبرى أم صغرى- طرد أستاذ عقاباً على رأيه السياسي؟ طبعاً واحدة من النقاشات الأهم حول هذه النقطة هو طرحها أنّ المؤسسة الأكاديمية بحد ذاتها تضع حدوداً مرتبطة بالسياسة قبل أي شيء، لا الأكاديميا، لا العلم، ولا المعرفة.
7- مصطلح “معاداة السامية” وتحريفه التاريخي
تتبّع الكاتبة الجذر التاريخي لمصطلح “معاداة السامية” لتكشف أنّ أصله يعود إلى عالِم يهودي غير صهيوني من القرن التاسع عشر اسمه موريتز ستاينشنايدر استخدمه لنقد نظرية تراتبية الأعراق، والمصطلح في أصله يشمل اللغات السامية كلها بما فيها العربية والآرامية والآشورية بالتالي هل يمكن اعتبار “العرب” (الساميين أصلا) معادين للسامية؟ يطرح الكتاب كيف أنّ هذا التوصيف -أي معاداة السامية- مضلل وخدّاع ويُستخدم وظيفياً فقط عبر الصهاينة للإشارة لمن “يعاديهم” هم وليس لمن يعادي عرق أو سكان منطقة جغرافية معينة. هنا تقترح الكاتبة أنّ توظيف هذا المصطلح هو تحويل اللغة إلى أداة هجومية حادة وعميقة التأثير في آن معاً تُشعر المتلقي بأنّه خرج عن سياق “البشرية” في فعل شائن، لا أخلاقي، عنصري. هنا يجد المتهم بمعاداة السامية نفسه في مأزق عميق: إذا أنكر الأمر بدا كما لو أنّه يدافع عن نفسه، أما إذا صمت على الأمر، عندها يصبح “مذنبا”، هكذا يتمّ توظيف هذا الفخ اللغوي المؤذي في الدفاع “سياسيا” عن كيان الاحتلال وسياساته ومهاجمة أعدائه. اللافت انّ يهوداً مثل “نورمان فنكلستاين” اليهودي وإبن ناجيين من المحرقة الصهيونية، تعرّض هو الآخر لهذه التهمة وفي أكثر من مناسبة عامة، وهذا يؤكد ما أشارت إليه الكاتبة.
8- دور المثقف ومسؤوليته
تطرح نصّار في هذه النقطة الضرورية للمناقشة دور المثقف في القضايا والأزمات الكبرى: أين يوجد؟ وما هو تموضعه؟ وما هو مكانه؟ وكيف عليه التصرّف؟ هنا تستحضر طرح إدوارد سعيد المفكر الفلسطيني الراحل في كتابه “المثقف والسلطة” عن الدور المبدئي للمثقف الحقيقي: أن يكون صوت الحق في وجه الظلم والظالمين، ولسان حال المستضعفين، بدلاً من أن يتحوّل إلى ملحق بالسلطة الحاكمة. سعيد نفسه، والذي تعرّض مراراً وتكراراً للتنكيل الأكاديمي والمحاصرة بسبب مواقفه السياسية/الثقافية (كمثل صورة رميه للحجارة من الحدود اللبنانية الفلسطينية إبان تحرير الجنوب في العام 2000 تجاه العدو). تروي الكاتبة كيف أنَّ غالبية المثقفين الغربيين فشلوا في القيام بدورهم أمام ما حدث في غزّة (كما جنوب لبنان لاحقا) من إبادة، أو إنّهم غرقوا في زاوية الإدانة التي يريدها ويمهّد لها الإعلام السائد. أهمية هذا الجانب من الدراسة/الكتاب هي أنّه طرق دور المثقف لا كمجرد باحث، بل أيضاً كشخص يعرف له دوره الضروري والواقعي في المجتمع وتصنّف نصّار المثقفين الصامتين بأنّهم يمارسون “خيانة لدورهم”، وهو ذات ما تتبناه الأكاديمية الأمريكية آني أندريا التي تقول للمثقفين الصامتين: “أنتم أشخاص سيئون”.
9- الأجهزة القمعية” في جامعات الصف الأوّل”
“تعرّضت رئيسة جامعة هارفارد كلودين غاي للضغط، وتمّ التحقيق معها والمطالبة بمحاكمتها بسبب سماحها للطلاب بالتظاهر دعماً لفلسطين ورفعهم شعار الانتفاضة. اتُّهمَت غاي بمعاداة السامية وبـ”التحريض على كراهية اليهود”. هذا النص الذي ورد بحرفيته في الكتاب، يطرح كيف أنّ جامعة هارفارد، إحدى أقدم الجامعات في العالم (تأسست في العام 1636)، والتي تفتخر بتاريخ طويل من الحرية الأكاديمية قامت بهذا السلوك الغريب والمشين مع “رئيسة الجامعة” كلودين غاي، وبهذه الطريقة الوقحة والفجّة. ليس هناك رأي آخر غير الرأي الموافق على ما يقوله “كيان الاحتلال”. صحيح أنّ الجامعة لا ترتبط باتفاقات علنية معه، إلا أنّها في النهاية مؤسسة لديها “مانحون” و”متبرعون” و”شخصيات مؤثرة عليها”، هذه الشخصيات المتبرعة والمتمولة تؤثر وستؤثر في قرارات الجامعات ومواقفها أياً كانت. من هنا فإنّ ما حدث مع غاي، ليس أمراً اعتباطيا، بل له جانبان كما يوضح الكتاب: الأول أنّه يضرب فيها مثالاً ضمن منطق: “انظروا هذا ما حدث مع رئيسة جامعة كبرى، وكيف تمّ التعامل معها”، وهذا مقصود لأنّه يرعب ويخيف أي أكاديمي آخر، أما الثاني فهو أنّ قوّة هذا القمع وسيطرة الرأي الواحد قوية وللغاية وعميقة الجذور والتمدد.
10- ألمانيا وشبح النازية: من الضحية إلى الداعم للإبادة
تقدّم الكاتبة قراءة نقدية للموقف الألماني المنحاز كلياً لـ”إسرائيل”، والذي ترى أنّه ينبع من الذنب التاريخي تجاه ما حدث إبان ما يسمى “المحرقة” أو الهولوكوست. يتحوّل هذا “الشعور بالذنب” إلى “أداة سياسية”: تدفع ألمانيا مليارات الدولارات كتعويضات لكيان الاحتلال(منذ العام 1952)، وتضع شرط الاعتراف بالاحتلال وكيانه وحقّه في الوجود شرطاً للحصول على أي تمويل ثقافي من الدولة (بأي شكل من الأشكال). هنا تستحضر الكاتبة مقولة الفيلسوف الألماني والتر بينجامين -وهو يهودي بالمناسبة-: “لا توجد وثيقة حضارية ليست في الوقت نفسه وثيقة همجية”، موضحة أنّ تاريخ أوروبا الحضاري وتطورها العمراني والثقافي والمدني مبني على أثمان دفعها الآخرون، أي الشعوب التي احتلها الأوربيون أنفسهم، وسرقوا خيراتها وإمكانياتها وتركوها إما فريسة لحروب أهلية أو للفقر المدقع والموت البطيء، كما يحدث اليوم في إفريقيا والكثير من الدول الأخرى. تقف ألمانيا حكومة ونظاماً منذ بداية الحدث في فلسطين مع كيان الاحتلال بكل ما أوتيت من قوة، وتمثّل حالة أوروبية شديدة التقدّم في دعم الاحتلال مدفوعة كما يبدو بالمشاعر المرتبطة بالمحرقة التي يغذيها إعلام الاحتلال -كما الإعلام الغربي-، هذا بشكل أو بآخر يوضح لنا كيف تتحوّل الضحية إلى “جلاد” باختيارها.
11- رواية “رجال في الشمس” وخيانة القيادة العربية
تستدعي الكاتبة رواية غسان كنفاني الشهيرة لتقرأ فيها رمزاً سياسياً معاصرا، وتوظّفها هنا في القول بأنّ الأدب هو تصوير للواقع بأشكال متعددة. تموت الشخصيات الثلاث في خزان شاحنة التهريب، صحيح أنّ “الموت/القتل” حصل ليس بفعل الاحتلال مباشرة، بل بغباء وسخافة وعدم مسؤولية “أبو الخيزران” المفروض أنّه “الكائن” الذي سيأخذهم إلى الأمان: لكنّه ببساطة انشغل عنهم ونسيهم في تلك الحرارة القاتلة التي أدّت بهم إلى نهايتهم المفجعة. هنا لا يكتفي غسان بالإشارة إلى أنّ هؤلاء الرجال دفعوا الثمن بموتهم وحسب، بل إنّ اللوم والاتهامات لم تنتهِ هناك، لقد سألهم ولامهم أبو الخيزران على أنّهم “لم يدقوا جدران الخزان”. أرادت الكاتبة من خلال استخدام هذه الرواية الإشارة إلى غياب الدور العربي الحقيقي خلال ما حدث في غزّة -واليوم في لبنان-. هذا التخلي هو الذي جعل الفلسطيني يقف وحيداً بمواجهة ما حدث ويحدث خلال السنوات الخمس الأخيرة. بنفس الوقت تُعيد استحضار شخصية أبو الخيزران. يرمز ذلك -بحسب تفسيرات الرواية- إلى الدور العربي في التخلي عن الفلسطيني وتركه يموت. وهذا الدور العربي الغائب هنا، ليس فقط مؤسساتياً ومركزياً بل أيضاً شعبياً ومجتمعيا.
12- توظيف الذكاء الاصطناعي لتزوير الصورة والفكرة ومتلازمة رجل القش
في مقطع سابق أشرنا إلى فكرة استخدام رئيس وزراء العدو لصور مزيفة سرعان ما انتشرت باعتبارها صوراً لأطفال صهاينة تمّ تقطيعهم وحرقهم في السابع من أكتوبر. تتحدّث نصّار أكثر عن فكرة “استخدام الذكاء الاصطناعي” لتعزيز الرواية العدوة، وكيف انتشرت صور نشرتها صحيفة التايمز البريطانية المعروفة وهذه الصور قد صُنعت كلّية بواسطة الكمبيوتر. ولأنّ الصورة الأولى يصعب محوها، كما تشير الكاتبة، فإنّه ليس محوها هو المشكلة، بل إنّ أي محاولة للتخفيف من تأثيرها ستبوء عادة بالفشل، ذلك أنّ كثيرين سيناقشون -من بينهم مزيّفوا الصورة أنفسهم- بأنّ ما قالوه حقيقي وصحيح حتى ولو اعترفوا -سابقاً أو لاحقا- بأنّ الصور غير حقيقية. هذا بالضبط ما يفعله الصهيوني اليوم في حديثه عما جرى في السابع من أكتوبر مثلا: في أي لقاء تلفزيوني/إعلامي يبدأ الحوار من “الأطفال الإس.. الذين تمّ قتلهم وتقطيعهم وحرقهم”، هنا ندخل في متلازمة رجل القش الشهيرة، حيث نترك الموضوع الرئيسي والإجرام العدو لندخل في نقاش “حقيقة الصورة أو كذبها”.
13- نعومي كلاين وتحوّل المثقف اليساري
النقاش الذي يخوضه الكتاب في هذه الفكرة لربما من أهم الأفكار التي لا يطرحها كثيرون في العلن: دور المثقف الغربي المؤيد لفلسطين أو لقضايا الأمّة العربية ومدى مكانته وتأثيره علينا وعلى هذه القضية، وارتباطنا به من عدمه. نأخذ الكاتبة مؤلفة كتاب “عقيدة الصدمة” الشهير، الصحافية الاستقصائية الكندية نعومي كلاين. كلاين والتي تحوّلت من أشهر منتقدي الصهيونية إلى موقف متذبذب بعد أحداث السابع من أكتوبر، قبل أن تعود لموقفها المعتاد مُدينة الأعداء الصهاينة مجرمي الحرب صابّة جام غضبها عليهم. هنا تطرح نصّار فكرة هل يمكن الاعتماد على هؤلاء المثقفين الغربيين؟ أم أنّهم في لحظة ما سيتغيرون؟ ماذا لو أنّ الفلسطينيين بعد أحداث السابع من أكتوبر انتصروا؟ هل كانت كلاين ستقف مع الصهاينة المحتلين؟ وتعتبرهم مظلومين ومساكين على الرغم من أنّهم قد قضوا سنيناً (أقلّها منذ العام 1948) في قتل الشعب الفلسطيني والقضاء عليه بكل الوسائل والطرق الوحشية؟ هل خافت كلاين على نفسها من تأثير “الإعلام الغربي المؤيد للصهيونية؟” أو الماكينة الأكاديمية والثقافية والمؤسساتية لذات الجهة؟.
14- حوار ميلوس والطرف القوي/الضعيف
في واحدة من أقوى فصول/مقاطع الكتاب تشرح الأستاذة تهاني واحداً من أقدم حوارات السياسة الدولية، حوار منذ القرن الخامس قبل الميلاد، لوصف فظائع حدثت، وستحدث، ولا زالت تُفعل وستُفعل. تستحضر نصّار “حوار ميلوس” الشهير من كتاب تاريخ الحرب البيلوبونيسية” (History of the Peloponnesian War) للمؤرخ اليوناني القديم ثوسيديدس، حين أرادت أثينا إخضاع جزيرة ميلوس الصغيرة، التي لم ترغب بأخذ طرف من الصراع القائم بين الأسبارطيين والأثينيين، لتأتي إجابة الأثينيين: “الحقّ والعدل موضع نقاش فقط بين طرفين متساويين في القوة، أما في حالة طرف قوي وآخر ضعيف، فيفعل الأقوياء ما يستطيعونه، ويعاني الضعفاء بقدر ما يتوجّب عليهم”. هذه الجملة المفجعة، القوية، يستخدمها الكتاب لوصف الواقع الذي يحدث اليوم بدقة بالغة، وتعتبر أنّها تصوّر ما يحدث اليوم بين “إسرائيل” والغرب من جهة، وبين الغزّيين/اللبنانيين من جهة ثانية. يثير هذا الأمر نقاشاً فلسفياً حادا، قاسيا، وصارماً في آنٍ معا: هل القانون الدولي مجرد ترف؟ هل المؤسسات الدولية والمجتمع الدولي والقانون الدولي هي مجرّد شعارات؟ هل الأخلاق والحقّ والفضيلة هي حقّ لطرف بينما لا يحقّ لآخرين التمتع بها طالما أنّهم لا يمتلكون القوّة الكافية للدفاع عن أنفسهم كما يجب؟.
15- تليغرام واعتقال بافيل دوروف – حرية التعبير في خطر
في هذه النقطة، تنتقل الكاتبة إلى الفضاء الأوسع للحرية: الفضاء الرقمي. يعتقد كثيرون -خاطئين- بأنّهم أحرار على الإنترنت، يقولون ما يريدون، ويفضحون أي شيء، ولا قيود تحاسبهم: لا من فوق ولا من تحت. توضح الكاتبة من خلال طرحها لقضية اعتقال مؤسس تليغرام الروسي (يحمل الجنسيتين الإماراتية والفرنسية كذلك) بافيل دوروف في فرنسا بغرض الضغط عليه لإيقاف تفاعل “التليغرام” برنامجه الأثير مع القضية الفلسطينية ونشر محتوى داعم لها دون قيود كما تفعل بقية برامج مواقع التواصل الاجتماعي. المشكلة في هذا الأمر أنّ الموضوع مبني على كيل بمكيالين، ففي حين تقوم معظم منصات التواصل -وحتى تليغرام نفسه- بنشر محتوى مؤيد لكيان الاحتلال، لا بل وتطبل له بكل الطرق والوسائل، فإنّها تحارب أي محتوى معادٍ لذلك بكل ما أوتيت من قوّة تحت حجج واهية/تافهة/قذرة مختلفة من نوع “تخالف سياسات المحتوى”، “تخالف السياسة العامة للبرنامج”، “تخالف أخلاقيات”، “تشجع على العنف”، “تحرّض على الكراهية” وكل هذه الكلمات الملغومة التي لا تُستخدم نهائياً بوجه الإجرام الصهيوني العدو. طبعاً لا تنسى الكاتبة الإشارة إلى أنّ اعتقال دوروف (والذي خرج بعد مدة قصيرة) جاء بمثابة “إنذار” لجميع من مثله، إلى أنّه لا أحد فوق “المحدلة” التي يريد الغرب تصديرها لمعاقبة أي رأي مخالف.
16- إبادة المؤسسات التعليمية في غزة
ولأنّه حكى الكتاب عن الإبادة التي حدثت -وللأسف لا تزال- في غزّة، كان لا بد من الحديث عن استهداف التعليم، المدارس، الجامعات لا بوصفها فقط جرائم حرب، بل أيضاً جرائم ضد الإنسانية، ضد الذاكرة الجماعية، ضد مستقبل شعب وحضارة بأكملها، وهذا بعد يغيب عن التغطية الإعلامية، اليومية، الآنية، والتي تهتم فقط بالحدث، متناسية أي شيء مستمر يميل للامتداد. تستعين الكاتبة بالأكاديمية الأمريكية آني آندريا التي وصفت ما يحدث بإبادة المؤسسات التعليمية في غزة شارحة عن تدمير جميع جامعات القطاع، واستشهاد أكثر من أربعة آلاف طالب، ومئات الأساتذة والمعلمين. هنا يعود الكتاب للسؤال الأكثر أهمية: حين يصمت الأكاديميون العرب والغربيون الذي يزعمون ويحكون -ويكتبون- الكثير حول حب المعرفة، وتبجيل العلم والتعليم والتعلّم، أمام تدمير جامعات وإبادة طلاب بأكملهم، ألا يُعد هؤلاء شركاء صامتون في هذه الجرائم؟ هل الانتماء المؤسسي لجامعة يُلزم الأكاديمي بالصمت على تدمير الجامعات، وقتل الطلاب في مكان آخر. هل يشرّع هذا في العرف الأكاديمي؟ هل هذا أمر مقبول ومشروع ومنطقي أكاديميا؟ إذا كانت الإجابة هي لا، إذا فلماذا هذا الصمت المطبق على ما حدث ويحدث في غزّة ولبنان اليوم؟.
17- مبادرة “شهداء غزة” وأنسنة الأرقام
هنا يأخذ الكتاب منحىً عاطفي للغاية، تذهب الكاتبة ناحية مبادرة “شهداء غزّة” على منصتي إكس وإنستغرام، المبادرة التي أخذت على عاتقها تجميع صور الشهداء الغزيين ورواية قصصهم وأحلامهم وحيواتهم بدلاً من الإكتفاء بتحويلهم لمجرّد أرقام. هؤلاء الشهداء هم: الطبيبة العروس سميرة، الطفلة بيروت التي سُميت باسم العاصمة اللبنانية، المدرّس الطيب، الشاب الذي يحب ريال مدريد ويحلم بطفل يناديه بابا، هؤلاء كلّهم لم يكونوا مجرّد أرقام، وليسوا “عشرة آلاف شهيد” أو “عشرة آلاف قتيل”، هؤلاء هم عشرة آلاف حياة. تضخ الكاتبة هنا فعلاً إحيائياً من خلال الحديث عن هذه المبادرة التي تُعيد صور هؤلاء الأحياء والأحبّاء بتفاصيل يومية عن حياتهم وأحلامهم الصغيرة والكبيرة، التي تحقّق بعضها ولم يتحقّق كثيرها. أهمية هذا الجانب أنّه يكسر معتاد الحروب في التعامل مع الأرقام وشهداء الأرقام وأرقام الشهداء. يحاول الإعلام عبر طرقه المتعددة تخدير الوجدان الإنساني، لكنّ الكاتبة تخبرنا كيف تُعيد الحكايات الإنسانية لنا -نحن المشاهدون والقرّاء الحقيقيون، البشر ذو الإحساس- إحساسنا بحجم من خسرناه، وما خسرناه برحيل هؤلاء.
18- إزدواجية معايير الإعلام في تغطية الأسرى
يتناول هذا الجزء من الكتاب كيفية تعامل الإعلام الغربي مع عمليات تبادل الأسرى بين المقاومة وكيان الاحتلال من خلال تحليل لغة جسد الرهائن خلال عملية التبديل. تكشف التفاصيل الصغيرة وحشية الإعلام الغربي، والوحشية هنا لا تعني القتل، بل تعني كيفية التعامل مع القتلة، تقديمهم، وحمايتهم بكل الوسائل. تحلل نصّار بدقّة الطريقة التي غطّى بها الإعلام الغربي ما حدث في إحدى عمليات تبادل الأسرى الصهاينة لدى المقاومة في غزّة: أعطى الأسرى الصهاينة صفات “رهائن” و”ضحايا”، أما المعتقلون الفلسطينيون في عمليات التبادل فهم “ذكور فلسطينيون غير بالغين”. بنفس الوقت تمّ إهمال أو إخفاء أو تجاهل أي شهادة من الأسرى الصهاينة عن معاملتهم الجيدة من قِبل المقاومة، وبنفس الوقت قدّمت مشاهد “تعذيب” و”إهانة” وتجريد الأسرى الفلسطينيين من ملابسهم أمام الكاميرات دون أي تعليق أو إدانة من أي نوع. هنا تسأل الكاتبة، ما هو المعيار الأخلاقي في الانحياز المقزز بهذه الطريقة؟ هل معاناة طرف بشري أعلى من طرف آخر؟ هل الصهيوني المحتل أعلى إنسانياً بالنسبة لهذه القنوات التلفزية أو وسائل الإعلام من غيره؟ هل يحقّ لنا كإعلاميين أن نصنّف بهذه الطريقة؟ أن نكتب/نصوّر ونشرح لتلامذتنا أنّ هذا هو الإعلام وهذه هي الطريقة الأصح؟ ميزة هذا المقطع أنّه يعيد إلى الواجهة كيفية تعرية الانحياز إلى طرف فيما يتمّ تشويه طرف آخر بشكل فاضح وبائن للعيان ثم الادعاء الكاذب والواهم بالموضوعية والمهنية والاحتراف.
19- المؤرخون الجدد والرواية المضادة للصهيونية
تتناول الكاتبة ظاهرة “المؤرخون الجدد” في كيان الإحتلال أمثال إيلان بابيه وآفي شلايم وبيني موريس، الذين قاموا قبل سنواتٍ بمراجعة الرواية الصهيونية التاريخية الرسمية وكشفوا عن التطهير العرقي الإجرامي الكبير والجرائم الكبرى التي حدثت و-المجازر- إبان النكبة وبعدها. يُفيد بابيه أنّ أكبر تحدٍّ يواجه المناضلين اليوم هو عقود من الدعاية والتلفيقات التي صنعتها الأوساط الأكاديمية وهوليوود والمسلسلات التلفزيونية من خلال تقديم تاريخ مواز، تاريخ يستخدمه كثيرون في رسم “حقيقة” غير حقيقية. يُثير هذا سؤالاً معرفياً عميقا: كيف يُكتب التاريخ؟ ومن الذي يملك حقّ الرواية؟ وهل يمكن للمؤرخ أن يكون فعلاً موضوعياً أم هو دائماً ابن سياقه وانتمائه؟. نفس الأمر تطرحه الكاتبة حول هؤلاء المؤرخين أنفسهم، وهل يمكن فعلاً الركون إلى ما يقولون؟ وهل هم مثلاً معادون للصهيونية؟ أم أنّهم مجرد جزء من “النظام” نفسه، جزء يهدف لإظهار النظام الصهيوني المحتل على أنّه “ديمقراطي عادل يسائل نفسه كل الوقت، ويصحح أخطاءه بين الحين والآخر”.
*كاتبان فلسطينيان
وسوم :
تهاني نصار, سيمولاكرا, صمود, طوفان الأقصى, عبد الرحمن جاسم, كتب