19 فكرة وأكثر تستحق النقاش في رواية حامل الطين
يونيو 19, 2026 7:22 ص
*تهاني نصّار وعبد الرحمن جاسم
لم تكن “حامل الطين”، الجزء الأول من ثلاثية شيخ الجبل، رواية فحسب، ولم يكن يُقصد منذ البداية أن تكون عملاً روائياً وحده. يحمل العمل أفكاراً تخرج عن الإطار الروائي المعتاد، وأوّلها فكرة الخروج من البرج العاجي التي تحدّث عنها فلاسفة مدرسة فرانكفورت، ثيودور أدورنو وماكس هوركهايمر، في كتاب “جدل التنوير”: كيف تبتعد النخب المثقفة، ومن يدّعون أنفسهم كتّاباً، عن “الجماهير” بكل قوتها، فلا تتحدث بلغتها ولا تلعب ألعابها ولا تفهم أشياءها. هو مانفيستو ثقافي صريح: لا لنظرية “كاتب العرزال” (أي أن ينعزل ليكتب)، فهذا عند جاسم “ترف”، إذ يدين الكاتب الكسل المركّب ويُفترض به أن يكون ابن عصره. وفي ذات الإطار يطرح العمل مفاهيم ثقافية متعددة، من رفض الاستلاب إلى رفض “رواية التاريخ عبر المتغلّب”، رغم أنّ الرواية تؤكد أنّها ليست “مرجعاً تاريخياً من أي نوع” بل “دراما مستوحاة من أحداثٍ تاريخية حقيقية”. وتشرح “حامل الطين” العلاقة الثلاثية بين السرد والمعرفة والسلطة: فالصراع المركزي فيها ليس بين حواريات وأساسيي قلعة “أموخت” وجيوش السلاجقة وأباطرتهم ووزرائهم، بل بين روايتين تتنازعان تاريخ هذا العالم. رواية رسمية تنتجها السلطة الأقوى، التي تملك الجيوش والعتاد والمال ووعاظ السلاطين (وزير الدولة الثرية تاج الملك، والمستشار الخبيث ومزوّر التاريخ كازلمرق، وفقيه السلطة الغزالي)، ومن هنا تُخلق أسطورة “الحشاشين” التي تُعمَّم حتى تصبح حقيقة واقعية لا مثيل لها (يقول كازلمرق في الرواية إنّ “علينا أن نصدّقها إلى الدرجة التي نتفاجأ حين تُقال أمامنا، حتى تصبح الحقيقة الوحيدة”). وفي المقابل، رواية مضادة يحملها نساءٌ ورجال، قوامها أنّ الحقيقة لا بدّ ستصل إلى الناس ولو بعد حين، ومهما كلّفنا ذلك.
في ذكرى إطلاقها السنوية الأولى، رأينا أنّ رواية “حامل الطين” تستحق نقاشاً أعمق حول أفكارها، فقررنا أن نسأل كاتبها من أين أتى بها: ما المفاهيم التي تختبئ خلف كل تفصيل في هذا الجزء الأول من ثلاثية تصوّر عالماً حدث قبل سنوات طويلة، لكنه يبدو كأنه يحدث الآن.
1- “البرزخ”: الحالة الحدّية والذات المعلّقة بين عالمين
اسم الراوي ليس اعتباطياً؛ إنّه مفتاحٌ أنطولوجي. يقول: “أنا الآن في البرزخ، كما اسمي.. ترى الأشياء كلّها، كأنّك خارج الزمان والمكان”. ويعلّمه شيخه “أن يخرج خارج مسارات الجسد، فتصبح الروح حرّة، بالصلاة والصوم والابتعاد عن الملذّات”. فالبرزخ حالةُ عبورٍ دائم: لا حيٌّ تماماً ولا ميّت، لا في الزمن ولا خارجه كلّياً، يكتب من موضعٍ يتيح له رؤية الماضي والمستقبل معاً.
هذا المفهوم متجذّر أوّلاً في التصوّف الإسلامي. فعند محيي الدين ابن عربي في “الفتوحات المكية” و”فصوص الحكم”، البرزخُ هو “العالم الوسيط” (عالم المثال/الخيال المنفصل) الذي يفصل ويصل بين عالم الأرواح وعالم الأجساد؛ هو “الحدّ الفاصل بين الشيئين الذي لا يتّصف بأحدهما”، ومجالُ تجلّي الحقائق في صورٍ مثالية. كما يستحضر النصّ مفهوم “الفناء” الصوفي: محو الأنا للاتّصال بالأعلى. أمّا أنثروبولوجياً، فتُقرأ هذه الحالة عبر مفهوم “العتبة/الحالة الحدّية” (liminalité): فأرنولد فان جينيب في “طقوس العبور” (1909) بيّن أنّ كلّ تحوّلٍ كبير يمرّ بمرحلةٍ وسطى يكون فيها الفرد “بين-وبين”؛ وطوّرها ڤيكتور تورنر في “العملية الطقسية” (1969) إلى وصفٍ للكائن الحدّي بوصفه “لا هنا ولا هناك”، يمتلك بصيرةً خاصة لأنّه خارج البنية. والبرزخ أوميد كائنٌ حدّيٌّ بامتياز: من موقعه المعلّق وحده يصير ممكناً أن يُروى التاريخ “كما حدث”.
2- الحرّية بوصفها اختياراً لا انفلاتاً
المشهد الفلسفي الأكثر اكتمالاً في الرواية هو حوار النهر. يتأمّل الصبّاح ماء النهر ثمّ يقلب الاستعارة رأساً على عقب: “هذا النهر يبان حرّاً، لكنّه ضمن حريةٍ محدّدة مقيّدة.. إنّه أشبه بالهارب أكثر من الحرّ.. هذا انطلاق، اندفاع، هروب، لكنّه ليس بحرية. أنا اخترت أن أكون هنا.. هكذا يأتي تعريف الحرية: أن تختار”. ويضيف: “قد تختار ألّا تكون حرّاً، كما يفعل كثيرون.. حينها تكذب على نفسك”.
هذه الصياغة تكاد تكون تلخيصاً للوجودية السارترية. ففي “الوجود والعدم”، يرى جان-بول سارتر أنّ الإنسان “محكومٌ عليه بأن يكون حرّاً”، وأنّ الحرية ليست غياب القيود بل القدرة على تجاوز المعطى نحو مشروع؛ ومن يتهرّب من مسؤولية اختياره يقع في “سوء النيّة” (mauvaise foi)، وهو بالضبط ما تسمّيه الرواية “الكذب على النفس”. غير أنّ النصّ يطعّم هذه الوجودية بنكهةٍ رواقية صريحة، إذ يحتفظ الصبّاح في مكتبته بكتاب سينكا “في قِصَر الحياة” ويستشهد به باللاتينية. والرواقية، من إبكتيتوس في “المقتطف” (Encheiridion) إلى سينكا، تقوم على التمييز الجوهري بين “ما يخضع لإرادتنا وما لا يخضع”: الحرية الحقّة داخلية، في موقفنا من العالم لا في السيطرة عليه. وهكذا يقدّم النصّ تركيباً أصيلاً: حريةٌ وجوديةٌ في جوهرها (الاختيار يصنع الماهية) لكنها رواقيةٌ في انضباطها (السيادة على الذات قبل العالم)، ومؤطّرةٌ إسلامياً بفكرة الابتلاء بوصفه “خلاص الإنسان.. يصهره ويقهره ويجعله كما يجب أن يكون”.
3- مَن يكتب التاريخ؟ الرواية بوصفها تأريخاً مضاداً
تبني الرواية كلّها على وعيٍ حادٍّ بأنّ “التاريخ يكتبه الأقوى، والحائز انتصاراً”، كما يقول الراوي في خاتمة الكتاب وهو يبحث عن “بقايا هذه الحكاية”. ومنذ المقدمة، يشنّ المؤلف هجوماً على “المراجع التاريخية” لأنّ “كلٌّ لديه أجندة: سياسية، دينية، ثقافية.. وبناءً على هذا يُكتب التاريخ ويغيَّر ويشوَّه”. فالرواية إذن فعلُ استرجاعٍ لصوتٍ صودر، ومحاولةٌ لكتابة “التاريخ من منظور المهزوم”.
هذا الموقف يضع النصّ في قلب فلسفة التاريخ النقدية. فعند ڤالتر بنيامين في “أطروحات حول مفهوم التاريخ”، تتكرّر العبارة المؤسِّسة: “لا توجد وثيقةُ حضارةٍ إلا وهي في الوقت ذاته وثيقةُ بربرية”، وأنّ المؤرّخ المادي عليه أن “يمشّط التاريخ ضدّ تيّاره” ليُنصف المقهورين الذين داست عليهم “مواكبُ المنتصرين”. تفعل الرواية هذا حرفياً حين تُعيد قراءة وثيقةٍ بعينها، مثلاً في النصّ الذي يصف “جنّة الحشّاشين”، تكشف أنّها أداةُ سلطةٍ لا شهادةُ حقيقة. يشير ميشيل فوكو، في “حفريات المعرفة” ومحاضراته أنه “يجب الدفاع عن المجتمع”، فيقدّم الأداة المفهومية الأدقّ: “الخطاب” ليس وصفاً محايداً للواقع، بل ممارسةٌ تُنتج موضوعاتها وتُكرّس علاقات القوة. وما تصنعه الرواية هو ما تسمّيه الناقدة غاياتري سبيفاك “استعادة صوت التابع” (the subaltern)، أي محاولة منح المُسكَت تاريخياً قدرةً على الكلام.
4- الإنسان والطبيعة والمعرفة المكانية
تُبنى قوة أموخت على فهمٍ عميق للطبيعة: الفطر الذي يُغذّي تحت الأرض، خشب “كيري” الخفيف، النار الإغريقية، الذئاب والصقور والأفاعي، وتضاريس الجبل. ويُعلِن الشيخ مبدأً أخلاقياً تجاه الحيوان: “أكرموا إخوتكم. هؤلاء إخوتكم”، فلا تُعقر الخيل ولا تُترك في المعركة. والأمضّ من ذلك حزنُ أهل الدار على “الأشجار المحترقة” بوصفها من “سكّان أموخت” لا مجرّد موارد: “الشجر كما الأرض كما الذئاب.. لا ذنب له بشرور البشر”.
هذا الموقف يحاور “الإيكولوجيا العميقة” (deep ecology) كما صاغها آرني نَيس في مقالته المؤسِّسة (1973): تجاوز النظرة النفعية الضحلة للطبيعة نحو إقرارٍ بقيمةٍ ذاتية (intrinsic value) لكلّ الكائنات. ويتقاطع مع “أخلاقيات الأرض” (land ethic) عند ألدو ليوبولد في “تقويم مقاطعة الرمل” (1949): “الشيء صائبٌ حين يصون سلامة المجتمع الحيوي وجماله”، وتوسيع دائرة الأخلاق لتشمل التربة والماء والنبات والحيوان. كما يلتقي مع نقد لِن وايت لجذور أزمتنا البيئية، ومع “المعرفة المكانية/الأصلانية” التي ترى أنّ السيادة تنبع من الانتماء إلى الأرض وفهمها لا من قهرها. وفي هذا تقدّم الرواية بُعداً بيئياً نادراً في الدراما التاريخية العربية.
5- الاستشراق وأسطورة “الحشّاشين”
تُكرّس الرواية جهداً منهجياً لتفكيك تسمية “الحشّاشين” نفسها، وتردّها إلى مصدرها الغربي. وفي أحد أهمّ هوامشها تُصرّح بأنّ النصّ الشهير عن “جنّة الحشيش” منقولٌ عن الرحّالة ماركو بولو، وتُسقطه ساخرةً بملاحظةٍ تاريخية قاطعة: بولو “كان له من العمر أربع سنوات حين توفي الحسن الصبّاح الذي يدّعي أنه قابله”. وعلى لسان كازلمرق تُعرض الخطة كاملةً: نشر “القصص التي تُروى حول أصل الحشّاشين”، وربطها بالحشيش والخداع والنساء، ثمّ إرسالها إلى “المؤرّخ المعروف بابن الأثير كي تُضمَّ إلى كتابه”.
نقترب هنا من جوهر أطروحة إدوارد سعيد في “الاستشراق”: أنّ “الشرق” مُنتَجٌ خطابيٌّ صنعه الغرب لِيَحكُمه؛ صورةٌ نمطية تُعاد إنتاجها في النصوص حتى تكتسب سلطة “الحقيقة” وتُصبح شبكةً من “المعرفة” التي تخدم “القوة”. والرواية تقدّم دراسة حالةٍ مثالية لهذا التحالف بين المعرفة والاستعمار الرمزي: “الحشّاشون” ليسوا واقعاً موصوفاً، بل تهمةٌ مُصنَّعة تُحوِّل خصماً سياسياً إلى وحشٍ أخلاقي يستحقّ الإبادة. ويكشف النصّ أيضاً “الاستشراق الداخلي”: فالسلطة السلجوقية-العباسية هي من يُموّل الأسطورة ويُعمّمها، أي أنّ آلة التشويه ليست غربيةً خالصة بل أداةٌ تتقاسمها كلّ سلطةٍ ضدّ مَن يرفض الانصياع.
6- الموت والذكرى والجماعة المتخيّلة
في طقس “المؤاخاة” قبل المعارك، يترك كلّ مقاتلٍ “اسمه وأحبّته ووصيّته بكفالة أخيه”، وتُنقش الأسماء والتواريخ على السيوف والدروع، لأنّ “الموت ليس نهاية الأشياء بل البداية.. أثر المرء لا يُنسى”. ويُختم كلّ فعلٍ بشعار “طوبى للغرباء”. بهذا يحوّل النصّ الموت الفردي إلى استمراريةٍ جماعية: “فلو بقي واحدٌ فحسب، فسيبقى هذا الذكر ممتدّاً”.
يُقرأ هذا عبر سوسيولوجيا الدين عند إميل دوركهايم في “الأشكال الأوّلية للحياة الدينية” (1912): الطقوس الجمعية تُولّد “غلياناً جمعياً” (effervescence collective) يصهر الأفراد في كائنٍ أخلاقيٍّ أعلى هو المقدّس/المجتمع، فيستمدّ الفرد من الجماعة شعوراً بالخلود يتجاوز فناءه. ويُقرأ كذلك عبر “الجماعات المتخيّلة” لبندكت أندرسون (1983)، الذي بيّن أنّ روابط الانتماء الكبرى تربط الأحياء بالأموات وبمن لم يولدوا بعد، وأنّ “المقابر ونُصب الجندي المجهول” هي رموزها القصوى، تماماً كأسماء الشهداء المنقوشة في أموخت. وفلسفياً-نفسياً، يضيء النصَّ كتابُ إرنست بيكر “إنكار الموت” (1973): إنّ معظم البطولة الإنسانية “مشروعُ خلودٍ رمزي” يقاوم به الإنسان رعبَ الفناء، و”طوبى للغرباء” ليست إلا صيغةً لهذا المشروع.
7- “الحرب خدعة”: العنف الرمزي والاستعراض والردع
تُصرّح الرواية مراراً بأنّ “الاستعراض جزءٌ أساسيٌّ من الحرب”، وتستشهد بحديث “الحرب خدعة”. و”قفزة الموت”، حيث يُوهَم الزائر بأنّ المقاتلين يرمون أنفسهم من السور فداءً للشيخ بينما ينجون عبر حبالٍ خفيّة، هي تحفةُ النصّ في “العنف الرمزي”: تأثيرٌ يُحقَّق بالصورة قبل السيف، إذ “إن فعلنا هذا بأحبّائنا فماذا نفعل بأعدائنا؟”.
يستحضر هذا جوهر “فنّ الحرب” لصن تزو (الذي تُترجمه شخصيات الرواية وتعمل بمقتضاه): “كلّ حربٍ قائمةٌ على الخداع”، و”أن تُخضِع العدوّ بلا قتالٍ ذروةُ المهارة”. لكنّ النصّ يتجاوز صن تزو نحو النظرية النقدية المعاصرة: فما تصنعه أموخت هو ما سمّاه غي ديبور “مجتمع الاستعراض” (1967)، حيث “يصبح كلّ ما كان يُعاش مباشرةً قد تباعد في تمثيلٍ/صورة”؛ فالقوة الحقيقية لأموخت ليست في عدد سيوفها بل في “صورتها” المرعبة المتداولة. ويلامس النصّ أطروحة جان بودريار في “المحاكاة والاصطناع” (1981): حين تصير “النفطة” سحراً، و”التنين” الذي رآه الجنود ليس إلا ناراً، تنفصل العلامة عن مرجعها لتصنع واقعاً موازياً (hyperréel) يحكم سلوك الخصم. وعملياً، هذه نظرية “الردع” (deterrence): النصر الأمثل هو منع الحرب أصلاً عبر بثّ رعبٍ يجعل تكلفة المواجهة لا تُحتمَل.
8- الحضارة الأمومية ودور المرأة المُغيَّب
يُفرد النصّ فصلاً لأطروحةٍ صريحة: “لطالما بُنيت الدور على أمّ. هذه الحضارة المشرقية أمومية”، مستنداً إلى نقشٍ مسماري يقول “الدنيا أمّ”. ويُجسّدها في دنيا زاده “أمّ الدار” التي لها “صوتٌ كبير في معظم ما حدث”، ويُصرّح بأنّ “كتّاب التاريخ، وبمعظمهم من الذكور، غيّبوا ذلك الدور الرائد.. والسيطرة جزءٌ رئيسي من تغييب صورة المرأة”. كما يبتكر مؤسسة “الحواريات” المقاتلات بوصفهنّ مساوياتٍ للأساسيّين.
هذا الطرح يحاور تقليداً أنثروبولوجياً يبدأ بيوهان ياكوب باخوفن في “حقّ الأمّ” (Das Mutterrecht, 1861)، الذي افترض مرحلةً أمومية (gynaikokratie) سبقت الأبوية في تاريخ البشرية. وقد طوّر فريدريش إنغلز هذا في “أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة” (1884)، رابطاً “الهزيمة التاريخية الكبرى للجنس الأنثوي” بنشوء الملكية الخاصة. أمّا التأريخ النسوي المعاصر، وعلى رأسه غيردا ليرنر في “صناعة البطريركية” (1986)، فيبيّن أنّ الهيمنة الذكورية ليست معطىً طبيعياً بل بناءٌ تاريخيٌّ تكرّس عبر مأسسة محو النساء من السجلّ، وهو بالضبط ما تشخّصه الرواية وتقاومه سردياً. غير أنّ القراءة النقدية تلاحظ توتراً: فأمومة دنيا زاده تظلّ في حدود “تدبير الدار”، والحواريات يخدمن مشروعاً يقوده الرجال؛ أي أنّ النصّ يفتح باب المساواة لكنّه لا يفكّك البنية الأبوية كلّياً.
9- صناعة العدو وهندسة الرأي العام
المعالجة الأعمق في الرواية هي “دليل الدعاية” الذي يضعه كازلمرق. فهو لا يكتفي باختلاق رواية، بل يشرح آليتها النفسية: استخدام “مجموعة محدّدة من المصطلحات، تعيدها وتكرّرها حتى تصبح لازمة”؛ توظيف رجال الدين لأنّ “الناس يميلون لتصديق من يدّعون العلم”؛ وأخيراً البند الأخطر: “علينا أن نصدّقها.. حتى تصبح هي الحقيقة الوحيدة التي نعرفها”. ويضيف بُعداً اقتصادياً (مقاطعة التجّار) ونفسياً (إشعار العامة أنّ مقاومة الصبّاح “حرام”) لإحكام الحصار الرمزي.
هنا يلتقي النصّ بثلاثة تقاليد نظرية. أوّلها نظرية الدعاية الحديثة كما أرساها إدوارد بيرنايز في “الدعاية” (Propaganda, 1928)، حيث “التلاعب الواعي المنظَّم بعادات الجماهير وآرائها” هو حجر الزاوية في المجتمع. وثانيها “أنموذج الدعاية” عند هرمان وتشومسكي في “تصنيع الإذعان”، الذي يبيّن كيف تُهندِس المؤسّساتُ الإجماعَ عبر التحكّم في تدفّق المعلومة. وثالثها أطروحة “الكذبة الكبرى” التي حلّلتها حنّة أرنت في “أصول الشمولية” (1951): أنّ الكذبة كلّما كانت أضخم وأكثر تكراراً صارت أصعب على التفنيد. ويبقى الأقرب أدبياً كتاب أمبرتو إيكو “اختراع العدو” (Costruire il nemico, 2011): “امتلاك عدوٍّ مهمٌّ لا لتعريف هويتنا فحسب، بل لتزويدنا بعقبةٍ نقيس عليها منظومة قيمنا”. وكازلمرق، في جوهره، صانعُ أعداءٍ محترف.
10- الهيمنة الثقافية ورجل الدين أداةً للسلطة
يُصرّ كازلمرق على استدعاء الغزالي تحديداً، لا أيّ عالمٍ آخر، لأنّه “سيحوّل كلامنا العادي إلى مقدّس ذي أبعادٍ مؤثّرة”، ويشرح أنّ “من السهل ألّا يطيع الناس أمر حاكمهم.. أمّا إذا ارتبط الأمر بطاعة الله ورسوله فإنّهم سيخافون”. بهذا يكشف النصّ آليةَ تحويل القهر السياسي إلى إذعانٍ طوعيٍّ بلباسٍ ديني.
هذا هو لبّ مفهوم “الهيمنة” (egemonia) عند أنطونيو غرامشي في “دفاتر السجن”: الطبقة المسيطرة لا تحكم بالقوة وحدها (società politica)، بل تنتزع “موافقة” المحكومين عبر المجتمع المدني والثقافة والدين (società civile)، مستعينةً بـ”المثقفين العضويين” الذين يُضفون المشروعية على نظامٍ ليس في مصلحة الجماهير. والغزالي في الرواية، كما يُوظَّف لا كما هو في ذاته، يمثّل النموذج الأصفى لـ”المثقف العضوي” للسلطة. وفي المقابل تقدّم الرواية نقيضه في السيدة دلال الصوفية التي ترفض أن تُوظَّف، وفي شيخٍ يأمر أتباعه بـ”محاسبة ذي الدين إذا أخفى دينه وامتنع عن قول الحقّ بوجه السلطان الجائر”، أي دعوةٌ صريحة إلى “المثقف المضاد”.
11- “مرايا الأمراء”: مكيافيلّي ونظام المُلك وجهاً لوجه
يضع النصّ في فم نظام الملك درساً كاملاً في فنّ البقاء في السلطة: “انسَ مَن كنتَ قبل الوزارة، ولا تفكّر بمن ستكون بعدها.. فكّر فقط أنّك ستُخلَّد في هذا المنصب”؛ و”استعدّ لأن تُقتَل لأجل هذا الكرسي.. لا أن تكذب فحسب، بل أن تغدر بأقرب الناس إليك”. ثمّ يقدّم قاعدةً في إدارة المرؤوسين: إبقاء الوزير “في خوفٍ دائم” يجعله “أقلّ خطراً وأكثر طاعة”. ويستحضر النصّ كتاب نظام الملك الفعلي “نظام نامه” (سياسة نامه) بوصفه مرجعاً في “أواليات الحكم”.
إنّنا أمام تجاور نصّين تأسيسيين في جنس “مرايا الأمراء”. فمن جهةٍ، “الأمير” لنيكولو مكيافيلّي (1513، نُشر 1532) بسؤاله الشهير: هل الأفضل للأمير أن يُحَبّ أم يُهاب؟ وجوابه أنّ “الأمان في أن يُهاب” ما دام يتجنّب أن يُكرَه؛ وأنّ السياسة الفعلية (la verità effettuale) تتطلّب فصل الأخلاق عن فنّ الحكم. ومن جهةٍ أخرى، “سياسة نامه” لنظام الملك الطوسي (نحو 1091)، وهو نصٌّ تاريخيٌّ حقيقي في تدبير المُلك العادل ومراقبة الرعية عبر البريد والجواسيس. والرواية لا تكتفي بالمقارنة، بل تُدرِجها داخل حبكتها: نظام الملك التاريخي يصبح “مكيافيلّياً قبل مكيافيلّي”، فيما يُعيد تاجك إنتاج الدرس بصورةٍ مبتذلة. والأعمق أنّ النصّ يضيف بُعداً غاب عن مكيافيلّي: نقدُ المنطق نفسه. فبينما يبرّر نظام الملك الاغتيال “حفظاً للنظام”، يقدّم الصبّاح فلسفةً مضادة في الحكم قوامها “التوازن” لا “البقاء” (انظر المحور 12 و14).
12- الميتاسرد والنصّ المتحوّل: نظرية التلقّي
يقول الصبّاح لحامل طينه عن الوصايا: “لن تعطيك هذه الوريقات كلّ الإجابات، فهي تتغيّر كحال قارئها”. وفي الخاتمة المعاصرة يبحث الحفيد عن المخطوطات فلا يقدر على قراءتها مباشرةً، إذ “تحتاج إلى أدوات قراءة وتنقيب”. النصّ إذن واعٍ بذاته بوصفه نصّاً (metafiction)، ويطرح صراحةً أنّ المعنى لا يقبع جاهزاً في الورق بل يتولّد في فعل القراءة.
هذه أطروحة “جمالية التلقّي” ونظرية “استجابة القارئ”. فعند ڤولفغانغ آيزر في “فعل القراءة”، يحتوي النصّ على “فراغاتٍ” (Leerstellen) يملؤها القارئ، فيُصبح المعنى ثمرة تفاعلٍ لا معطىً سابقاً. وعند هانس روبرت ياوس، يتغيّر العمل بتغيّر “أفق التوقّع” لدى أجيال القرّاء. وفلسفياً، يردّ غادامر هذا إلى أنّ الفهم “اندماج آفاق”: لا معنى خارج اللقاء بين أفق الماضي وأفق الحاضر. بل إنّ الرواية تلمس عتبة “موت المؤلف” عند رولان بارت، حين تجعل النصّ كائناً حيّاً “يتغيّر كحال قارئه” مستقلاً عن قصد كاتبه؛ وتلامس متخيّل بورخيس عن الكتاب الذي لا يُقرأ مرّتين على النحو نفسه. وهكذا يُحوّل النصُّ تواضعَه الظاهر (“اقرأ وستعرف”) إلى أطروحةٍ معرفية: الحقيقة فعلٌ تأويليٌّ مستمرّ، لا وثيقةٌ مغلقة، وهو ما يتناغم تماماً مع موقفه من التاريخ في المحور الأول.
13- غرائز الصراع الثلاث: قراءة هوبزية
في مشهد مواجهة الفرسان الخوارزميين، يُحلّل البرزخ سلوك القائد عبر ثلاث غرائز تقوده إلى حتفه: “الجشع.. الغريزة الأمّ”، ثمّ “الخوف.. غريزة البشر الأقوى”، ثمّ “الغرور.. ثالث الغرائز البشرية الشرّيرة وأكثرها خسّة”. هذه الثلاثية تكاد تطابق حرفياً تشخيص توماس هوبز لأسباب النزاع في حالة الطبيعة.
ففي “اللوياثان” (1651)، يحدّد هوبز “ثلاثة أسبابٍ رئيسية للنزاع في طبيعة الإنسان”: التنافس (competition) الذي يدفع للعدوان طلباً للمكسب، وانعدام الثقة/الخوف (diffidence) طلباً للأمان، والمجد (glory) طلباً للسمعة. والتطابق بين “الجشع/الخوف/الغرور” في الرواية و”التنافس/الخوف/المجد” عند هوبز لافتٌ إلى حدّ الدهشة، ويمنح المشهد عمقاً أنثروبولوجياً: المعركة ليست بين أفراد بل بين انفعالاتٍ كونية تحكم النفس البشرية. ويمكن إغناء القراءة بمنظور ابن خلدون في “المقدمة”، حيث “العصبية” وطلب “المُلك” محرّكان للاجتماع البشري وصعود الدول وأفولها؛ فكما يرى ابن خلدون أنّ البطر والترف يُسقطان الدول، ترى الرواية أنّ “الكِبَر خطيئة” السلاطين الكبرى التي تُسقطهم (ملكشاه، نظام الملك، قاراسيكا).
14- أخلاقيات الحرب ومعاملة الأسير: نظرية الحرب العادلة
تُقابِل الرواية بين منظومتين أخلاقيتين للحرب. منظومة أموخت محكومةٌ بـ”عهد الأساسيّين”: “لا نقتل إن كان هناك بديل.. يُطبَّب الجريح، يُكرَم الأسير.. لا يُرفع السيف على عاجزٍ أو كسير.. لا تُحرق شجرةٌ أو بيتٌ أو دابّة إلا في أحلك قضاء”؛ ومنحُ المغتال “ثلاثين يوماً” ليتوب. وفي المقابل منظومة كازلمرق: نبشُ القبور وقذفُ الأسرى أحياءً بالمنجنيق. وحين يُكسر العدوّ الأعراف، يحكم الشيخ: “لا حقّ لهم عندنا، لا ديّة”.
هذا تجسيدٌ سرديٌّ لتقليد “الحرب العادلة” (bellum justum). فمن القديس توما الأكويني في “الخلاصة اللاهوتية” (jus ad bellum: السلطة الشرعية، السبب العادل، النيّة القويمة)، إلى هوغو غروتيوس في “في قانون الحرب والسلم” (1625) الذي أسّس القانون الدولي على التمييز والتناسب، إلى مايكل ولزر في “حروبٌ عادلة وأخرى ظالمة” (1977) الذي يميّز بين “عدالة الحرب” و”العدالة في الحرب” (jus in bello)، أي وجوب حماية غير المقاتلين ومعاملة الأسرى بكرامة. وعهدُ أموخت يكاد يكون صياغةً أدبية لهذه المبادئ قبل قرون. ويجذّرها النصّ أيضاً في التراث الإسلامي للسِّيَر (وصايا تجنّب قتل النساء والأطفال وقطع الشجر)، فيقدّم “أخلاقيات حربٍ” مزدوجة المرجع. وتبقى براعة الرواية في أنّها تجعل التزام الأخلاق نفسه سلاحاً للشرعية: الفارق بين أموخت وأعدائها ليس في القوة بل في الضمير.
15- العدالة والتمرّد والاغتيال السياسي: “المتمرّد” عند كامو
تبلغ الرواية ذروتها الفكرية في خطاب “الشوكة في عين النمر”. يقول الصبّاح: “في كلّ عصرٍ يتصدّى قومٌ لهذا العمل.. نحن نحمل راية الميزان والتوازن الإلهية.. أينما حلّ الظلم حللنا”. ويربط الاغتيال بـ”ردّ الصاع” في مواجهة سلطةٍ “لا تعرف بمعاناة الأضعف”. لكنّه في الوقت ذاته يُثقل الفعل بالضمير: “كلّ روحٍ نُزهقها أشعر بها تعلق في رقبتي.. الدم ثقيل”.
هذا التوتّر بين ضرورة التمرّد وثقل الدم هو بالضبط موضوع ألبير كامو في “الإنسان المتمرّد” (1951) وفي مسرحيته “العادلون” (1949). فكامو يرفض العدمية الثورية التي تبيح كلّ شيء، ويصوغ أخلاقية “القتلة الرقيقين” (les meurtriers délicats): الثائر الذي يقتل الطاغية مستعدٌّ أن يدفع حياته ثمناً، لأنّه يقتل “مرّةً واحدة” ولا يستهين بقداسة الحياة، وهو ما يردّده عهد أموخت حرفياً (“الروح عزيزةٌ، لا نأخذها إلا اضطراراً”). وفكرة “الميزان” تتقاطع مع تقليد “قتل الطاغية” (tyrannicide) الممتدّ من شيشرون والأكويني إلى عصر النهضة. غير أنّ القراءة النقدية تستدعي الطرف المقابل: فرانتز فانون في “معذّبو الأرض” (1961) يرى في العنف المضاد فعلاً “مُطهِّراً” للمقهور، وهنا تكمن خطورة منطق الرواية: فحين يصبح العنف “رسالةً مقدّسة” و”توازناً إلهياً”، يقترب من تبرير ذاتيٍّ مفتوح. وسنُفرد للخاتمة مساءلة هذا الحدّ.
16- الطبقية: قياس المال مقابل قياس الجدارة
في نقاش زواج العلاء (القافز الفقير) من سلمى (ابنة الأشرف النبيل الثريّ)، يطرح البرزخ نظريةً في التصنيف الاجتماعي: ثمّة “قياسٌ بسيطٌ مباشر” يربط الطبقة بـ”المال والجاه والثروة والأصل” لأنّه لا يحتاج جهداً، وثمّة “قياسٌ آخر”، التديّن والمقدرة العقلية والوعي، “يحتاج أدوات قياسٍ لا يمتلكها العامة”. ويضرب مثلاً بنظام الملك وتاج الملك اللذين حكما رغم تواضع أصلهما، لأنّ السلطان احتاج “قياس الجدارة” لإدارة الداخل.
هذا التمييز يستحضر النقاش السوسيولوجي الكلاسيكي حول الطبقة. فماركس وإنغلز في “البيان الشيوعي” (1848) يردّان التراتب إلى الموقع من علاقات الإنتاج (الأصل/الثروة)، بينما يُعقّد ماكس ڤيبر الصورة في “الاقتصاد والمجتمع” بتمييزه ثلاثة أبعاد: “الطبقة” (الاقتصادي) و”المكانة/الستاتوس” (التقدير الاجتماعي) و”الحزب” (القوة). أمّا الأقرب فهو بيير بورديو في “التمايز” (La Distinction, 1979) ومفهومه “رأس المال الثقافي”: فثمّة رأس مالٍ رمزيٍّ (معرفة، ذوق، أهلية) يوازي رأس المال الاقتصادي ويُعاد عبره إنتاج التراتب، وهو بالضبط “قياس الجدارة” الذي يصفه البرزخ. وحلّ أموخت (تعويض الأشرف للعلاء مالياً ليصير “كفؤاً”) يكشف بدوره كيف يحاول رأس المال الرمزي والاقتصادي التحوّل أحدهما إلى الآخر، وهي عمليةٌ مركزية في تحليل بورديو.
17- “المعرفة على قدر الحاجة”: سوسيولوجيا السرّية والتنظيم الخلوي
يتكرّر في النصّ قانونٌ تأسيسي: “المعرفة على قدر الحاجة، لا أكثر ولا أقل”، يتجسّد في “نظام الأبواب السبعة” الذي لا يعرف فيه الحارس “أكثر من المكان الذي وصله”، وفي “الواحات” (شبكة الرعاة-العيون)، و”كتيّب الأسئلة” لجمع التفاصيل. السرّية هنا بنيةٌ تنظيمية لا مجرّد كتمان.
هذا حقلٌ أسّسه جورج زيمل في دراسته الرائدة “سوسيولوجيا السرّ والجمعيات السرّية” (1906): السرّ “أعظم منجزات البشرية”، فهو يُنتج “عالماً ثانياً” موازياً، ويُعيد توزيع القوة داخل الجماعة، ويمنح الجمعيةَ السرّية تماسكها عبر التراتب والطقوس وحجب المعلومة المتدرّج. وما تصفه الرواية، التقسيم الخلوي، ومبدأ “الحاجة إلى المعرفة” (need-to-know)، هو حرفياً مبدأ التنظيمات السرّية والاستخبارية الحديثة. ويتقاطع هذا مرّةً أخرى مع ثنائية “المعرفة/السلطة” الفوكوية: من يملك المعلومة الكاملة (الشيخ وحده يعرف كلّ الطرق) يملك السلطة الكاملة؛ فالهندسة المعمارية للسرّية هي ذاتها هندسةٌ للهيمنة الداخلية.
18- حرفةً الكتابة، ونقد التكلّس الثقافي، والاستلاب
تحمل مقدمة الرواية مانيفستو ثقافياً صريحاً: رفضُ نظرية “الكاتب والعرزال” (الانعزال للإبداع) بوصفها “ترفاً”، وإدانةُ “الكسل المركّب”، والإصرار على أن يكون الكاتب “ابن عصره” يعرف ألعاب الفيديو وكرة القدم لأنّه “نافذة القارئ على عوالم يجهلها”. ثمّ تُختم الرواية بخاتمةٍ معاصرة في الضاحية الجنوبية ودمشق، يتأمّل فيها الحفيد دخول التكنولوجيا حياتنا، وينتهي بمفهوم “الاستلاب” حين يُشبَّه اسمه “ألق” بالممثل الأمريكي.
الشقّ الأول يُقرأ عبر بيير بورديو في “قواعد الفنّ” و”حقل الإنتاج الثقافي”: الأدب حقلٌ صراعيٌّ له رأسماله الرمزي وقواعده، والكاتب فاعلٌ في علاقةٍ مع جمهوره وعصره لا منعزلٌ عنهما؛ ويتقاطع مع “المؤلف منتِجاً” لڤالتر بنيامين (1934) الذي يطالب الكاتب بالانخراط في وسائل عصره الإنتاجية. ونقدُ الرواية لركود الأدب العربي يصدى نقدَ مدرسة فرانكفورت (أدورنو وهوركهايمر) لـ”صناعة الثقافة” في “جدل التنوير” (1947)، وإن من زاويةٍ معاكسة: لا تتّهم الرواية الجمهورَ بالسطحية، بل تتّهم النخبةَ بالانفصال عن عصرها. أمّا الشقّ الثاني، “الاستلاب”، فيعيدنا إلى ماركس الشاب في “مخطوطات 1844 الاقتصادية والفلسفية”: الاغتراب (Entfremdung) بوصفه انفصال الإنسان عن ذاته ونتاجه وعالمه. والرواية تنقله من حقل العمل إلى حقل الهوية الثقافية: أن يُقاس العربيُّ بمرجعٍ غربيٍّ غريب عنه (“ألق.. مثل ألك بالدوين”) هو الاستلاب في صورته الرمزية ، وبهذا تُغلق الرواية دائرتها: بدأت بمقاومة سلطة السرد الأجنبي عن “الحشّاشين”، وتنتهي بتشخيص استمرار الاستلاب في الحاضر.
19- الزمن والانضباط والجسد
يبتكر أهل أموخت نظام “الزهرات” لتقسيم اليوم (عملٌ، نومٌ، مجالسة، “زهرة النفس”)، ويُقنِّنونه تشريعاً مكتوباً “كي نُعلّم القادمين، وإلا كيف سيُحاسَبون على ما لا يعملون؟”. والزمن عندهم “قوةٌ طبيعية لا تراعي أحداً”، ويُدرّبون على “نوم العين الواحدة” فوق الخيل اقتداءً بالمغول والإسكندر. الجهد في موضعه أعلى الفضائل، و”الكسل المركّب” أشدّ الجرائم.
هذا تجسيدٌ دقيق لما حلّله إ. ب. تومسون في مقالته الكلاسيكية “الزمن وانضباط العمل والرأسمالية الصناعية” (1967): كيف يتحوّل الزمن من إيقاعٍ طبيعيٍّ (time) إلى موردٍ مُقاسٍ مُنضبط (timing) يُعاد عبره تشكيل الأجساد والعادات وصولاً إلى استبطان الانضباط. وأعمق منه قراءةُ ميشيل فوكو في “المراقبة والمعاقبة” (1975): “السلطة التأديبية” تُنتج “أجساداً طيّعة” (corps dociles) عبر توزيع الزمن والمكان والتمرين المتواصل، تماماً كما تُنتج ثكنةُ أموخت مقاتليها. ويقدّم النصّ نسخةً “ما قبل صناعية” من هذا الانضباط، مؤسِّساً إيّاه على الصلاة ومواقيتها أوّلاً، ثمّ على “الساعة المائية والرملية”، أي مزجٌ بين الزمن المقدّس والزمن الميكانيكي.
*كاتبان فلسطينيان
وسوم :
صمود