19 حدثاً اختلطت فيهما السياسة بكرة القدم وبكأس العالم

التصنيفات : |
يوليو 2, 2026 3:19 م

*تهاني نصّار وعبد الرحمن جاسم

كنيت برياضة الشعوب، ولطالما مثلّت روح الناس في الشارع، إنها المستديرة، معشوقة الجماهير. الرياضة التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من ثقافات الشعوب فعلياً. عرف الناس البرازيل من خلال منتخباتها الماهرة في اللعبة، عرف المنتخب الألماني على أنه منتخب مقاتلٌ حتى آخر لحظة، ومنتخب الأرجنتين على أنه منتخب دييغو مارادونا، وهكذا. بعضُ هذه الدول لم تكن يوماً ستعرف وتشتهر (كالأرجنتين والبرازيل مثالاً) لولا وجود تلك اللعبة الجميلة المدهشة والساحرة في آنٍ معاً، ولا ريب أن قراءة ممتعة لكتاب “كرة القدم في الظل” للجميل إدواردو جاليانو يشرح أكثر عن جماليات هذه اللعبة ودهشتها. على الجانب الآخر، ولأن هذه اللعبة هي “لعبة جماهيرٍ” كما أشرنا، جاء من الطبيعي أن تستخدم لإيصال رسائل سياسية أو قول مواقف علنية كهدف دييغو مارادونا أمام منتخب إنكلترا والذي سمي بهدف “يد الله” كما أشار اللاعب بنفسه بعد المباراة. كذلك استغلت الكرة ومبارياتها من قبل أنظمة ديكتاتورية أو احتلالية للقيام بأفعالٍ مشينة كاجتياحي العام 1978 و1982 الصيهونيين للبنان وكلاهما مرتبطان بكأس العالم، أو قيام نظام أوغست بينوشيه في تشيلي بإجراء مباريات رسمية على أرض الأستاد الوطني في سانتياغو عاصمة تشيلي والذي استخدم سابقاً “كسجون لتعذيب المعارضين وقتلهم”. من هذه النقطة -ولأننا حالياً في قلب مباريات كأس العالم بدورته الحالية- اخترنا نون وأنا الكتابة حول 19 موقفاً سياسياً حدثت من خلال مباريات كرة القدم سواء في كأس العالم أو خارجه.

1- كيان الاحتلال العدو واستغلال كأس العالم لممارسة انتهاكاته

أحد أكبر المستفيدين من الضجة التي يحدثها كأس العالم هو كيان الاحتلال، وهذا ليس استنتاجاً نظرياً بل نمط متكرر يمكن رصده في أكثر من محطة. ففي الأعوام 1978 و1982 و2006 و2026 مارس اجتياحاته وعدوانه بينما كانت كاميرات العالم مشغولة بالملاعب لا بالمجازر. في صيف 1978 كانت الأرجنتين تحتضن نهائيات كأس العالم وسط احتفاء دولي واسع، وفي الوقت ذاته كانت قوات كيان الاحتلال تشنّ عمليات اجتياح جنوب لبنان تحت مسمى “عملية الليطاني”، التي أسفرت عن تهجير مئات الآلاف وتدمير قرى بأكملها. وفي 1982، وبينما كانت إسبانيا تستضيف المونديال وحشود المشجعين تملأ ملاعب برشلونة وإشبيلية، شنّ كيان الاحتلال غزوه الأشمل للبنان وصل حتى بيروت العاصمة، وخلّف آلاف الشهداء والجرحى، وانتهى بمجزرة صبرا وشاتيلا التي أبادت مخيمَي عائدين فلسطينيين. وفي 2006، وبينما كانت ألمانيا تحتضن احتفالات كأس العالم وتتصدر نشرات الأخبار الرياضية، كان كيان الاحتلال يشنّ حرباً مدمّرة على لبنان استمرت أربعة وثلاثين يوماً، راح ضحيتها أكثر من ألف شهيدٍ لبناني وأُهلكت بنى تحتية بكاملها.  هذا التزامن ليس مجرد مصادفة. غياب الاهتمام الإعلامي، مع هيمنة الإعلام الغربي الكلاسيكي الداعم للكيان والمطبّل له، مكّن كيان الاحتلال من تصوير نفسه “مدافعاً عن النفس” و”الجيش الأكثر أخلاقية”، خلافاً لما يرتكبه من إجرام ووحشية. فحين تكون كل شاشات العالم مسلّطة على الملاعب وتحليلات المباريات وأهداف الجولات، تنكمش المساحة المتاحة للأخبار الأخرى، وتصبح مجازر بأثرها في ذيل الخبر أو تختفي كلياً. هذه المعادلة الإعلامية لا تحتاج إلى تخطيط مسبق في كل مرة؛ يكفي أن تعرف متى يلهو العالم لتختار توقيت ضرباتك. ورغم كل مساوئ وسائل التواصل الاجتماعي وما تحمله من ضجيج وتضليل، فقد فتحت ثغرةً لا يستهان بها لإيصال الحقيقة في مواجهة هذه الآلة الإعلامية. الصورة التي تنشرها يد واحدة من داخل الحدث تقطع آلاف الكيلومترات في ثوانٍ، وتصل قبل أن تتسنى لأي محرر غربي فرصة تصفيتها وتأطيرها. هذا لا يعني أن المعركة الإعلامية انقلبت لصالح الحقيقة، لكنه يعني أن مساحة الصمت الكاملة التي كان كيان الاحتلال يعمل في ظلها باتت أضيق مما كانت. اللافت أن هذا المنطق اعترف به أكثر من منظّر سياسي وثقافي في كيان الاحتلال، ليس بصورة تلميحية بل صريحةً في محافل فكرية وأكاديمية، معتبرين أن استغلال مواسم الانشغال الجماهيري الكبرى “ضربة معلّم” في إدارة الرأي العام الدولي. والأشنع من الجريمة أحياناً هو الفخر بها.

2- دييغو مارادونا وهدف ‘يد الله’ وعقاب الإنكليز على جرائمهم

المكان المكسيك، العام 1986، نصف نهائي كأس العالم. المنتخب الإنكليزي في مواجهة الأرجنتين بقيادة دييغو أرماندو مارادونا، الفتى الذهبي للكرة الأرجنتينية، وواحد من أعظم من أنجبتهم اللعبة. يثبت دييغو أنه من طينة شعبية حقيقية، يشبه أهل بلاده، هو الذي وشم جسده لاحقاً بصورة تشي جيفارا. يرتقي دييغو بجسده المتوسط الطول في مواجهة الحارس الإنكليزي بيتر شيلتون الأطول قامة، يمدّ يده، يلمس الكرة، ويسجل الهدف الأول. ‘إنها يد الله التي عاقبت الإنكليز على جرائمهم في فولكلاند.’ ما حكاية جزر فولكلاند إذاً؟ جزر فولكلاند (تسميها الأرجنتين ‘إيسلاس مالفيناس’) أرخبيل في جنوب المحيط الأطلسي تحتله بريطانيا منذ 1833، والأرجنتين لم تتوقف عن المطالبة بها يوماً. تحت حكم مارغريت تاتشر التوسعي الاستعماري، أصرّت بريطانيا على البقاء فيها، فحاول الأرجنتينيون استعادتها في العام 1982، وسقط في تلك المعارك أكثر من 650 منهم أمام النيران البريطانية، تشير مصادر أرجنتينية أن جلّهم من الأطفال والنساء. اعتُبر هدف مارادونا يومها ‘انتقاماً’ للشعب الأرجنتيني. لكنه لم يكتفِ بذلك فعاد وسجّل ‘هدف القرن’ في الشوط ذاته حين تخطّى جميع لاعبي الدفاع الإنكليزي وأودع الكرة في المرمى، مسجّلاً إذلالاً علنياً لا يُنسى.

3- حرب الكرة — هندوراس × السلفادور 1969

عاشت هندوراس والسلفادور قبل عام 1969 احتقاناً اجتماعياً واقتصادياً متراكماً؛ هاجر مئات الآلاف من الفلاحين السلفادوريين إلى هندوراس بحثاً عن أرض للزراعة، فتصاعد التوتر مع المزارعين الهندوراسيين، وشهدت المخيمات الحدودية اشتباكات دموية. في هذا المناخ المتفجر جمعت تصفيات كأس العالم 1970 البلدين في ثلاث مباريات متتالية: فازت هندوراس في الأولى 1–0 في تيغوسيغالبا(في هندوراس)، ثم انتقم السلفادور وفاز 3–0 في سان سالفادور وسط أعمال عنف طالت المشجعين الهندوراسيين. أججت صحافة البلدين الأجواء القومية بتغطيات محرّضة، بينما تحوّلت مباريات الكرة إلى صراع وجودي في الوجدان الشعبي. في المباراة الفاصلة على أرض محايدة في المكسيك فاز السلفادور وتأهّل. بعد أسبوعين فقط، في 14 تموز 1969، شنّ الجيش السلفادوري غاراتٍ جوية على الأراضي الهندوراسية ثم اجتاز الحدود برّاً، مُشعلاً حرباً استمرت مئة ساعة أودت بحياة ما يقارب ثلاثة آلاف شخص. تدخّلت منظمة الدول الأمريكية لفرض وقف إطلاق النار، وظلّت حدود البلدين موضع نزاع إلى عام 1980. كرة القدم حين تتحوّل إلى وعاء للتعبئة القومية في بيئات متوترة لا تبقى مجرد لعبة، بل تغدو شرارةً تشعل حرائق حقيقية.

4- تشيلي × الاتحاد السوفيتي 1973 — المباراة التي لم تُلعب

في 11 أيلول 1973 أطاح الجنرال أوغوستو بينوشيه بالرئيس الاشتراكي سلفادور أليندي المنتخب شرعياً، والمؤيد شعبياً، والمعارض لأميركا، في انقلاب عسكري مدعوم أمريكياً وفق وثائق رُفعت عنها السرية لاحقاً. على الفور، تحوّل الملعب الوطني في سانتياغو إلى معسكر اعتقال ضخم احتُجز فيه ما يزيد على أربعين ألف معارض، وخضع كثيرون منهم للتعذيب، وأُعدم معظمهم لاحقاً داخل أروقة الملعب ذاته. بعد أسبوعين من هذه الفظائع، أصرّ الفيفا على إقامة مباراة تصفيات كأس العالم في ذلك الملعب بالذات، ذلك أن نظام الفيفا في ذلك الوقت اقتضى أن يلعب بطل المجموعة الأوروبية التاسعة(الإتحاد السوفياتي)، ضد بطل المجموعة الأميركية الجنوبية الثالثة (تشيلي) ذهاباً وإياباً -كلٌ على أرضه- لحسم مقعدٍ واحدٍ في المونديال. أعلن الاتحاد السوفيتي رفضه القاطع للعب على أرض تتحوّل من ملعب كرة قدم إلى مكان يُعدم فيه الناس، وطالب -على الأقل- بنقل المباراة إلى ملعب محايد. رفض الفيفا الطلب متجاهلاً وبشكل كلي الظروف المرعبة الخاصة بالملعب. في 21 تشرين الثاني نزل المنتخب التشيلي وحده إلى أرض الملعب، وأدار الكرة ببطء ثم أودعها في المرمى الخالي، فأعلن الفيفا تأهّل تشيلي رسمياً. انتقدت منظمات حقوق الإنسان الدولية هذا الموقف بشدة، وكشف عن نمط مقلق في حوكمة الفيفا: الصمت حين يكون الأمر مرتبطاً بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. لم تُعاقَب تشيلي، ولم يُحقق الفيفا في الأمر.

5- الأرجنتين × بيرو 6–0 عام 1978 —التلاعب السياسي بنتيجة مباراة

كان المنتخب الأرجنتيني يواجه معادلة صعبة في الدور الثاني من كأس العالم 1978: يفصله عن النهائي ضرورة الفوز على بيرو بأربعة أهداف على الأقل للتفوق على منتخب البرازيل في فوارق الأهداف للتأهل بحسب النظام آنذاك. كان بيرو منتخباً متوازناً لم يتلقَّ طوال رحلته في البطولة إلا ستة أهداف في خمس مباريات. قبيل الانطلاقة مباشرةً، دخل الجنرال فيديلا إلى غرفة تبديل الملابس البيروفية، وبحسب رواية لاحقة للسيناتور البيروفي فابيان سيسبيديس، كان معه هنري كيسنجر حاملاً رسالةً من الديكتاتور البيروفي فرانسيسكو موراليس بيرمودث. انتهت المباراة بنتيجة 6–0 فاجأت المراقبين الذين رأوا أن المنتخب البيروفي تخلّى عن مقاومته بصورة مثيرة للريبة وبدا مستسلماً للهجوم الأرجنتيني بقيادة ماريو كيمبس. تحدّثت تحقيقات صحفية لاحقة عن صفقة تضمّنت شحنات أسلحة وأموالاً أرجنتينية لبيرو في ذلك التوقيت، غير أن الدليل القاطع ظلّ غائباً. وصلت الأرجنتين إلى النهائي وفازت باللقب. تبقى هذه المباراة واحدةً من أكثر الحوادث إثارةً للجدل في تاريخ المونديال، وانقسم المؤرخون الرياضيون بين من يراها نتيجةً طبيعية ومن يؤمن بأنها كانت مدبَّرة سياسياً؛ لكن بدا جلياً أن المنتخب البيروفي لم يلعب كما ينبغي، وخصوصاً حارسه ذو الأصول الأرجنتينية رامون كيروغا.

6- كأسي العالم 1934 و1938 إيطاليا الفاشية — توظيف موسوليني للبطولة دعايةً سياسية

كانت إيطاليا في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي تقبع تحت الحكم الفاشي لبنيتو موسوليني الذي وصل إلى السلطة عام 1922 وحوّل البلاد إلى دولة شمولية تُقيّد الحريات وتُمجّد القومية المتطرفة. حين حصل الفيفا على عروض استضافة كأس العالم 1934 واختار إيطاليا رغم الاحتجاجات العديدة، رأى موسوليني في البطولة فرصةً لعرض ‘عظمة الفاشية’ أمام الرأي العام الدولي. أمر بتشييد ملاعب ضخمة وفق معمار إمبراطوري يستحضر أمجاد روما القديمة، وأقام جهاز دعاية يُصوّر البطولة باعتبارها إثباتاً لتفوق النموذج الفاشي. ألزم اللاعبين الإيطاليين بأداء التحية الفاشية قبل كل مباراة، وأحاط المنتخب بضغوط نفسية هائلة تحت شعار ‘الفوز أو الموت’، ووصف بعض اللاعبين لاحقاً شعورهم بأنهم جُندوا في معركة سياسية لا مسابقة رياضية. كانت قرارات الحكام مثار جدل صريح في أغلب الأحيان لصالح المنتخب المضيف، وهو ما وثّقه صحفيون أجانب حضروا المباريات. فازت إيطاليا باللقب في النهائي أمام تشيكوسلوفاكيا، وكرّرت الإنجاز في مونديال 1938 بفرنسا حيث دخل اللاعبون باللباس الأسود ورفعوا التحية الفاشية أمام الجمهور الفرنسي. وظّف موسوليني الانتصارَين توظيفاً دعائياً مكثفاً، وأصدرت صحفه الرسمية نشرات احتفالية تصف الألقاب برهاناً على تفوق الإنسان الفاشي.

7- فضيحة خيخون 1982 — حين تآمرت قارةٌ لإقصاء بطولة أفريقيا

جاء مونديال 1982 في إسبانيا بمفاجأة تاريخية مدوّية حين أسقط منتخب الجزائر القوي والشجاع بقيادة رابح ماجر والأخضر بلومي، صالح عصاد،  ومصطفى دحلب، ألمانيا الغربية بنجومها كارل هاينز رومينغه، توني شوماخر، بيير ليتبارسكي، وفيليكس ماغات، بطلَ أوروبا وبطل العالم السابق بهدفَين مقابل هدف في مباراتهما الأولى. لكن نظام البطولة جعل الجزائر رهينةً لنتائج آخر مباريات المجموعة. كانت ألمانيا والنمسا تعلمان تماماً أن فوز ألمانيا بهدف واحد يُؤهّل الطرفين ويُقصي الجزائر. في ملعب إل موليون انطلقت المباراة كما لو أن الجانبين يؤدّيان مسرحيةً متفقاً عليها: سجّل هورست هروبيش في الدقيقة العاشرة، ثم توقّف الهجوم تماماً من الجانبين وأُجريت تمريرات وهمية في منتصف الملعب دون أدنى محاولة لتغيير النتيجة. أحرق المشجعون الجزائريون تذاكرهم احتجاجاً ورفعوا لافتات تصف الأمر بالعار. خسرت الجزائر مقعدها رغم أنها أنهت مجموعتها بأداء أفضل بكثير من فريقَي تلك المباراة. قدّمت احتجاجاً رسمياً للفيفا لم يُسفر عن شيء. الأثر الإيجابي الوحيد للحادثة كان قرار الفيفا إقامة مباريات الدور الجماعي الأخير في توقيت متزامن اعتباراً من كأس العالم في المكسيك في العام 1986، وهو إجراء لا يزال مدوّناً في اللوائح حتى اليوم، وعليه يُضاف اسم الجزائر في هامشه.

8- إيقاف جنوب أفريقيا بسبب نظام الفصل العنصري — أطول إقصاء سياسي في تاريخ الفيفا

منذ وصول حزب الوطنيين العنصري الأبيض إلى السلطة في جنوب أفريقيا عام 1948، أرسى نظام الفصل العنصري ‘الأبارتهايد’ قوانين تحظر على المجتمعات المختلفة الأعراق الاندماج في الرياضة والتعليم والمجال العام. كان لكرة القدم في جنوب أفريقيا اتحادان منفصلان: أحدهما للبيض وآخر للسود. حين انضمت جنوب أفريقيا إلى الفيفا، طالبها بتشكيل اتحاد واحد وبناء منتخب متعدد الأعراق، فرفضت. علّق الفيفا عضويتها عام 1961، ثم رفعها مثيراً موجة غضب أفريقية، ثم أعادها تحت الضغط، وفي المؤتمر الاستثنائي عام 1976 طردها نهائياً. غابت جنوب أفريقيا عن خمسة مونديالات (1966–1990)، وظلّت محرومةً من جميع المسابقات الدولية حتى رُفع الحظر عام 1992 إثر الإصلاحات التي أعلنها الرئيس دي كليرك وأُطلق سراح الزعيم الأفريقي المقاوم نيلسون مانديلا. شاركت جنوب أفريقيا في كأس العالم 1998 في لحظة مشحونة بالرمزية. لكن التتويج الحقيقي جاء عام 2010 حين استضافت جنوب أفريقيا المونديال لتصبح أول دولة أفريقية تفعل ذلك، في دائرة استُكملت بعد نصف قرن من المقاومة الرياضية-السياسية.

9- المجر 1954 — شرارة ثورة في قدم كروية

في مطلع الخمسينيات كانت المجر تحت الحكم الشيوعي المدعوم سوفيتياً، وكان المنتخب المجري المعروف بـ’المجريين السحريين’ أو ‘المجر الذهبية’ مع نجوم مثل فيرنتس بوشكاش ساندرو كوتشيش، وناندور هيديكوتي، يُمثّل الإنجاز الأبرز الذي يُبرزه النظام المجري القمعي أمام الرأي العام: 32 مباراة دون هزيمة، وكانوا قد سحقوا إنجلترا في لندن 6–3 عام 1953. وصل المنتخب إلى نهائي كأس العالم 1954 في سويسرا بعد هزم ألمانيا الغربية 8–3 في المجموعات. تقدّمت المجر بهدفين في النهائي ثم انقلبت النتيجة وفاز الألمان 3–2. كانت الصدمة زلزالية: ليس لأن هذا مجرد لقب رياضي ضائع، بل لأن السلطات الشيوعية قدّمت المنتخب برهاناً على تفوق النظام الاشتراكي، فكانت الهزيمة هزيمةً للنظام بالوكالة. خرج المجريون في مظاهرات نادرة في عدة مدن، وهو أمر بالغ الخطورة في دولة شمولية. يرى المؤرخون أن الصدمة الجماعية من الهزيمة كانت من العوامل التي أذكت الاستياء الشعبي من النظام، والذي انفجر ثورةً في تشرين الأول 1956 سحقتها الدبابات السوفيتية بعد أيام. تتشابك هنا كرة القدم ولحظة تاريخية دامية بصورة توضح كيف يمكن للرياضة أن تكون مرآةً حقيقية للاستقرار السياسي أو خطره.

10- إيقاف يوغوسلافيا من تصفيات 1994 — دولة تختفي من خريطة كأس العالم

في حزيران 1991 أعلنت سلوفينيا وكرواتيا الاستقلال عن يوغوسلافيا الاتحادية، فانطلقت حرب البلقان، واحدةً من أكثر الصراعات دمويةً في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. فرض مجلس الأمن الدولي بموجب القرار 757 عقوباتٍ شاملةً على جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية (صربيا والجبل الأسود)، وسارع الفيفا واليويفا إلى تطبيقها باستبعاد المنتخب من جميع المسابقات بحلول تشرين الأول 1992. كان المنتخب اليوغوسلافي يحتل مكانةً محترمةً في تصفيات كأس العالم 1994 ويُرجَّح تأهّله. خلا مقعده للدنمارك التي كانت قد خرجت من تصفيات يورو 1992 بهدوء، ثم دُعيت بديلاً وفازت بالبطولة الأوروبية في مشهد لا يُصدَّق. لكن الثمن الحقيقي دفعه جيل استثنائي من اللاعبين اليوغوسلافيين أمثال ديجان سافيسافيتش ودراغان ستويكوفيتش وداركو بانتشيف وسينسيا ميهايلوفيتش الذين وجدوا أنفسهم في عمر الذروة ضحايا لصراعاتٍ سياسية صراع لا ناقةً لهم فيه ولا جمل. حين رُفعت العقوبات عام 1994 كان القطار قد فات. غدا هذا الإيقاف المثال الأكثر وضوحاً على كيف يمكن للكرة أن تُعاقب شعباً بأكمله على خيارات حكامه.

11- كوريا الشمالية × كوريا الجنوبية 2019 — ملعب بلا جمهور وبلا إعلام

في تشرين الأول 2019 التقى منتخبا الكوريتان في بيونغ يانغ العاصمة الكورية الشمالية في إطار تصفيات كأس العالم 2022، لأول مرة منذ عقود في مباراة رسمية. كانت الأجواء السياسية مثقلةً: ركدت مفاوضات الملف النووي، وقطعت كوريا الشمالية معظم خطوط التواصل مع الجنوب وألغت برامج تبادل اقتصادية مشتركة. رفضت كوريا الشمالية السماح لأي مشجع جنوبي بدخول أراضيها، ومنعت وسائل الإعلام الجنوبية من تغطية المباراة، وحتى شبكات الفضائيات العالمية لم تحظَ بحقوق البث. أُقيمت المباراة في ملعب ‘أول مايو’ الضخم القادر على استيعاب مئة وأربعة عشر ألف متفرج، لكنه كان فارغاً تماماً. انتهت 0–0 ولم يُعلَن رسمياً في الجنوب كيف كانت أجواؤها حتى أدلى الرياضيون بشهاداتهم لاحقاً. طالبت كوريا الجنوبية الفيفا بمعاقبة الشمال على منع الجمهور والإعلام، لكن ذلك لم يحصل. بدت المباراة فعلياً نموذجاً مقلوباً مستبعداً عن كرة القدم: أكبر ملعب كرة قدم في العالم فارغاً، كما لو أن المباراة سرٌّ دولي حسّاس لا حدثٌ رياضي.

12- روسيا تُحظر من مونديالَي 2022 و2026 بسبب حرب أوكرانيا

في 24 شباط 2022 أطلقت روسيا ما وصفته بـ’العملية العسكرية الخاصة’ في أوكرانيا في أكبر حرب برية تشهدها أوروبا منذ 1945. في غضون 96 ساعة من بدء الغزو، وبسرعة بالغة غير معتادة، أصدر الفيفا واليويفا بياناً مشتركاً يُعلنان تعليق مشاركة جميع الفِرق والأندية الروسية ‘حتى إشعار آخر’. كانت روسيا على أعتاب مباراة ملحق التصفيات أمام بولندا، فرفضت بولندا الاعتراف بأي مباراة ضدها وسط أزمة لاجئين تتدفق عبر حدودها. ردّت روسيا بست طعون أمام محكمة التحكيم الرياضية خسرتها كلها. استمر الحظر ليشمل كأس العالم 2026 رغم محاولات إعادة روسيا في مراحل التصفيات. يُقارَن هذا الحظر بما جرى مع جنوب أفريقيا وتشيلي ويوغوسلافيا، لكنه استثنائي من حيث سرعته وشموليته. وفتح الحظر نقاشاً حول ما إذا كان معاقبة اللاعبين الذين لم يختاروا حروب حكوماتهم أمراً عادلاً، وهو سؤال لم يتم الإجابة عنه حتى اللحظة، لكن يؤكد أن البعد السياسي هو أهم من كرة القدم في معظم الأحيان.

13- تايوان و’تايبيه الصينية‘ — معركة الاسم في كأس العالم

تُشكّل قضية تسمية تايوان في المحافل الدولية واحدةً من أكثر المسائل السياسية الشائكة في العلاقات الدولية المعاصرة؛ تعتبر الصين تايوان جزءاً من أراضيها وتُمارس ضغطاً ممنهجاً لحرمانها من أي اعتراف دولي باسمها الرسمي ‘جمهورية الصين’. في تصفيات كأس العالم 2022 ونظام التسجيل الخاص بتأشيرات قطر، جرى تغيير الاسم المقابل لتايوان إلى ‘تايوان، مقاطعة الصين’، وهو صياغة ترفضها تايبيه جملةً وتفصيلاً. احتجّت وزارة الخارجية التايوانية وأعلنت رفضها للخضوع لصياغة تنتهك السيادة التايوانية. تدخّل منظّمو قطر وغيّروا الاسم مجدداً إلى ‘تايوان’ فحسب. تُوضح هذه الحادثة كيف باتت الاستضافة الكروية الكبرى ميداناً لمعارك الاعتراف السيادي، وأن ورقة التسجيل أحياناً تحمل وزناً سياسياً يعادل وزن القرارات الدبلوماسية. لا تزال تايوان أسيرة ‘تايبيه الصيني’ في الفيفا تحت الضغط الصيني المستمر.

14- الدعوات لإيقاف كيان الإحتلال من الفيفا — 2024

في أعقاب الحرب التي شنّتها قوات الاحتلال الصهيوني المجرم على قطاع غزة منذ تشرين الأول 2023، والتي أسفرت عن سقوط أعداد ضخمة من الشهداء والجرحى وأكثريتهم من الأطفال والنساء فضلاً عن تدمير واسع للبنية التحتية الفلسطينية المدنية، رفع الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم طلباً إلى الفيفا بتعليق عضوية الاتحاد الصهيوني استناداً إلى حجّتين: أولاهما أنه يضمّ أندية تعمل في الأراضي المحتلة انتهاكاً لأنظمة الفيفا التي تحظر الكيانات الرياضية في أراضٍ محتلة، وثانيهما أن الوضع في غزة يمنع الحياة الكروية الطبيعية مما يُلزم الفيفا بالتحرك. في مؤتمر بانكوك أيار 2024 أجّل الفيفا القرار إلى دراسة قانونية مستقلة. أثار القرار موجةً من النقد تتمحور حول ازدواجية المعايير، مع المقارنة بما فعله الفيفا مع روسيا في أقل من 72 ساعة عقب غزو أوكرانيا، في مقابل لجان دراسة ولقاءات واجتماعات وبالتالي تأجيلات متعددة ومتعمدة في الحالة الصهيونية. لم يصدر قرار إيقاف لكيان المجرمين حتى كتابة هذه السطور، ويستمر كيان الاحتلال في المشاركة في التصفيات تحت مظلة اليويفا. يظهر هذا الأمر الإنحياز الغربي الواضح -وليس الفيفا فحسب- لكيان الاحتلال على حساب عذابات شعوبنا وآلامها.

15- إيران على الأرض الأمريكية — مونديال 2026 والتوتر النووي

مشاركة إيران في كأس العالم 2026 على الأراضي الأمريكية حدث استثنائي بامتياز؛ لم يجمع البلدين ملعبٌ على أرض أحدهما منذ عام 1998 في مباراة فرنسا الشهيرة، والمناخ السياسي بينهما في 2026 أشد احتقاناً: مفاوضات نووية متعثرة، وعقوبات أمريكية مشددة، وحربٌ عدوانية مفتوحة شنّتها الولايات المتحدة على الجمهورية الإسلامية بدون أي منطقٍ أو سبب انتهت بإعلان إتفاقية لا تزال بنودها تتضح شيئاً فشيئاً حتى كتابة هذه السطور. أعلنت الولايات المتحدة أن أفراد البعثة الإيرانية لن يُسمح لهم بالإقامة أكثر من 24 ساعة قبل كل مباراة وعليهم المغادرة فوراً بعدها. اضطر المنتخب الإيراني لنقل معسكر تدريبه إلى تيخوانا في المكسيك المتاخمة للحدود الأمريكية. تقدّم الاتحاد الإيراني بشكوى رسمية للفيفا معتبراً أن هذه القيود تضرّ بالاستعداد الرياضي لمنتخبها (الذي بالمناسبة يبلي بلاءاً حسناً حتى اللحظة في كأس العالم الحالي)، فيما ردّت السلطات الأمريكية بأن الاشتراطات تمّ الاتفاق عليها مسبقاً. قاطع الاتحاد الإيراني قرعة المونديال في واشنطن احتجاجاً على رفض منح تأشيرات لأفراد وفده. دولتان تتفاوضان بصعوبة وتتجابهان ثقافياً، اجتماعياً، وعسكرياً، تستضيف إحداهما كأس العالم معتمدة على عنجهية وقوةٍ وتسلّط، فيما الثانية تمارس حقّها الطبيعي في الحياة رافعةً رأسها ورؤوس من تمثلهم من شعوب.

16- شغب ماكسيمير — بوبان والشرارة الأولى لانهيار يوغوسلافيا

في ربيع عام 1990 كانت يوغوسلافيا تقف على شفا انفجار: أجرت كرواتيا أول انتخابات تعددية وفاز فيها حزب الاتحاد الديمقراطي الكرواتي القومي بقيادة فرانيو توجمان بأغلبية ساحقة في نيسان. في هذه الأجواء، جمع ملعب ماكسيمير في زغرب مباراةً بين دينامو زغرب الكرواتي وريد ستار بلغراد الصربي في 13 أيار. أشعل مشجعو الطرفين معارك عنيفة في المدرجات، وانحاز عناصر الشرطة التي يهيمن عليها الصرب إلى جانب مشجعي ريد ستار بلغراد علناً. شاهد قائد دينامو زغرب زفونيمير بوبان أحد المشجعين الكرواتيين يُضرَب بهروة الشرطة فانقضّ عليه بركلة مباشرة. صوّرت الكاميرات المشهد ووزّعته وكالات الأنباء على العالم. غدا بوبان في ساعات بطلاً قومياً كرواتياً يُعبّر عن شيء أعمق من الانتماء الكروي. هذا الفعل أدى لإيقاف بوبان ستة أشهر مما جعله يفوّت كأس العالم 1990 في إيطاليا، لكن ذلك الثمن الشخصي رسّخ مكانته الأسطورية في الوجدان الكرواتي. بعد سنة وبضعة أشهر أعلنت كرواتيا وسلوفينيا الاستقلال وبدأت الحرب. يرى المؤرخون أن شغب ماكسيمير كان اللحظة الرمزية الأولى التي أذنت فيها يوغوسلافيا الموحّدة بنهايتها.

18- زيدان وماتيرازي 2006 — الهوية والعنصرية في قلب النهائي

في نهائي كأس العالم 2006 بين فرنسا وإيطاليا، دخل أحد أشهر نجوم فرنسا الكرويين زين الدين زيدان المباراة وهو يخوض آخر مسيرته الاحترافية. في الدقيقة 109 من الوقت الإضافي، تبادل زيدان والمدافع الإيطالي ماركو ماتيرازي بضع كلمات، فجأةً استدار زيدان وعاجل ماتيرازي بنطحة قوية في الصدر مما أسقطه على الأرض أمام الكاميرات مع بعض التمثيل الاستعراضي من اللاعب الايطالي. أُخرج زيدان بالبطاقة الحمراء، وتابع من خارج الملعب خسارة فرنسا في ركلات الترجيح. تضاربت الروايات حول طبيعة الإهانة: قال زيدان إنها كانت تطال أمه وأخته، بينما ادّعت جماعة مناهضة للعنصرية أن ماتيرازي وصفه بـ’الإرهابي’، وذلك لكون زيدان جزائري الأصل ومسلماً، مما جعل الأمر يحمل شبهةً عنصرية قوية. نفى ماتيرازي استخدام مصطلحات عنصرية وفاز بدعاوى قضائية ضد من ادّعى العكس على الرغم من أنَّ الموضوع لايزال يحمل نقاشاً كبيراً حول حقيقة ما قيل. أشعل الحادث نقاشاً كان أعمق من مجرد إهانة فردية: لقد فتح باب الحديث عن العنصرية في الملاعب الأوروبية، وعن أزمة الهوية لدى أبناء الجيل الثاني من المهاجرين الذين يُمثّلون أوطانهم الأوروبية بينما تُنكرها عليهم أصوات شعبوية في الداخل.

19- الولايات المتحدة تُزيل شعار الجمهورية الإسلامية من علم إيران — قطر 2022

قبل 48 ساعةً من مباراة الولايات المتحدة وإيران في كأس العالم 2022، نشر الاتحاد الأمريكي لكرة القدم على حسابه في تويتر جدولَ الترتيب في المجموعة الثانية، لكن العلم الإيراني في الصورة ظهر خالياً من شعار ‘الله أكبر’ الذي يتوسّط العلم الإيراني الأخضر-الأبيض-الأحمر. أعلن الاتحاد الأميركي أنه فعل ذلك قصداً ومتعمداً وذلك ‘تضامناً مع المرأة الإيرانية التي تُقاتل من أجل حقوق أساسية’، في إشارة إلى ما عرف وقتها تحت مسمّى احتجاجات مهسا أميني. انتفضت الحكومة الإيرانية وطالبت الفيفا بطرد الولايات المتحدة من البطولة بسبب ‘إهانة رمز وطني’ إذ إن علم الجمهورية الإسلامية يمثّل جميع أطياف الشعب الإيراني. اضطر الاتحاد الأمريكي للتراجع في غضون ساعات وأعاد نشر الصورة بالعلم الأصلي. أعلن المدرب غريغ برهالتر أن اللاعبين لم يعلموا بذلك. انتهت المباراة بفوز أمريكي 1–0 وخروج إيران من الدور الأول. ما أبقى الحادثة حيّةً في النقاش الإعلامي هو أنها كشفت كيف بات ملعب كرة القدم امتداداً لحرب الرموز والهوية التي تخوضها الحكومات على منصات التواصل الاجتماعي، حتى إن علم دولة في صورة جداول كروية بات يستدعي تحقيقاً دبلوماسياً.


وسوم :
, , , , ,