19 رؤية مختلفة حول مفهوم الانتصار

التصنيفات : |
يوليو 2, 2026 3:31 م

*تهاني نصّار وعبد الرحمن جاسم

ما هو الانتصار؟ كثيرةٌ هي الإجابات، لكن واحداً من أهم توصيفات النصر هو كلمات وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية هنري كيسنجر (1923–2023)، وأحد آباء الدبلوماسية الحالية حينما أشار إلى أنَّ “المقاومات تنتصر ببقائها على قيد الحياة، واستمراريتها”. ماذا لو أنَّ الأمر أبعد من ذلك؟ يعتقد كثيرون بالمباشر أنَّ الانتصار يعني أن “يخضع” عدوّك ولا تعود لديه أية قدرةٍ على الوقوف بوجهك، لكن ماذا لو أخبرناك بأنّ الانتصار ليس “نموذجاً” واحداً مهما أخبرتك وسائل الإعلام وقنوات التلفزة ومصادر الأخبار سواء الكلاسيكية أو تلك الحديثة من سوشيال ميديا وسواها؛ التي تعرفها وتراها يومياً. هناك أنواعٌ مختلفة للنصر: ينتصر المرء أحياناً ببقاءه كفكرة منتصرة مستمرة كفكرة “انتصار الدم على السيف” التي أرّختها “عاشوراء” مثلاً. ينتصر الأضعف والمهزوم في معركة “عسكرية” إذا ما انتصرت أفكاره وآراءه ووجهات نظره على المحتلين أيا كان نوعهم، تنتصر الفكرة والعقيدة والإيمان على عدوٍ يمتلك عدّةً وعتاداً وأسلحة أقوى وأشد فتكاً بكثير. لقد عشنا، وعرفنا، وشاهدنا هذا الأمر مراراً وتكراراً، من فيتنام، إلى غزّة، إلى جنوب لبنان، إلى خط بارليف، إلى ثورة المليون ونصف المليون شهيد في الجزائر، ومن عبدالقادر الحسيني إلى عبدالقادر الجزائري وعمر المختار، إلى عز الدين القسّام إلى سلمان الحلبي. كل هؤلاء انتصروا على الرغم من أنّهم استشهدوا أو هجّروا أو حتى محاكمتهم وإعدامهم. أن تنتصر يعني أن تستمر، أن تبقى، أن تقول كلمتك مهما كلّفك الأمر. يأتي النصرُ على أشكالٍ متعددة، اخترنا نون الروح وأنا أن نحكي عن 19 رؤية مختلفة حول مفهوم الانتصار. ارتأينا كذلك أن نشرح من أين أتت فكرتنا، وأن نثبّتها بالحدث والإثبات فمن نابليون إلى هتلر إلى الاحتلالات الأميركية المتعددة لفيتنام وأفغانستان والعراق، رغم القوّة الغاشمة، لم تحقق الولايات المتحدة أي انتصار في تلك الدول، لماذا؟ تعالوا معنا في هذه الرحلة حول الإنتصار.

1- الإنتصار بالبقاء: الجيش يخسر إن لم ينتصر والمقاومة تنتصر إن لم تُهزَم

    صاغ وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر في مقالته الشهيرة والتي نشرتها مجلة “فورين أفيرز” الأميركية (كانون الثاني في العام 1969)، حول مفاوضات فيتنام قاعدةً لا تزال تُقرأ في معظم الأكاديميات العسكرية: “يخسر الجيش النظامي إن لم ينتصر، فيما ينتصر المقاتل غير النظامي إن لم يُهزَم”. لم يقصد كيسنجر الإشادة بفعل المقاومة، بل وصف معضلة التناقض في “معايير النصر”. يحتاج الجيش النظامي إلى نتيجة موثّقة وخريطة متغيرة وعدو مستسلم ليقول للرأي العام إنّه ربح، في حين يكفي المقاتل غير النظامي -أي المقاوم- أن يظل قادراً على استمرارية الفعل والعمل حتى يُثبت أنّه لم يُهزم. جاءت حرب تموز 2006 في لبنان تطبيقاً حياً لهذه المعادلة؛ استمرت المعارك ثلاثة وثلاثين يوماً دمّر فيها الطيران الإسرائيلي أحياءً كاملةً وجسوراً وبنية تحتية، وحين جاء قرار الأمم المتحدة 1701 في آب 2006 ووُقّع وقف إطلاق النار، وجد جيش الاحتلال العدو نفسه أمام سؤال لا جواب سهل له: أين هو الانتصار الذي وعد به؟ أعلنت المقاومة ما حدث “نصراً إلهياً”. تكرّر المشهد في حرب العام 2024 إنما جاء هذه المرّة بصورة أكثر قسوةً وقتامة: فقدت المقاومة أمينها العام الشهيد السيد حسن نصر الله وعدداً كبيراً من قادتها في ضربات صادمة، لاحقاً تم الاتفاق على “وقف إطلاق نار” لم يلتزم به العدو، فيما التزمت به المقاومة لأكثر من خمسة عشر شهراً. لاحقاً وتحديداً في آذار 2026، عادت واشتعلت الجبهة من جديد، واستمرت لأشهرٍ طوال. رفض أمين عام الحزب الشيخ نعيم قاسم الاتفاق الذي رعته واشنطن ووصفه بـ”الاستسلام”، قائلاً إنّهم “لم يغادروا الميدان في أشد الظروف قسوةً ولن يغادروه”. يُعيد هذا السلوك إنتاجَ ما قرأه كيسنجر في فيتنام: ما دامت المقاومة حاضرةً وعلى قيد الحياة، فإنّ “الانتصار النظامي” يصطدم بسقف يصعب تجاوزه. شاطر الزعيم الصيني الشيوعي ماو تسي تونغ (1893–1976) كيسنجر هذا الفهم قبله بثلاثة عقود حين دعا في نظريته عن “حرب التآكل المطوّل” إلى إطالة الصراع حتى تثقل تكاليفه على الجانب الأقوى وتتآكل إرادته السياسية؛ البقاء ليس مجرد نتيجة عرضية في مثل هذه الحروب، بل هو الاستراتيجية الأساس برمّتها.

    2- الانتصار الحقيقي هو الذي لا تحتاج فيه إلى قتال

    كتب الوزير العسكري الصيني صن تزو (نحو 544–496 ق.م)، المؤرخ العسكري والوزير الصيني الأبرز في كتابه المدهش “فن الحرب” في القرن الخامس قبل الميلاد مقولةً لم تتقادم: “أعلى درجات الفن الحربي أن تكسر مقاومة العدو دون قتال”. لم يدع تزو إلى السلام البسيط والسهل، بل وصف “الإخفاق المسبق”؛ أي أن تأتي إلى معركةٍ دون تحضيرٍ مناسبٍ لها. لقد رأى الوزير الصيني أنّ اللجوء إلى السيف دليل على أنّ الدبلوماسية قد فشلت والاستخبارات -أي المعرفة المسبقة بالعدو- قصّرت. اشتُهرت الصين القديمة بقادة يمتلكون القدرة على إسقاط مدنٍ بحصار لا بهجوم، ويُحيطون جيوش الخصم حتى تستسلم دون إراقة دماء. قام مفهوم تزو على فكرة “الانتصار المسبق”، أي بناء القدرة والظروف التي تجعل مقاومتك مكلفةً جداً على الخصم فيحسب الحساب ويتوقف. طبّق هذا المبدأ قادةٌ مثل نابليون بونابرت الفرنسي، وماو تسي تونغ الصيني وسواهما، وظلّ حاضراً في التفكير الاستراتيجي حتى اليوم.

    3- استمرارية الانتصار: التعلّم من الهزائم

    انتصر الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت (1769–1821) بونابرت الامبراطور والقائد الفرنسي المعروف في معارك كبرى مثل أوسترليتز عام 1805، وفي ينا عام 1806، وفي واغرام عام 1809، وفي العشرات الأخرى التي تُدرَّس حتى اليوم في الأكاديميات العسكرية الكبرى. لقد فتح الفرنسي هذا قارةً بأسرها ووضع بصمته عليها. فجأة: جاءت معركة واترلو في الثامن عشر من حزيران 1815، فخسر كل شيء في يوم واحد ومات في منفاه بجزيرة سانت هيلينا. غير أنّ الأعمق في هذه القصة هو ما فعلته هزيمته بأوروبا: لقد علّمت تلك الهزيمة قارةً بأكملها كيف تتحد ضد “القوة الغاشمة”. وُلد بعدها “مؤتمر فيينا 1815” ونظام “توازن القوى” أبقى أوروبا بلا حروب كبرى قرناً كاملاً. كانت الهزيمة هي المعلم الحقيقي، لا الانتصار. أسكرت انتصاراتُ نابليونَ وخلقت لديه وهمَ “الحصانة”، فقادته إلى ثلوج روسيا وصقيعها عام 1812، الأمر الذي أوصله لاحقاً للمنفى في جزيرة إلبا ثم إلى هزيمة واترلو. رسّخ كل نصر القناعةَ لديه بأنّه لا يُهزم، وهي القناعة ذاتها التي قتلته. صمدت الأمم التي تعلّمت من هزائمها أطول بكثير من تلك التي اكتفت بالاحتفال بانتصاراتها.

    4- الانتصار استراتيجي والهزيمة تكتيكية: الانتصار الاستراتيجي قد يبدو كهزيمة تكتيكية

    ربح الجيش الأمريكي المحتل تقريباً كل معركة كبرى خاضها على الأرض الفيتنامية خلال حرب فيتنام (1955-1975). كان تفوقه الجوي مطلقاً وقوته النارية لا نظير لها. ومع ذلك خسر الحرب. لخّص “هجوم تيت” في كانون الثاني 1968 هذه المفارقة جيداً. شنّ الفيتناميون الشماليون/الفيتكونغ(الجيش الشعبي الفيتنامي) هجوماً مفاجئاً على أكثر من مئة مدينة وبلدة جنوبية في آنٍ واحد، فردّ الأمريكيون بضراوة وأوقعوا بالمهاجمين خسائر فادحة. لكنّ بثّ التلفزيون الأمريكي صوراً تظهر وقائع المعارك الحقيقية حطّم “الرواية الرسمية” القائلة بأنّ الحرب تُكسب. خسر الفيتناميون الشماليون عشرات الآلاف في ذلك الهجوم ومع ذلك انتصروا، لأنّ “الميزان الحقيقي” لم يكن عدد من سقطوا بل في إرادة الاستمرار والمقاومة والحياة. لقد تحمل الفيتناميون ثمناً لم يستطيع الأمريكيون تحمّله سياسياً في الداخل الأميركي. دخلت الدبابات الشمالية سايغون عام 1975، والجيش الذي لم يُهزَم في الميدان خرج من الحرب خاسراً مهزوماً.

    5- الانتصار الذي يعرّي ليس انتصاراً: الانتصار الذي يدمّر المنتصر هزيمة بتوقيت مختلف

    عبر القائد القرطاجي حنبعل برقا (نحو 247–183 ق.م) جبال الألب راكباً على “فيلته” عام 218 ق.م وضرب روما ضربات متتالية في تيتشينوس وتريبيا وبحيرة ترازيمين، وبلغت الذروة في معركة كاناي جنوب إيطاليا عام 216 ق.م حيث قُتل ما بين خمسين وسبعين ألف روماني في يوم واحد وفق تقديرات المؤرخين ضمن ما عرف بالحروب البونيقية (264-146 قبل الميلاد). أبت روما الاستسلام، وأعادت بناء جيوشها، ودمّرت قرطاجة عام 146 ق.م تدميراً تاماً. كان الزعيم الروماني كاتو الأكبر (234–149 ق.م) الذي يختم كل خطبة بـ”قرطاجة يجب أن تُدمَّر” يرى في الوقت ذاته أنّ المنافسة مع قرطاجة هي ما يُبقي روما يقظة ومنضبطة. زال الخطر الخارجي بعد ذلك التدمير فانكشف “الخطر الداخلي”: انهمك الأثرياء الرومان في الترف وبدأ الانقسام الداخلي والانحدار البطيء للجمهورية. لم تحتج روما إلى حنبعل جديد لتنهار، احتاجت فقط إلى أن لا يكون ثمة حنبعل.

    6-  الانتصار بالإرهاق: استنزاف الخصم ثم سحقه

    عيّن مجلس الشيوخ الروماني القائد الروماني فابيوس ماكسيموس (نحو 280–203 ق.م) حاكماً مطلقاً بعد كارثة كاناي (روما 216 قبل الميلاد)، وكان قراره: لا معركة مباشرة مع حنبعل. قطع فابيوس خطوط الإمداد وهاجم المؤخرة وأنهك الجيش القرطاجي الذي يقاتل بعيداً عن وطنه بلا خطٍ حقيقي للإمداد. سخر منه الرومان وأسموه “المماطل”، لكنّه فهم شيئاً بسيطاً: يستطيع حنبعل ربح كل المعارك، لكنّه لا يستطيع ربح الحرب إذا ظلّ محاصراً في أرض أعدائه. طبّق الرئيس الأميركي جورج الرئيس الأمريكي جورج واشنطن (1732–1799) المبدأ ذاته في حرب الاستقلال الأمريكية: اختار إبقاء جيشه حياً بدلاً من سحقه في مواجهات فاصلة مع القوات النظامية البريطانية. تراجع وتحمّل وأنهك الإمدادات وانتظر، فجاءت معركة يوركتاون 1781 وانتهت الحرب. يقوم “الاستنزاف” على فهم أنّ القتال بشروط الخصم خسارة شبه مضمونة، وأنّ الصبر ليس استسلاماً بل استراتيجية تُنهك العدو حتى يتعثر.

    7-  التحضير للإنتصار: الانتصار يُبنى قبل المعركة بسنوات

    لم يفكّر المستشار الألماني أوتو فون بسمارك (1815–1898) حين فكّر في الحروب القادمة، بل فكّر في الدبلوماسية والسكك الحديدية وسرعة التعبئة. لقد عزل فرنسا دبلوماسياً في السنوات التي سبقت حرب 1870، وضمن حياد النمسا وروسيا، وبنى شبكة قطارات في شمال ألمانيا تنقل الجيوش بسرعة لم تعرفها أوروبا من قبل. وحين اندلعت الحرب في تموز 1870، كانت النتيجة محسومة على الورق قبل الميدان؛ حاصر البروسيون سيدان الفرنسية في أيلول وأسروا الإمبراطور نابليون الثالث نفسه. لاحقاً أُعلن بسمارك عن قيام الإمبراطورية الألمانية في الثامن عشر من كانون الثاني 1871 في قاعة المرايا بفرساي، ومن القصر الفرنسي ذاته، إذلالاً مقصوداً ومحسوباً. استغرق الانتصار العسكري أشهراً، لكنّ “الانتصار الحقيقي” استغرق عقداً من الرسائل الدبلوماسية والحسابات الاقتصادية؛ المعركة لم تكن سوى التوقيع على نتيجة كُتبت سنوات مسبقاً.

    8- شروط الإنتصار هي الإنتصار:  من يُعرّف الشروط يتحكم في النتيجة

    رأى الفيلسوف العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز (1780–1831) أحد أهم المنظرين العسكريين، أنّ الحرب امتداد للسياسة بوسائل أخرى، وأنّ “الغاية السياسية” يجب أن تكون واضحة قبل إطلاق الرصاصة الأولى وإلا فلا أحد يعرف متى تنتهي الحرب ولا كيف. أرسل الرئيس الأمريكي هاري ترومان (1884–1972) الجيش الأمريكي إلى كوريا عام 1950 لوقف الغزو الكوري الشمالي للجنوب، لكنّه لم يحدد بدقة ما يعني “الفوز”. وصل الجنرال الأمريكي دوغلاس ماك آرثر (1880–1964) إلى نهر الياللو على الحدود الصينية، فتدخلت الصين بما يزيد على مئة وثمانين ألف جندي في الموجة الأولى وتعقّد الموقف للغاية. انتهت الحرب الكورية آنذاك بهدنة عام 1953 التي أعادت الحدود إلى مكانها تقريباً؛ ثلاث سنوات من القتال وما يُقدَّر بأكثر من مليوني ضحية عسكرية ومدنية لم تغير الخريطة نهائياً. بدا من غياب “تعريف الانتصار” أنّ الحرب لا تنتهي بل تتوقف حين يتعب الجميع، وهذا التوقف لا يشبه الانتصار ولا الهزيمة. من يدخل الحرب دون أن يعرف كيف يخرج منها أو ماذا يريد أصلاً منها، سيجد نفسه يتفاوض على الخروج بدلاً من التفاوض على الشروط.

    9- انتصارٌ كامل لا يعني انتصاراً أحياناً: الانتصار الكامل قد يولّد أعداء أشد خطراً

    وقّعت ألمانيا المهزومة في الحرب العالمية الأولى  معاهدة فرساي في الثامن والعشرين من حزيران 1919 في قاعة المرايا، المكان ذاته الذي أُعلن فيه الإمبراطور الألماني عام 1871 إذلالاً للفرنسيين. حمّلت المعاهدة ألمانيا وحدها مسؤولية الحرب، وفرضت عليها تعويضات هائلة، وجرّدتها من مستعمراتها وأجزاء من أراضيها، وقلّصت جيشها إلى مئة ألف. كتب الاقتصادي البريطاني جون ماينارد كينز(1883–1946)، الذي حضر المفاوضات، في كتابه “العواقب الاقتصادية للسلام” أنّ هذا الانتصار يحمل في طياته بذور الكارثة القادمة، وهو كلامٌ لم يصدّقه أحد وقتها. صنع الاقتصادُ المنهك والإذلالُ القومي المتراكم والتضخمُ الجامح تربةً خصبة نبتت فيها النازية؛ الأمر الذي أوصل الزعيم النازي الألماني أدولف هتلر (1889–1945) إلى السلطة عام 1933 على أكتاف غضب لم يخترعه بل ورثه جاهزاً نتيجة ما حصل في فرساي. أنتج انتصار 1918 المطلق الحرب العالمية الثانية ذات الست والخمسين مليون ضحية، كل هذا كان ثمناً لشروط قاسية وتعجيزية فرضت على الخاسر.

    10  إدارة الإنتصار: لا تحمل ثقلاً أنت لست له

    انتهت الحرب البيلوبونيسية عام 404 ق.م بسقوط أثينا أمام أسبارطة وحلفائها. أراد بعض الحلفاء محو أثينا من الخريطة تماماً، لكنّ أسبارطة رفضت وأبقتها حية تحت وصايتها. بدت هذه الخطوة رحمةً، وكانت في الحقيقة “ورطة استراتيجية”؛ استنزفت إدارةُ الإمبراطورية الأثينية السابقة وشبكة تحالفاتها المعقدة أسبارطة في حروب ومهام لم تكن لها أصلاً. بُني الجيش الأسبارطي النخبوي الصغير للحرب لا للحكم. كسر القائد الطيبي اليوناني إبامينونداس (نحو 418–362 ق.م) الهيمنة الأسبارطية في معركة ليوكترا عام 371 ق.م في منطقة بيوتيا وسط اليونان في ساعات، وخسرت أسبارطة في عقود ما بنته في قرون. لا يكمن الدرس في الرحمة أو عدمها، بل في أنّ ما تربحه في المعركة يُلزمك بإدارته بعدها، وكثيراً ما تكون “إدارة الانتصار” أصعب من تحقيقه.

    11- الانتصار في المحافظة على السر: الانتصار في المعلومات يسبق الانتصار في الميدان

    تجمّع في مجمع بليتشلي بارك في مقاطعة باكنغهامشير البريطانية فريق من علماء الرياضيات والمنطق وعلم اللغة، كان من بينهم عالم الرياضيات البريطاني آلان تورينغ (1912–1954). أُسندت لهؤلاء العلماء مهمة كسر شفرة “إنيغما”، الجهاز التشفيري الألماني الذي يُنتج مليارات الاحتمالات لكل رسالة. طوّر تورينغ وزميله غوردون ويلتشمان آلةً أسمتها “القنبلة” عالجت هذه الاحتمالات بسرعة خارقة -بالنسبة لذلك الوقت- وانكشف المفتاح، فباتت بريطانيا تقرأ اتصالات الجيش والبحرية الألمانية في وقت ارسالها تقريباً. ظلّ هذا الاختراق سراً محكماً طوال الحرب وعقوداً بعدها؛ كان الحلفاء يُخفون أحياناً أصل معلوماتهم ويُشيعون أنّها من مصادر بشرية حتى لا يشكّ الألمان في اختراق شفرتهم. يقدّر المؤرخون اليوم أنّ اختراق “إنيغما” قصّر الحرب بسنتين على الأقل وأنقذ ملايين الأرواح. أعمق الانتصارات لا تُرى في الميدان.

    12- الانتصار الاقتصادي هو الأطول عمراً

    سيطرت بريطانيا في القرن التاسع عشر على ربع مساحة الأرض وربع سكانها، وأطلق مثقفوها عليها لقب الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس. لا يُفسّر هذه السيطرة القوةّ العسكرية فحسب، بل شيء أكثر استقراراً: السيطرة على “خطوط التجارة البحرية” والجنيه الإسترليني كعملة احتياطية للعالم وشركة الهند الشرقية التي حكمت مناطق شاسعة بالسجلات المحاسبية قبل السيوف والبنادق والمدافع. حاول نابليون بونابرت خنق بريطانيا اقتصادياً عام 1806 بمراسيم برلين، فكانت النتيجة أنّ أوروبا المحاصرة عن السوق البريطانية عانت أكثر من بريطانيا نفسها. كان الاعتماد متبادلاً لكنّه لم يكن متساوياً. لم يكن “الانتصار البريطاني” لاحقاً في معركة واترلو، بل في شبكة علاقات جعلت الاستقلال عنها أشبه بالانتحار التجاري. بقيت الروابط الاقتصادية عقوداً حتى بعد انسحاب الجيوش من المستعمرات في القرن العشرين، والرابط المالي أطول عمراً من أي علم يُرفع.

    13-  الانتصار بالتحالف: التحالف المنتصر أقوى من المنتصر المنفرد

    عاد نابليون من منفاه في جزيرة إلبا وجمع جيشاً جديداً، وكان هدفه التفريق بين جيش دوق ويلينغتون البريطاني آرثر ويلزلي (1769–1852) الأنغلو-هولندي وجيش المشير البروسي غيبهارد فون بلوخر (1742–1819) وضرب كل منهما على حدة. في منتصف يوم الثامن عشر من حزيران 1815، كانت الضربة الفرنسية تشق طريقها على أرض بلجيكا وبدا الموقف متقارباً. غيّر مسارَ المعركة وصولُ البروسيين في اللحظة المناسبة إلى الجانب الفرنسي الأيمن؛ قال ويلينغتون بعدها إنّها كانت “أقرب شيء إلى الهزيمة رأيته في حياتي”. لم يكن الذي حدث انتصاراً نتج عن عبقرية فردية، بل تنسيق وثقة بين جيشين من أمتين مختلفتين لديهما عدو مشترك. يخسر القائد الذي يرفض طلب الحليف كبرياءً معاركَ كان يمكنه ربحها؛ التحالف ليس ضعفاً بل ضرب من أذكى أشكال القوة.

    14- الانتصار السريع قد لايكون انتصاراً: ليس المهم النصر في أول معركة المهم البقاء والتثبيت

    دخلت الدبابات السوفيتية العاصمة الأفغانية كابول في كانون الأول 1979 وسقطت المدن بسرعة، لكنّ الأرياف الجبلية الشاسعة وتكتيكات المجاهدين الأفغان المدعومين من قبل الولايات المتحدة الأميركية جعلت كل انتصار ميداني يذوب في الليل. خرجت روسيا بعدها بعشر سنوات وما يزيد بخمسة عشر ألف قتيل عسكري وعشرات المليارات من الدولارات من الإنفاق، الأمر الذي يشير كثير من مؤرخين بأنه كان بداية انهيار الاتحاد السوفيتي لاحقاً. جاءت أمريكا بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 وأسقطت طالبان -الجهة التي كانت تحكم أفغانستان- في أسابيع، وكان الانتصار العسكري الأولي ساحقاً. بقيت أميركا عشرين عاماً في أفغانستان وأنفقت ما يزيد على تريليوني دولار، وفي آب 2021 عادت طالبان إلى كابول في أقل من أسبوع بعد الانسحاب الأميركي منها. يُعدّ الانتصار العسكري السريع أسهل الأجزاء؛ ما يأتي بعده من بناء “الشرعية السياسية” هو المعركة الحقيقية. من يفوز في الجزء الأول ويُهمل الجزء الثاني يُؤجّل الهزيمة ولا يُلغيها. نفس الأمر ينسحب على جيش الاحتلال العدو في جنوب لبنان، حيث يشير “يومياً” في أخباره أنه دخل، ودمر، وضرب، وقصف في جنوب لبنان، لاحقاً في الليل ينسحب “الجيش الذي يقال عنه أنه لا يقهر” من تلك الأراضي تحت ضربات المــ قاوميــ ن.

    15- الانتصار الأخلاقي يكسب: مهما خسرت الأخلاق في النهاية ستفوز

    زحف الملك الفارسي كسرى الأول (نحو 519–465 ق.م) على اليونان في صيف 480 ق.م بجيش قُدّر بتقديرات المؤرخين الحديثين بما بين مئة وخمسة وعشرين ومئتي ألف مقاتل. وقف الملك الإسبرطي ليونيداس الأول (نحو 540–480 ق.م) عند ممر ثيرموبيلاي الضيق في شمال اليونان بثلاثمئة رجل من النخبة الإسبارطية وبضعة آلاف من الحلفاء. تكسّرت موجات الفرس المتتالية ثلاثة أيام بلياليها في ذلك الممر الضيق الذي منع إظهار تفوقهم العددي. في اليوم الثالث، خان أفيالتيس الأسبارطيين، وهو من سكان المنطقة ودلّ الفرس على طريق جبلي يكشف الممر من الخلف، فأرسل ليونيداس معظم الحلفاء وبقي هو وثلاثمئته يواجهون الحصار حتى مات آخرهم. كانت هزيمةً عسكرية كاملة. لكنّ “التأخير” الذي صنعه هؤلاء الثلاثمئة أتاح للأسطول الأثيني الاستعداد لمعركة سالاميس التي حسمت الحرب. حوّلت ذاكرةُ الإنسانية ثيرموبيلاي إلى “رمز الشرف والتضحية”؛ خمسة وعشرون قرناً لاحقاً ما زال الشعراء والقادة والسياسيون يستشهدون باسم ليونيداس ومقاتليه الثلاثمائة باعتبارهم رمزاً للأخلاق، والتضحية، والوفاء والواجب. نفس القضية تنسحب على المقاتلين المصريين العظماء الذين قاموا بقطع “خط بارليف” الناري الشهير الذي اعتقد الصهاينة أنه “لا يقهر”. كذلك يذكر مقاوموا لبنان الذين تصدّوا بأسلحتهم الخفيفة وصواريخهم ومسيراتهم البسيطة في جنوب لبنان خلال عامٍ تقريباً، ومنعوا “جيش العدو” من الوصول إلى العاصمة اللبنانية في وقتٍ بُذلت كل الجهود الاحتلالية لذلك خلال العام الحالي.

    16- الانتصار بالثقافة: الفكرُ سينتصر

    أسّس الامبراطور المغولي جنكيز خان (نحو 1162–1227) ومن خلفه في مطلع القرن الثالث عشر أضخم إمبراطورية برية متصلة في التاريخ. اجتاح القائد المغولي هولاكو (1217–1265) بغداد في شباط 1258 وأنهى الخلافة العباسية، ويُقال إنّ دجلة سال حبراً من الكتب الملقاة فيه جراء تدمير المكتبات الهائلة في بغداد. كان الانتصار المغولي العسكري حقيقياً ولا يُردّ. غير أنّ شيئاً آخر كان يحدث في الخلفية بعيداً عن الميادين؛ تحوّل أحفاد الغزاة أنفسهم بعد أجيال إلى الإسلام وتبنّوا ثقافة من غزوا. أسّس البابريون في الهند “الإمبراطورية المغولية الإسلامية”، وحكم الإيلخانيون فارس، ومهّد المغول في الأناضول لصعود العثمانيين. انتصرت الثقافة على السيف المغولي. ثبتت الحضارات التي أبقت على جوهرها في أحلك اللحظات وهزمت الجيوش التي كسرتها ميدانياً دون أن تحتاج إلى معركة ثانية.

    17- الإنتصار المنقوص: لا إنتصار دون فهم ماذا تعني الخسارة للخصم

    كتب نيكولا مكيافيلي كتابه الأشهر “الأمير” عام 1513 بعد سقوط حكومة فلورنسا الجمهورية وعودة آل ميديتشي إلى الحكم، فجاء كتاباً بارداً يصف القوة كما هي لا كما يجب أن تكون. لا لبس في موقفه من الأعداء: لا تتركهم في “حالة الوسط” التي تجعلهم مُهانين وقادرين في آنٍ واحد، وهذه أخطر التوليفات؛ إما اقتلهم أو أضعفهم إلى أقصى درجة. رأى ميكافيلي في الحروب الإيطالية التي كانت تدور حوله أنّ المدن التي هوجمت وأُذلت دون إنهاء إرادتها القتالية عادت بثأر مضاعف. تُنتج الهزيمةُ الناقصة عدوّاً متحرّراً من حسابات السلم ومدفوعاً بدافع الانتقام فيصبح أشد خطراً من العدو الذي لم يُلمَس بعد. يتكرر هذا المبدأ في كل الحروب والمعارك الكبرى: ألمانيا بعد فرساي، والعراق بعد 2003، وليبيا بعد 2011. يتطلب الانتقال من “الانتصار” إلى “الاستقرار” خياراً واضحاً ومبكراً بين الضم الكامل أو التفاوض الجاد؛ المنطقة الرمادية لا تنتج سلاماً بل تُرجئ الصراع.

    18- الانتصار الصغير وأهميته: إنتصارٌ يفتح أبواباً كبيرة

    احتلّ الجيش الفارسي أثينا في أيلول 480 ق.م وأحرق الأكروبول، فلم يبق أمام المقاومة اليونانية سوى أسطول ثيميستوكليس في مياه خليج سالاميس. تفوّق الفرس عددياً بأكثر من الضعف في السفن. كل هذا دفع اليونانيين إلى الخدعة؛ استدرج القائد الأثيني ثيميستوكليس (نحو 524–459 ق.م) الأسطولَ الفارسي إلى مياه ضيقة لا تُجيد فيها السفن الكبيرة المناورة، وبثّ قبل المعركة معلومات مضللة لدفع كسرى إلى الإسراع في الهجوم. عجّل الإمبراطور الفارسي بالهجوم، فكانت السفن اليونانية الأصغر والأسرع في انتظاره. تحطّم الأسطول الفارسي الضخم وانسحب، وشاهد كسرى الهزيمة من على تلة قريبة. حمى هذا الانتصار في بضعة كيلومترات من الماء الحضارةَ الإغريقية من الإبادة وفتح طريق عصرها الذهبي في الفلسفة والمسرح والهندسة، الذي أسّس بدوره لحضارات غربية لاحقة. تفتح المعاركُ الصغيرة في المواضع الصحيحة أبواباً لا تُقاس.

    19- الانتصار على النفس: إنه شرط كل انتصار خارجيقضى الإمبراطور الروماني الفيلسوف ماركوس أوريليوس (121–180 م)، معظم حكمه في خيام الجيش على حدود نهر الدانوب يحارب القبائل الجرمانية في حروب الماركومان، لا في قصره بروما. كتب في تلك المعسكرات كتابه الشهير “التأملات” لا للنشر بل لمحاسبة نفسه يومياً؛ سأل: هل تجاوزت حدودي في الغضب اليوم؟ هل ردّيت على الإهانة بإهانة؟ هل أضعت الوقت؟ رأى أوريليوس أنَّ “المعركة الحقيقية” للإمبراطور ليست مع الجرمان بل مع نزواته وكسله وغروره. يُصدر القائد الذي يفقد السيطرة على غضبه في لحظة حرجة قراراتٍ كارثية، والإمبراطور الذي يسكره النصر المبكر يُخطئ حين يحتاج إلى أكثر من الحظ. اليوم، لايزال كتاب “التأملات” يُقرأ على الرغم من كتابته قبل ألفي عام، ذلك أنّ ماركوس كان صادقاً مع نفسه على الورق بطريقة يصعب تزويرها، ولأنّه اكتشف أنّ الداخل والخارج مرآة واحد


    وسوم :
    , , , , ,