19 فكرة خلّدها أدب الشهيد غسان كنفاني
يوليو 16, 2026 1:45 م
*تهاني نصّار وعبد الرحمن جاسم
كتب الروائي الفلسطيني الفذ الشهيد غسان كنفاني (1936-1972) أعماله كلّها في أقل من عشرين عاماً، تاركاً خلفه رواياتٍ وقصصاً ودراساتٍ لا تزال تشكّل عمادة الأدب الفلسطيني، والأدب المــ قــ اوم عموماً. مثل كنفاني المثقّف المشتبك الذي لا يحيد عن دربه مهما صعبت الطريق، ومهما قابل من صعاب، فلا السكّري الداء العضال أوقفه، ولا التهديدات الكثيفة التي تلقّاها -وظل يتلقاها حتى استشهاده- منعته، ولا الملاحقة المستمرة من قبل غير جهازٍ أمني. لقد كان كنفاني صورةً حيةً لما يجب أن يكون عليه المثقف: حاملاً لآلام شعبه وحكاياته، لسان حال الناس، والأهم قارئاً، وفاهماً، ودارساً للفن والثقافة باعتبارها لا “ترفاً” بل عملاً تبنى عليه الحضارات وتقاربه الشعوب يومياً. أدرك كنفاني منذ حداثة سنّه أن “الثقافة” لسان حال الناس، وبغيابها يصبحون كما يريدهم أعداءهم “أغناماً قابلةً للذبح والتمثيل بجثثها”. من هنا عمل كنفاني ليل نهار كي يترك أثراً أدبياً لا يمحى، وكتباً لا تزال تقرأ اليوم كما لو أنها صنعت لأيامنا هذه وليست في وقتها. من هنا، ولهذا كله، اخترنا نون الروح وأنا أن نتحدّث عن 19 فكرةً خلّدها أدب الشهيد غسان كنفاني، مازجين بين أعماله البحثية، رواياته، قصصه القصيرة، مسرحياته، والأهم بالتأكيد نصوصه ومقالاته التي كتبها تحت إسمه المستعار “فارس فارس” ناقداً الثقافة العربية بلسانٍ سليطٍ، قاسٍ، ساخرٍ، مؤكداً أن الأدب لا يخرج عن فعل “المـــ قـــ اومــ ة” بل هو مكملٌ له وصنو.
1. العودة فعلٌ لا حلم
رفض كنفاني في أدبه كله أن تبقى “العودة” إلى فلسطين حنيناً غنائياً يُتغنى به في الأمسيات، وأصرّ على تحويلها إلى فعل يتطلب إرادة وتضحية وتنظيماً. يظهر هذا الرفض بوضوح في رواية “عائد إلى حيفا” الصادرة عام 1969، حيث يكتشف بطلها سعيد أن زيارته لبيته القديم في حيفا لا تعيد له شيئاً، وأن الوطن لا يُستعاد بالذكريات ولا بالدموع أمام الأبواب المغلقة. يقول البطل في نهاية الرواية إن الوطن هو ألا يحدث ذلك كله، أي أن العودة الحقيقية تعني تغيير الواقع لا التصالح معه. حمل كنفاني هذه الفكرة من قصصه الأولى حتى أعماله الأخيرة، وجعلها معياراً يحاكم به شخصياته: من يكتفي بالحلم يموت معنوياً، ومن يتحرك نحو الفعل يستعيد إنسانيته. تختلف هذه الرؤية اختلافاً عميقاً عن أدب الحنين الذي ساد عند كثير من كتّاب المنفى، إذ رأى فيه كنفاني تخديراً للوعي وتأجيلاً دائماً للمواجهة. صارت هذه الفكرة لاحقاً حجر الأساس في ما سُمّي “أدب المقاومة”، وما زالت تمنح أعماله راهنيتها إلى اليوم.
2. لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟
اختتم كنفاني روايته الأولى “رجال في الشمس” الصادرة عام 1963 بسؤال صار من أشهر الأسئلة في الأدب العربي الحديث: “لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟”. يموت الرجال الثلاثة، أبو قيس وأسعد ومروان، اختناقاً داخل خزان ماء فارغ على الحدود الكويتية، من دون أن يصرخوا أو يطرقوا الجدران طلباً للنجاة. أراد كنفاني بهذه النهاية القاسية أن يدين الصمت الفلسطيني والعربي بعد النكبة، ذلك الصمت الذي جعل الناس يموتون بهدوء بدل أن يقاوموا. لم يوجه الإدانة إلى الضحايا وحدهم، بل إلى الظروف التي دفعتهم إلى الهرب الفردي بحثاً عن الرزق بدل النضال الجماعي لاستعادة الأرض. يرى النقاد أن الخزان نفسه رمز للحلول الفردية الخانقة، وأن الصحراء رمز للتيه العربي في تلك المرحلة. أثارت الخاتمة جدلاً واسعاً عند صدور الرواية، حتى إن الفيلم المأخوذ عنها بعنوان “المخدوعون” للمخرج المصري توفيق صالح غيّر النهاية وجعل الرجال يدقون الجدران، استجابة لتحولات الوعي بعد ظهور المقاومة المسلحة. بقي السؤال مع ذلك معلقاً في وجدان القارئ العربي، يتجدد مع كل محنة صمت جديدة.
3. إدانة الحلول الفردية
بنى كنفاني “رجال في الشمس” على فكرة مركزية مفادها أن الخلاص الفردي وهمٌ قاتل. يمثّل كل واحد من الرجال الثلاثة جيلاً فلسطينياً مختلفاً: أبو قيس من جيل النكبة الذي فقد أرضه وكرامته، وأسعد من جيل الشباب المطارد سياسياً، ومروان من جيل الفتيان الذين ورثوا المسؤولية قبل الأوان. اجتمع الثلاثة على هدف واحد هو الوصول إلى الكويت بحثاً عن المال، وتخلوا جميعاً عن فكرة العودة إلى فلسطين أو القتال من أجلها. جعلهم كنفاني يموتون معاً في الخزان ليقول إن طريق الهجرة الاقتصادية، مهما بدا مغرياً، يقود إلى موت جماعي بطيء للقضية كلها. لم يكن كنفاني يحتقر حاجة الفقراء إلى الخبز، فهو ابن المخيمات الفلسطينية، مخيمات العودة، وعرف الفقر في دمشق بعد النكبة، لكنه أراد التمييز بين البحث عن لقمة العيش وبين جعل هذا البحث بديلاً كاملاً عن الانتماء. تتكرر هذه الفكرة في قصصه القصيرة أيضاً، حيث يظهر المهاجرون إلى الخليج شخصياتٍ مأزومة فقدت بوصلتها غير مرّة. شكّلت هذه الإدانة نقداً مبكراً لظاهرة كانت في بدايتها آنذاك، هي ظاهرة تقديس المال والعمل و”الفردانية” وأثبتت السنوات صواب كثير من حدسه.
4. أبو الخيزران ورمزية القيادة العاجزة
ابتكر كنفاني في “رجال في الشمس” واحدة من أقوى الشخصيات الرمزية في الأدب العربي: أبو الخيزران. إنه سائق الشاحنة الذي يهرّب الرجال الثلاثة عبر الحدود. فقد أبو الخيزران رجولته في انفجار لغم خلال حرب 1948، وصار جسده شاهداً على ما فعلته الهزيمة بجيل كامل. يرى معظم النقاد أن عجزه الجسدي رمز مقصود للعجز السياسي العربي، فالرجل الذي كان مقاتلاً تحوّل إلى مهرّب يتاجر بأبناء شعبه ويساوم على حياتهم من أجل المال. يحمل الرجل مرارة حقيقية، وهو يكرر أنه خسر رجولته من أجل الوطن ثم خسر الوطن نفسه، فلماذا لا يأخذ المال على الأقل؟ جعله كنفاني شخصية مركبة لا شريراً بسيطاً، إذ يتعذب في نهاية الرواية وهو يسأل سؤاله الشهير عن دق الجدران، وكأنه يدين نفسه قبل غيره. تكشف هذه الشخصية طبقة أعمق من الرواية: القيادات التي فقدت قدرتها على الفعل صارت تقود شعبها إلى الموت وهي تعرف الطريق ونهايته. أصبح اسم أبي الخيزران بعد الرواية مصطلحاً نقدياً يُستعمل للدلالة على كل قيادة عاجزة تخفي عجزها بالثرثرة والمساومة.
5. الأرض بوصفها جوهر الوجود
لم تكن الأرض عند كنفاني عقاراً يُملك أو مساحة جغرافية تُسترد، بل كانت جوهر الوجود الفلسطيني نفسه ومصدر الكرامة والمعنى. يفتتح “رجال في الشمس” بمشهد أبي قيس ممدداً على التراب الرطب، يشم رائحته ويشعر بنبض الأرض تحت صدره وكأنها قلب زوجته. تتكرر هذه العلاقة الحسية بالأرض في أعماله كلها، فالتراب والزيتون والبرتقال ليست تفاصيل بيئية بل أعضاء حية في جسد الشخصيات. فقدانُ الأرض في أدبه يعني فقدان الأب لهيبته أمام أبنائه، وفقدان الفلاح لمعنى يديه، وفقدان العائلة لتماسكها. كتب في قصصه عن فلاحين ماتوا حزناً بعد النكبة لا جوعاً، لأن انقطاع الصلة بالأرض قتل فيهم شيئاً لا يعوضه الطعام، كما في “أرض البرتقال الحزين”، ففقدان الأرض معناه فقدان الإنسان لهيبته، وفقدان الفلاح لقيمة دوره ووجوده، وفقدان الأب لعائلته وهكذا. استمد كنفاني هذه الرؤية من تجربته الشخصية، إذ إن الاحتلال “هجّره” من يافا وعكا وهو في الثانية عشرة، وعاش تجربة اللجوء بكل قسوتها ووحشيتها في سوريا ولبنان. رفض “الأديب المثابر” في المقابل تحويل الأرض إلى صنم يُبكى عنده، فالأرض عنده تستحق العمل والقتال لا الرثاء، وهذا ما يميز حضورها في أدبه عن حضورها في أدب الحنين التقليدي.
6. أم سعد وتحول الفلسطيني إلى مقاتل
قدّم كنفاني في رواية “أم سعد” الصادرة عام 1969 صورة التحول الكبير الذي أصاب المخيم الفلسطيني بعد هزيمة حزيران 1967: تحوّل الفلسطيني العائد من ضحية تنتظر المساعدات إلى أم تدفع ابنها إلى صفوف الفدائيين. بنى غسان الرواية على شخصية حقيقية عرفها من قبل: امرأة فلسطينية بسيطة كانت تزور بيته في بيروت، فجعل منها رمزاً للشعب كله من دون أن يفقدها ملامحها الإنسانية اليومية وهو لربما ميزة من ميزات أدبه المهمة في تحويل اليومي المعتاد إلى “أبدي”، وبنفس الوقت اختيار رمزٍ للشعب الفلسطيني بهذه الواقعية وبلا تجميل أو رتوش. تتردد في الرواية جملة تصف هذه المرأة بأنها “تلد الأولاد فيصيروا فدائيين”، فهي “تخلف وفلسطين تأخذ”، وقد جعلها التحاق ابنها بالمقاومة ترفع رأسها بعد عشرين سنة من الذل. تزرع المرأة في نهاية الرواية عرقاً يابساً من الدوالي أمام البيت، فيورق العود اليابس في إشارة إلى أن التضحية تعيد الحياة إلى ما بدا ميتاً. اعتبر النقاد هذه الرواية بيان كنفاني السياسي الأوضح، إذ كتبها بعد التحاقه بالعمل الإعلامي في الجبهة الشعبية، وكتب في إهدائها أن أم سعد هي “الشعب” وهي “المدرسة” التي تعلم منها. تكمن قوة العمل في أنه لم يحوّل المرأة إلى خطيبة سياسية، بل تركها تتكلم بلغة بسيطةٍ وسهلةٍ وعادية، فصار كلامها -على بساطته ومباشرته- أبلغ من أي بيان.
7. المخيم مكان ولادة الوعي
رسم كنفاني المخيم الفلسطيني في أعماله بوصفه مكاناً مزدوجاً: هو قاع البؤس الإنساني من جهة، ورحم الوعي الثوري من جهة ثانية. عاش كنفاني نفسه تجربة اللجوء والفقر، وعمل في صباه عاملاً في مطابع دمشق ومدرساً في مدارس الأونروا، فعرف المخيم من داخله لا من نافذة المثقفين. تظهر المخيمات في قصصه أمكنة مملوءة بالوحل والبرد وطوابير الإعاشة، لكنه رفض أن يجعل منها مادة لاستدرار الشفقة على غرار كثيرين. رأى أن البؤس نفسه، حين يبلغ حداً لا يُحتمل، يتحول إلى طاقة غضب قادرة على تغيير التاريخ، وأن أبناء المخيمات هم وقود الثورة الحقيقي لا أبناء الطبقات المرتاحة. تعبّر أم سعد عن هذا المعنى حين تقارن بين ابنها الفدائي وأبناء المدينة الذين يتفرجون على القضية من الشرفات. يتقاطع هذا الفهم مع قراءات كنفاني الماركسية، فقد كان يرى الثورة الفلسطينية جزءاً من صراع طبقي أوسع، والمخيم عنده هو بروليتاريا القضية. منح هذا الموقفُ أدبَه صدقية نادرة عند القراء فقراء كانوا أم لا.
8. الوطن ليس ذاكرة بل مستقبل
طرح كنفاني في “عائد إلى حيفا” سؤالاً جارحاً: ما هو الوطن؟ يعود سعيد وصفية إلى حيفا عام 1967 بعد أن فتحت الحدود، ليجدا بيتهما القديم تسكنه امرأة يهودية بولندية، وابنهما خلدون الذي تركاه رضيعاً في فوضى سقوط المدينة عام 1948 صار جندياً إسرائيلياً اسمه دوف. يكتشف سعيد خلال المواجهة أن كل ما حمله في ذاكرته خلال عشرين عاماً مثل ريش الطاووس في المزهرية وصورة القدس على الجدار، بقي في مكانه لكنه لم يعد له. يصل الرجل إلى خلاصته الكبرى: الوطن ليس الماضي ولا الذكريات ولا حتى الابن الضائع، الوطن هو المستقبل الذي يُصنع بالكفاح. يقول البطل لزوجته في نهاية الرواية إنه يتمنى أن يكون ابنهما الآخر خالد قد التحق بالفدائيين في غيابهما، فيعقد بذلك المقابلة بين ابنٍ خسروه للعدو وابنٍ يهبونه للمقاومة. قلبت هذه الرواية مفهوم الحنين رأساً على عقب في الأدب الفلسطيني، إذ جعلت التعلق بالماضي وحده شكلاً من أشكال الهزيمة. تُعد هذه الرواية من أكثر أعمال كنفاني ترجمة واقتباساً، وتحولت إلى أعمال مسرحية وسينمائية عديدة في بلدان مختلفة.
9. الإنسان قضية لا رابطة دم
صاغ كنفاني في “عائد إلى حيفا” واحدة من أجرأ أفكاره: الانتماء يتحدد بالتربية والموقف لا بالدم والولادة. يقف سعيد أمام ابنه البيولوجي خلدون، الذي رُبّي يهودياً وصار جندياً في جيش الاحتلال، مدركاً أن هذا الشاب لم يعد ابنه نهائياً، لأن من ربّاه صنع وعيه وولاءه. يقول سعيد جملته الشهيرة: “الإنسان في نهاية الأمر قضية”، وهي الجملة التي صارت عنواناً لفهم أدب كنفاني بأكمله. تحمل هذه الفكرة جرأة مزدوجة: فهي من جهة تتنازل عن أقدس الروابط العاطفية، رابطة الأبوة، لصالح الموقف الأخلاقي، وهي من جهة ثانية تفتح الباب أمام فهم غير عرقي للصراع، إذ يصبح العدو من يتبنى قضية الظلم لا من وُلد لأم يهودية فحسب. تظهر ذروة هذا المعنى حين يوازي سعيد بين خلدون الضائع وخالد الفدائي، فالأبوة الحقيقية عنده هي أبوة القضية للمناضلين من أجلها. أثارت هذه الأطروحة نقاشات فكرية واسعة ما زالت مستمرة، لأنها تلامس أسئلة الهوية والتربية والحتمية البيولوجية.
10. جيل الآباء وجيل الأبناء
لطالما عقد كنفاني في أعماله مقارنة بين جيلين: جيل الآباء الذي عاش النكبة وانكسر بها، وجيل الأبناء الذي وُلد في المخيمات وعذاباتها فقرر حمل السلاح. لم يتعامل مع جيل الآباء باحتقار، بل بمزيج من الحب والعتاب، فهؤلاء رجال سُحقوا تحت حدث أكبر من قدرتهم على الفهم والاستيعاب. لقد حملوا مفاتيح بيوتهم وانتظروا عدالة دولية لم تأت ولن تفعل. يظهر أبو قيس في “رجال في الشمس” نموذجاً لهذا الجيل، إذ ظل عشر سنوات ينتظر العودة قبل أن يستسلم لفكرة الهجرة إلى الكويت، ليموت بعدها في الطريق. في المقابل يظهر سعد ابن أم سعد وخالد ابن سعيد نموذجين للجيل الجديد الذي كسر حلقة الانتظار والتحق بالثورة من دون أن يستأذن أحداً. يمنح كنفاني هذا الجيل الجديد صوت المستقبل، لكنه يحرص على إظهار أن ثورته امتداد لعذاب آبائه لا قطيعة معه، فالابن يقاتل لأن أباه حُرم وأُهين. تتيح هذه الثنائية للقارئ فهم النكبة بوصفها سيرورة ممتدة عبر الأجيال لا حدثاً منتهياً. استعملها كنفاني أيضاً أداة نقد ذاتي داخلي للمجتمع الفلسطيني، وهو نقد كان نادراً وشجاعاً في زمنه.
11. أرض البرتقال الحزين وعين الطفل
كتب كنفاني مجموعته القصصية “أرض البرتقال الحزين” الصادرة عام 1962 مستنداً إلى ذاكرته الشخصية عن النكبة، إذ عاشها طفلاً. تحكي القصة الرئيسية رحلة عائلة تُقتلع من يافا وعكا نحو لبنان، بعين طفل لا يفهم تماماً ما يجري لكنه يلتقط انهيار العالم في تفاصيل صغيرة: بكاء الرجال الكبار، وحبات البرتقال التي تشتريها العائلة على الطريق ثم تذبل في السيارة كما تذبل حياتهم. يرى الطفل أباه ينهار حين ينظر إلى برتقالة يابسة، فيدرك أن شيئاً ما قد انكسر إلى الأبد. اختار كنفاني عين الطفل لأنها تحرر السرد من الخطابة السياسية، فالطفل لا يحلل بل يرى، وما يراه أقسى من أي تحليل. صار البرتقال بعد هذه المجموعة رمزاً فلسطينياً خالصاً في الأدب والفن، يختصر الأرض المفقودة وخيرها الضائع. تكشف القصص أيضاً الوجه الاقتصادي والنفسي للنكبة: الأب الذي كان معيلاً كريماً يتحول إلى عاجز غاضب يهدد بقتل أطفاله، لأن فقدان الأرض قتل فيه صورة نفسه. تُعد هذه المجموعة من أصدق ما كُتب عن النكبة لأنها كُتبت من داخل الجرح لا من فوقه.
12. التجريب السردي وتعدد الأصوات
خاض كنفاني في “ما تبقى لكم” مغامرة فنية غير مسبوقة في الرواية العربية آنذاك، إذ كتبها بأصوات متداخلة تتناوب على السرد داخل الفقرة الواحدة أحياناً، مستفيداً من تقنيات الروائي الأميركي وليم فوكنر (1897-1962) في روايته “الصخب والعنف”. ينتقل الضمير من حامد إلى مريم إلى زكريا ثم إلى الصحراء والساعة نفسيهما من دون فواصل تقليدية، واستعمل كنفاني تغيير أحرف الطباعة علامةً وحيدة على تبدل الصوت. لم يكن هذا التجريب ترفاً شكلياً، بل وسيلة لتجسيد تمزق الوعي الفلسطيني بين غزة والضفة، بين الأخ والأخت، بين الداخل والمنفى، فالحدثان المتوازيان، رحلة حامد في الصحراء ومواجهة مريم لزوجها، يقعان في الليلة نفسها ويضيء كل منهما الآخر. أثبت كنفاني بهذا العمل أن الالتزام السياسي لا يعني الفقر الفني، وأن قضية بحجم فلسطين تستحق أحدث أدوات الفن والكتابة. حصلت الرواية على جائزة أصدقاء الكتاب في لبنان لأفضل رواية عام 1966. فتح هذا الجهد الباب لأجيال من الروائيين العرب كي يجربوا من دون خوف من تهمة الغموض.
13. مفهوم أدب المقاومة
لم يكتف كنفاني بكتابة الأدب، بل صنع للأدب الفلسطيني المقاوم نظريته ومصطلحه. أصدر عام 1966 دراسته “أدب المقاومة في فلسطين المحتلة 1948-1966” ثم أتبعها عام 1968 بدراسة ثانية عن الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال، وكان بذلك أول من صك مصطلح “أدب المقاومة” وأدخله إلى النقد العربي. كشفت الدراستان للقارئ العربي شعراء كانوا شبه مجهولين خارج فلسطين المحتلة، في مقدمتهم محمود درويش (1941-2008) وسميح القاسم (1939-2014) وتوفيق زياد (1929-1994)، فصاروا بعد سنوات قليلة من أعلام الشعر العربي. رأى كنفاني أن الشعب الواقع تحت الاحتلال يقاوم بأشكال متعددة، والكلمة واحدة من أمضى أسلحته، لأنها تحفظ الهوية وترفض رواية المحتل وتبقي جذوة الرفض حية. ميّز المثقف المشتبك في الوقت نفسه بين أدب المقاومة الحقيقي وبين الخطابة الحماسية الفارغة، مشترطاً في الأول قيمة فنية عالية تحمي الرسالة من الابتذال. بعد ذلك، أصبح المصطلح مفهوماً نقدياً عالمياً يُطبق على آداب الشعوب المستعمرة كافة، من الجزائر إلى فيتنام إلى جنوب أفريقيا وسواها.
14. المرأة حاملة الجذر والاستمرار
منح كنفاني المرأة الفلسطينية في أدبه مكانة تتجاوز الأدوار التقليدية التي حصرتها فيها الرواية العربية آنذاك. تقف أم سعد في قمة نسائه: فلاحة تعمل خادمة في البيوت، لكنها تملك من الصلابة والوضوح ما يجعلها معلمة للمثقف الذي يروي حكايتها، إذ يعترف الراوي بأنه يتعلم منها أكثر مما تتعلم منه. تظهر صفية في “عائد إلى حيفا” شريكة كاملة في مأساة زوجها وقراره، وتظهر مريم في “ما تبقى لكم” امرأة مأزومة تتخبط بين الخطيئة والفداء قبل أن تحسم أمرها بيدها. لم يرسم كنفاني نساءه ملائكة ولا ضحايا سلبيات، بل بشراً يخطئون ويقررون ويدفعون الثمن. رأى أن المرأة في المخيم تتحمل العبء المضاعف: عبء اللجوء وعبء إعالة الأسرة وعبء تربية الجيل الذي سيقاتل، ولهذا جعلها في أدبه حاملة الجذر الذي لا ينقطع. تتجلى هذه الرؤية في رمزية عرق الدالية الذي تزرعه أم سعد فيورق، فالمرأة عنده هي التي تصل الماضي بالمستقبل. سبق كنفاني بهذه الصورة كثيراً من الخطاب النسوي العربي اللاحق، من دون أن يرفع شعارات نظرية.
15. الأعمى والأطرش وتكامل المهمشين
كتب كنفاني في أواخر حياته رواية “الأعمى والأطرش” التي نُشرت ناقصة بعد استشهاده عام 1972، وبنى فيها واحدة من أكثر رمزياته جسارة. يلتقي رجل أعمى ورجل أطرش ويقرران السفر معاً إلى ضريح وليّ يُقال إنه يصنع المعجزات، فيصير الأعمى عينَي صاحبه والأطرش أذنَي رفيقه، ويكتشفان في الطريق أن كلاً منهما يكمل نقص الآخر. يدركان عند الضريح أن المعجزة كذبة، وأن الولي لن يرد لهما ما فقداه، فيقرران أن خلاصهما بيدهما لا بيد السماء. قصد كنفاني بالعاهتين رمزية واضحة: الشعوب المقهورة أعمتها وأصمتها أنظمتها وأوهامها، ولن يشفيها انتظار المعجزات، أكانت قرارات دولية أم زعامات منقذة أم أضرحة أولياء. تحمل الرواية نبرة سخرية سوداء جديدة على أسلوب كنفاني، وتكشف اتجاهه في سنواته الأخيرة نحو نقد الخرافة والوعي الزائف بجرأة أكبر. يرى الدارسون فيها أيضاً دعوة إلى وحدة المهمشين، فالأعمى والأطرش منفردين عاجزان، لكنهما معاً كائن كامل قادر على الطريق. بقيت الرواية شاهداً موجعاً على المشاريع التي قطعها الاغتيال قبل اكتمالها.
16. الموت اختباراً للمعنى
حضر الموت في أدب كنفاني حضوراً كثيفاً، لكنه لم يكن موتاً واحداً، بل موتين يفصل بينهما معنى الحياة كلها. يموت رجال الخزان في الشمس موتاً بلا معنى، صامتين مختنقين في طريق الهروب، ويموت في المقابل شهداء قصصه الأخرى وهم يقاتلون، فيتحول موتهم بذرة لحياة الآخرين. ألحّ كنفاني على هذا التمييز في أعماله كلها: ليست المأساة أن يموت الإنسان، فالموت قدر الجميع، بل أن يموت من دون أن يكون لموته ثمن أو صدى. تظهر الفكرة في “ما تبقى لكم” حين يدرك حامد أن المواجهة في الصحراء، حتى لو انتهت بموته، أشرف من الوصول الآمن إلى لا شيء. وتظهر في “أم سعد” حين تتقبل الأم احتمال استشهاد ابنها بهدوء يدهش الراوي، لأنها تزن الموت بميزان الكرامة لا بميزان البقاء. عاش كنفاني نفسه هذه الفكرة حتى نهايتها، فقد كان يعرف أن اسمه على قوائم الاغتيال ورفض مغادرة بيروت أو التخفي، وحين اغتيل بسيارة مفخخة مع ابنة شقيقته لميس في تموز 1972 صار موته نفسه نصاً أخيراً يشرح كل نصوصه.
17. نقد الخطابة والبلاغة الفارغة
شنّ كنفاني حرباً صامتة على البلاغة العربية الفارغة التي سادت الخطاب السياسي والأدبي في زمنه. كتب بلغة مقتصدة صلبة تعتمد التفصيل الحسي الصغير بدل الصفة الكبيرة، فجملة عن رائحة التراب الرطب تحت صدر أبي قيس تقول عن حب الأرض أكثر مما تقوله عشر خطب حماسية. سخر في أعماله من الشخصيات التي تتقن الكلام ولا تفعل شيئاً، وجعل أبطاله الحقيقيين قليلي الكلام كثيري الفعل، مثل سعد الذي لا نسمع صوته في الرواية إلا قليلاً بينما تملأ أفعاله الكتاب. رأى أن الهزيمة العربية عام 1948 ثم عام 1967 كانت في جانب منها هزيمة لغة، لغة ضخمت نفسها ثم انكسرت أمام المواجهة الفعلية. انعكس هذا الموقف في عمله الصحفي أيضاً، فقد حرر مجلة “الهدف” منذ تأسيسها عام 1969 بلغة مباشرة تخاطب العمال والفلاحين وسكان المخيّمات لا النخب. تعلم من مهنة الصحافة اقتصاد الكلمة وسرعة الوصول إلى الجوهر، ونقل هذا الاقتصاد إلى رواياته فجاءت قصيرة مكثفة لا تتجاوز الواحدة منها مئة وخمسين صفحة. أثر هذا الأسلوب في أجيال لاحقة من الكتاب الذين وجدوا فيه بديلاً عن الإنشائية المعتادة.
18. الطفل حامل المستقبل
احتل الأطفال في أدب كنفاني موقعاً مركزياً نادراً في الأدب العربي، فهم عنده ذاكرة النكبة وضمير الحاضر وجنود الغد في آن واحد. كتب قصصاً كاملة بعيون الأطفال مثل قصص “أرض البرتقال الحزين”، ورسم في أعماله الأخيرة أطفال المخيمات وهم يكبرون قبل أوانهم، يبيعون العلكة في الشوارع ويحملون أسرار الرجال. يظهر مروان في “رجال في الشمس” فتى اضطر إلى ترك المدرسة والحلم بالطب كي يعيل أسرته التي هجرها الأب، فصار طفلاً بجسد رجل ومسؤولياته. خصص كنفاني جزءاً من كتاباته للأطفال أنفسهم، إذ كتب قصة “القنديل الصغير” في كانون الثاني 1963 هدية لابنة شقيقته لميس نجم (1955-1972) في عيد ميلادها الثامن، وخطّها بيده في دفتر زيّنه برسومه، وهي حكاية رمزية عن أميرة لا تدخل الشمسُ قصرها إلا حين يحمل الناس جميعاً قناديلهم الصغيرة، في درس مبكر عن العمل الجماعي. جرت عادته أن يهدي لميس قصة في كل أعياد ميلادها. لميس التي لاحقاً سوف تستشهد معه في التفجير الذي استهدفه -إثر عبوةً وضعها الموساد- عام 1972 وهي في السابعة عشرة، فصارت القصة وثيقة وجع مضاعف. آمن كنفاني بأن جيل أطفال المخيمات سيصنع ما عجز عنه آباؤه، فكان أدبه كله رسالة مؤجلة إلى هؤلاء الصغار.
19. الكرامة قبل الخبز
طرح كنفاني في أدبه معادلة صعبة: ماذا يفعل الجائع حين يُخيَّر بين كرامته ورغيفه؟ تعاطف مع شخصياته المسحوقة التي اضطرت إلى بيع أشياء غالية من أجل البقاء، لكنه ظل يرسم الخط الفاصل الذي إذا تجاوزه الإنسان فقد نفسه. يبيع أبو قيس سنوات انتظاره ويشتري وهم الكويت فيخسر حياته، وتبيع شخصيات أخرى في قصصه القصيرة ذاكرتها أو صمتها أو أبناءها فتخسر ما هو أثمن من الحياة. تقف أم سعد على الضفة الأخرى من المعادلة، فهي أفقر شخصياته وأكثرهم صلابة، تغسل بيوت الأغنياء بيديها ولا تنحني قلبها، وتقدم ابنها للثورة وهي تعرف الثمن. أراد كنفاني القول إن الفقر لا يبرر التنازل، بل العكس: الفقراء هم آخر من تبقى معه رأس المال الحقيقي، أي الكرامة، ولهذا يقاتلون أشرس من غيرهم. تتصل هذه الفكرة بجذوره الطبقية وقراءاته الاشتراكية، فقد رأى القضية الفلسطينية معركة فقراء في جوهرها، وخاف عليها من أموال تشتري القرار وتدجّن البندقية. ما زالت هذه المعادلة تُقرأ اليوم بوصفها نبوءة مبكرة عن مخاطر ارتهان القضايا لمن يمولها.
ملحوظة مهمّة وعلى هامش المقال:
قناع فارس فارس والنقد الساخر
أخفى كنفاني وراء اسم “فارس فارس” المستعار وجهاً آخر من وجوهه الأدبية، هو وجه الناقد الساخر اللاذع الذي يحاكم الوسط الثقافي العربي بلا مجاملة. بدأ هذا الخط بمقالات قصيرة نشرها في جريدة “المحرر” تحت عنوان “بإيجاز” عام 1965، ثم اتسع في “ملحق الأنوار” الأسبوعي عام 1968، وواصله في مجلة “الصياد” من شباط حتى تموز 1972، أي حتى أسابيع قليلة قبل اغتياله. اختار الاسم المستعار كي يتحرر من صورة الروائي الملتزم والناطق السياسي، فكتب بلغة ساخرة جارحة عن الكتب الرديئة والنقاد المتواطئين والجوائز المجاملة وادعاءات المثقفين، وكشف الفارق بين حماسة الشعارات وفقر المنجز. حافظ على سرية القناع بدرجة جعلت كثيرين يجهلون هوية الكاتب حتى بعد استشهاده. جمع الناقد اللبناني محمد دكروب (1929-2013) هذه المقالات لاحقاً وقدّم لها، فصدرت في كتاب يحمل عنوان “فارس فارس” عن دار الآداب، ويضم أكثر من 70 مقالة. تكشف هذه الكتابات أن صاحب “رجال في الشمس” كان يملك حس فكاهة قاسياً وذائقة نقدية صارمة، وأنه طبّق على المشهد الثقافي المبدأ نفسه الذي طبّقه على السياسة: لا قداسة لأحد، والرداءة خيانة ثانية للقضية. يعدّ الدارسون هذا القناع اليوم جزءاً أصيلاً من مشروعه لا هامشاً عليه، لأنه يكمل صورة الكاتب الذي حارب على جبهات ثلاث: الاحتلال، والخطابة الفارغة، والفساد الثقافي.
*كاتبان فلسطينيان
وسوم :
أدب المقاومة, تهاني نصار, صمود, عبد الرحمن جاسم, غسان كنفاني, فلسطين المحتلة