19 قصةٌ قصيرة عربية حكت المقاومة
يوليو 31, 2026 6:00 ص
*د. تهاني نصّار وعبد الرحمن جاسم
أحبَّ الشعب العربي القصص للغاية، فروى الكثير، وكتب الكثير، وترك أثراً على الجدران منذ بدء الخليقة وحتى اليوم. تروي آثار المنطقة منذ بوابة عشتار، إلى حوائط جبال الهجّار أنَّ شعوب هذه المنطقة روت كل الوقت ما حدث ويحدث معها. ولأننا بطبعنا شعبٌ “طبعه حامي” و”قليل الانتظار” ملنا للقصّة الأقصر، الحكاية التي تقال بسرعة، تحكى على عجل، وتعرف سريعاً لابل وتنتهي بذات السرعة كذلك. لهذا السبب طال إنتظار العرب لأوّل روايةٍ عربية، فلم تأتِ إلا مع بدايات القرن العشرين حينما صدرت زينب لمحمد حسين هيكل في العام 1913 (ولو أنَّ كثيرٌ من نقاد وباحثين يشيرون إلى أنَّ هناك تجاربٍ سبقتها)، فيما يشار إلى أّنَّ القصة القصيرة -لا بمفهومها الحديث- قد وجدت في بلادنا منذ آلاف السنين. ولأن بلادنا قد ابتلاها الله بالكثير من الأعداء مذ وجدت، شكّلت القصة القصيرة إذاً خلال أعوامٍ طوال ميداناً واسعاً لتمجيد فعل “المــ قــ اومــ ة” ورفض “العدوان” و “الإحتلالات”. من هنا جاء قرارنا نون الروح وأنا أن نتحدّث عن 19 قصةً قصيرةً عربية حكت المــ قــ اومــ ة ومجدتها، بدءً من الكتّاب الذين لم يكتبوا سوى عن هذا الموضوع كالشهيد غسان كنفاني وإميل حبيبي وصولاً حتى الذين كتبوا كثيراً من أمور من بينها هذا النوع الأدبي. هذا المقال الذي نختم به مقالاتنا التسعة عشر والتي ستصدر إن شاء الله ضمن كتابٍ يجمعها ويوحدها في معرض بيروت العربي والدولي القادم للكتاب بعد حوالي الأشهر الثلاثة من العام الحالي 2026، لم يقتصر الحديث فيه على رفض الاحتلالات، بل أيضاً على رفض الدكتاتوريات والأنظمة المدمّرة للشعوب القاتلة لها.
- أرض البرتقال الحزين
من الطبيعي أن تبدأ مجموعتنا التي اخترناها من القصص القصيرة مع الشهيد الفذ غسان كنفاني وخصوصاً مع قصته التي عنون بها مجموعته “أرض البرتقال الحزين”، المجموعة التي صدرت في العاصمة اللبنانية بيروت في العام 1962. تحكي القصّة فرار عائلة طفلٍ من يافا ثم عكّا، حيث يحمل الوالد قبل الرحيل حباتٍ من برتقال أرضه، مع الهجرة القسرية تحت ضربات الاحتلال العدو المدعوم غربياً بكل قوةّ (تحديداً بريطانياً وفرنسا في تلك المرحلة). تذبل البرتقالات تباعاً ويصبها اليباس، هذا الأمر لا يقف عند حدود النبات، بل أيضاً سرعان ما يتسلل للبشر فنجد الأب قد أصابته نفس الحالة، فيهرم وينهار في المنفى. تختصر البرتقالة الذابلة كل ما خسره الفلسطيني حين اقتُلع من أرضه. قصةٌ قوية عميقة، وفيها الكثير من النفس “الكنفاني” الخاص التي ميّز أدبه بأكمله: الأرض وما سواها تجعل الأنسان يقاتل ويعيش ويحيا ويستشهد.
2. ورقة من غزة
تعود هذه القصة إلى المجموعة نفسها: “أرض البرتقال الحزين”. أتت هذه القصة على شكل رسالةً يبعثها الراوي إلى صديقه مصطفى الذي سبقه إلى كاليفورنيا في الولايات المتحدة الأميركية حيث هاجر. كان الراوي قد اختار اللحاق به وترك غزة خلفه، وكعادة أي مهاجر، قرر أن يذهب لوداع أهله، فرأى ابنة أخيه نادية وقد بُترت ساقها لأنها رمت بجسدها فوق إخوتها الصغار تحميهم من قصف العدو المجرم. انقلب كل شيء في تلك اللحظة: قرّر الراوي أن يبقى في بلاده، وأن يرفض المدن البعيدة والهجرة وراحتها، وكتب لصديقه يعتذر عن وعدٍ لم -ولن- يفِ به. تدور القصة كلها حول تلك اللحظة التي يتحوّل فيها الإنسان من باحثٍ عن خلاصه وحده إلى منحازٍ لأهله وأرضه ومستعدٍ للمقاومة أياً كانت النتيجة. أهمية هذه القصّة أنّها فتحت الباب مشرعاً أمام فكرة “أن خلاصنا لا يكون إلا بتواجدنا معاً”.
3- لا شيء
تأتي هذه القصّة كختام لمجموعة “أرض البرتقال الحزين” بمشهد رجلٍ فلسطيني يصفه الناس بالجنون لأنه قرّر حمل السلاح والمقاومة ولو أدى ذلك إلى استشهاده أو اصابته أو اعتقاله. هنا فكرة “الجنون” وربطها بالفعل المقاوم مقصودة من كنفاني، فما يسمّيه العالم الآخر “جنوناً” هو عند كنفاني -كما عندنا نحنُ- الوعي الأصدق بضرورة المقاومة، والاستسلام هو العقل المزيّف الخائف والخائن والجبان. مهد كنفاني بهذه الخاتمة لما سيصير قلب مشروعه لاحقاً في مجموعته عن الرجال والبنادق، حيث يربط بوضوح بين الرجل/المقاوم الحامل لبندقيته بشكل مشرع وبين استعادة الأرض. تقف القصة جسراً بين مرحلتين في كتابة الشهيد الراحل: تصوير المأساة، ثم الدعوة إلى الفعل. أعلنت هذه المجموعة وهذه القصّة تحديداً مبكراً أن الأدب الفلسطيني قد غادر البكاء على النكبة نحو التبشير بالمقاومة. هنا نرى أن “لا شيء” لم تكن نهاية للمجموعة كما يبدو، بل بداية مشرعة للطريق.
4- الصغير يستعير مرتينة خاله ويُشرّق إلى صفد
هذه القصّة صاحبة العنوان الخلاب أتت من مجموعة «عن الرجال والبنادق» والتي صدرت أيضاً في بيروت في العام 1968، والمجموعة هذه هي عملٌ قصصي مترابط أقرب إلى الرواية القصيرة، بناه كنفاني على وقائع ثورة فلسطين الكبرى سنة 1936 وعلى شهادات جمعها من سكان المخيمات وهو يستمع إلى ذكرياتهم. تصوّر هذه القصّة القصيرة فتى صغيراً يأخذ بندقية خاله التي يسمّيها الفلسطينيون “المرتينة” وهي بندقية إنكليزية شهيرة قديمة بعض الشيء، لكنها اعتبرت من سمات “ثورة 1936” ورجالاتها الكبار. يحمل الفتى البندقية الأثرية التراثية ثم يتجّه شمالاً نحو صفد تاركاً كل شيءٍ خلفه ذاهباً باتجاه تحرير فلسطين. يربط كنفاني منذ العنوان بين الرجال والبنادق، لقناعته بأن السلاح هو الطريق الأصدق والأكثر مباشرةً لاستعادة البلاد. أهمية هذه القصة هي في الربط التاريخي والمعنوي والثقافي بين ثورة 1936 وبين ما حدث ويحدث وسيحدث. لقد أراد الشهيد الإشارة إلى أنَّ المقاومة ليست حدثاً طارئاً، بل امتداد لذاكرة كفاحية قديمة الجذور، فمن مشهد طفلٍ يحمل بندقية أكبر منه تبدأ الحكاية كلها.
5- أبو الحسن يقوّص على سيارة إنكليزية
هنا أيضاً لا نزال ضمن ذات المجموعة “عن الرجال والبنادق”، لكن كنفاني ينقلنا إلى قلب المواجهة المسلحة مع قوات الانتداب/الاحتلال البريطاني إبان ثورة 1936. يومها يطلق أبو الحسن النار على سيارة إحتلال إنكليزية تضم جنوداً ومسلحين. يجسّد هذا المشهد بطولة الرجل العادي الذي تصنعه الظروف الصعبة، فيتحول من إنسان بسيط إلى مقاوم يواجه أعتى قوة استعمارية إمبريالية إحتلالية في زمنه. واصل كنفاني هنا مشروعه في تمجيد الكفاح المسلح وربطه بذكرى الثورة الفلسطينية الكبرى، مستنداً إلى شهادات حقيقية جمعها من أفواه من عاشوا تلك الأيام والتجارب. لقد نقلت هذه القصّة كيف ظهر أساساً فعل المقاومة وانتقل من مستوى الرمز إلى مستوى الفعل الملموس، وذكّر بأن الثورة الفلسطينية سبقت النكبة بعقد كامل.
6- حامد يكفّ عن سماع قصص الأعمام
في هذه القصّة وأيضاً من ذات المجموعة، عالج كنفاني كيفية انتقال الجيل الجديد من الاستماع السلبي غير الفاعل إلى حكايات الآباء والأجداد واتجاههم نحو الفعل المباشر المقاوم والفعال. يقرّر حينها حامد الكف عن سماع البطولات ليصنع بطولاته الخاصة وبنفسه. تتجدد المقاومة عبر الأجيال، ولا يكفي ماض مجيد ما لم يصنع حاضرُ جديد مشابه. كتبت هذه القصّة لتصوّر كيف أنّ المقاومة كفعلٍ مستمر تحمل من الأجداد إلى الأحفاد في فعلٍ استمراري تراكمي لايمكن تجاهله أو استثنائه والغائه. أهمية هذه القصّة تحديداً في أنّها أظهرت كيف أنَّ السماع مهم والمعرفة كذلك مهمة، لكن الأهم هو المراكمة عليها وحفظ التاريخ والتعلّم منه وحمل البندقية بمواجهة عدو متوحش خيرٌ ألف مرةٍ من مدح تاريخ الأجداد وقوتهم وبطولاتهم فحسب.
7- شيء لا يذهب
تأتي هذه القصّة من مجموعة “موت سرير رقم 12” (بيروت، 1961)، إنها لربما من أقوى القصص التي كتبها كنفاني. لقد ارتفعت مهارات وعضلات الكاتب الشهيد، لقد أراد أن يصوّر لنا القضية الفلسطينية وكيف أنّها “تظهر” في كل مكانٍ في حياتنا، حتى ولو ابتعدنا وهاجرنا: إنها تصبحٌ بشكلٍ أو بآخر: نحنُ. بطل هذه القصة القصيرة مهاجرٌ نراه في شوارع إيران وقطاراتها، يجول ويتأمل ويتفرّس لكن في قلبه لايزال يتذكّر “حيفا” مدينته الفلسطينية المحتلّة وأيام صباه هناك مع حبيبته “ليلى”. يقاوم البطل العدو المحتل في “حيفا” مع حبيبته، لكنه سرعان ما يكتشف بأنَّ “ليلى” قد قبض عليه “اليهود”(كما يسميهم بدقة في القصة) واعتقلوها وعذّبوها جراء عملها في المقاومة ثم “اغتصبوها”، بحسب تعبيرها “لمدة سبعة أيام”. ليرد هو شعرت كما لو أنّها قالت: “لقد كنتُ أصلي طوال تسعة أيّام”. تتركه “ليلى” لأنّها لم تجد فيه الرجل الذي تتمناه بشكلٍ أو بآخر، هو يقول لنا هذا بوضوح، كيف أنّه “لم أكن أستحق ليلى، كانت أحسن مني بكثير، كنت جباناً، أخاف من الموت. ورفضتُ أن أحمل السلاح دفاعاً عن حيفا”. هو يخبر كيف أنَّ ليلى رفضت نهائياً الخروج من المدينة المحتلة، وبقيت هناك “تقاوم” دفاعاً عن مدينتها المدهشة الجميلة، فيما هو فر هارباً. ينهي كنفاني القصة بسؤال هو الأهم لربما: لماذا تلح علي هذه الإنسانة الرائعة طوال ثماني سنوات؟
8- منتصف أيّار
ميزة هذه القصة من ذات المجموعة “موت سرير رقم 12” أنها تأتي كما لو أنها إجابة على السؤال في القصة التي سبقت: إننا أمام رجلٍ آتٍ لزيارة قبر صديقه بعد إثنتي عشر سنةٍ على استشهاده إثر مواجهاتٍ مع العدو المحتل. يحمل كلا الشابان الفتيان بنادقهما للدفاع عن قريتهما الوادعة الهادئة أمام العدو المتوحش المجرم. يقاتلان ونرى حقيقة المواجهات بين شبانٍ غير مدربين، غير مجهزين بمقابل عدوٍ مدربٍ مجهزٍ مدعّم يحمل القنابل. واحدةٌ من هذه القنابل تأتي لتصيب صديقه، فيستشهد ويدفن بثيابه، كما هي عادة الشهداء. أهمية هذه القصة كما أشرنا أن كنفاني يفرغ فيها وجهة نظره الجميلة، الواقعية، والحقيقة الصادقة: إنه لايستطيع نسيان صديقه، ولا لأجل ماذا قد استشهد، فهو يحمل “عذاب التذكّر” ويعود إلى القبر كل سنةٍ محملاً بالورود، وأكثر. لقد كبر وجعلته الخيمة أشد خشونة، ويقينه الوحيد بأن على البعض “أن يرحلوا ويستشهدوا” كي يعيش الآخرون بسلامٍ وأمان. هنا أجاب كنفاني عن أنَّه على من رحلوا ولم يقاوموا أن يعودوا للفعل المقاوم، حتى ولو ابتعدوا فهذا مكانهم الطبيعي.
9- إلى أن نعود
تأتي هذه القصة القصيرة من مجموعة “القميص المسروق” (بيروت، 1982) التي تروي حكاية رجلٍ من النقب. رجلٌ قتلت زوجته أمامه بواسطة الاحتلال الهمجي المجرم. يصف كنفاني مشهد قتلها بدون أي “مبالغة” أو “تخفيف”: إنه يصف الأمر كما حدث. فعلٌ إجرامي لقتلةٍ يمارسون هذا الفعل بتلذذ. هنا يقرر البطل أن يحمل “الديناميت” لتدمير “خزان” مياه يستعمله هؤلاء المحتلين لسقاية الأرض التي أخذوها منه ومن زوجته الشهيدة، وأهل قريته الوادعة. يروي كنفاني ببطءٍ وهدوء ومهارة كيف يقرر هذا الرجل الانتقام لزوجته لأنه لا يرى إلا ذلك كفعلٍ حقيقيٍ فعالٍ. إنه لا يتوقّف عن قيامه بهذا الأمر، لسببٍ شديد البساطة، لا للانتقام فحسب، ولا لأنّه يريد تدمير هؤلاء الوحوش، بل لأنه لن يتوقف: إلى أن نعود.
10- دربٌ إلى خائن
في هذه القصّة -من ذات المجموعة “القميص المسروق”- نجد كنفاني يعود إلى ذكاءه المفرط في رواية أحداث رآها أو عاينها بشكلٍ أو بآخر. يلتقي بشخصٍ يتعرّف إليه في الكويت، ويفهم منه أنه عائدٌ إلى فلسطين وإلى قريته تحديداً لتنفيذ أمرٍ شديد الخطورة: عليه أن يقتل خائناً. يشعر الراوي بأن عليه السؤال حول الموضوع أكثر، لنكتشف بأن الخائن الذي يريد قتله هذا العائد هو “شقيقه” وبأنه لا أحد غيره “يعرف” بأن هذا الشقيق هو الخائن سواه. يشرح العائد كيف أنَّهم في البداية تغاضوا عن “إرادة الأخ أن يعيش” و”أنه يريد الحياة” و “يحب الحياة” لكنه سرعان ما أصبح “يشي بالمقاومين لليهود” مما تسبب في إيذاءهم وسجنهم. هنا يقرر الأخ ترك الكويت والعودة لفلسطين “تهريباً” لقتل “شقيقه” الخائن. تكشف النهاية أنَّ الأخ لايستطيع دخول الأردن، فهو ممنوعٌ من دخولها. يعتقد الراوي بأن الأمر قد انتهى، لنفهم في الختام بأنَّ العائد سيدخل الأردن تهريباً، ثم إلى فلسطين لقتل الخائن. هذه القصة هي واحدة من أكثر قصص كنفاني نباهةً في القول بأنَّ الخائن، الذي “يريد العيش” و”يحب الحياة” ضمن منطق “العمالة” ستصله اليد التي ستسكته ومن أقرب الناس إليه.
11- خبز الفداء
تعتبر الكاتبة الفلسطينية سميرة عزام (1927-1967) إبنة مدينة عكا والتي نزحت إلى لبنان “رائدة القصة القصيرة الفلسطينية”، وقد سبقت غسان كنفاني زمناً وأثّرت في جيله بشكلٍ أو بآخر، قبل أن تودّعها نوبة قلبية سنة 1967 إثر نكسة حزيران. وقد كتبت هذه القصّة التي تعتبر من أشهر قصصها ضمن مجموعتها القصصية الثالثة التي حملت عنوان: “وقصص أخرى”، وقد صدرت عن دار الطليعة في بيروت في العام 1960. رصدت فيها الحالة الفلسطينية بعد نكبة 1948 عبر شابٍ يقرر أن يدخل فعل المقاومة، فيتعرّف هناك على زميلةٍ مقاومة مثله “سعاد” سرعان ما يشعر بالحب تجاهها. لاحقاً يقاوم الاثنان العدو في غير مكان، اللافت أنَّ سعاد تتولى إطعامه وإطعام زملائه من المقاومين. لاحقاً يتقابلان فتشرح له بأنها لم ترد بأن ترحل بعيدا لكن أهلها قد ضغطوا عليها للقيام بذلك رغماً عنها. يستمر الفعل المقاوم في الرواية إلى أن يجد أبطالنا أنهم أمام عدو مدعمٍ بكل الأسلحة الحديثة والآليات المتطوّرة. تستشهد سعاد، فيقرر هو حمل اللواء والمقاومة حتى آخر رمق مشيراً إلى أن عليهم في البداية أن يأكلوا ويسدوا رمقهم، قائلاً بأنَّ “سعاد لم تكن ترضى أن يموتوا جوعاً”. أهمية هذه القصة كيف أنّ الكاتبة ربطت بين الدور النسائي شديد الأهمية في الثورة الفلسطينية والأرض والمقاومة بشكلٍ عام وخاص في آنٍ معاً. لقد تحدثت عن الحب وجماليته حينما يكون في إطاره الأقدس.
12- في الطريق إلى برك سليمان
تأتي هذه القصة من ذات المجموعة “وقصص أخرى” حيث تروي حكاية زوجين يفران من أمام العدو الغاشم، إنها قصةٌ تتكرر وستظل تتكرر طالما أنَّ هؤلاء المجرمون القتلة يعيثون فساداً في بلادنا. يقاوم البطل وزوجته لكنهما في النهاية يحملان إبنهما الطفل ويرحلان ركضاً. سرعان ما يكتشف البطل بأنَّ طفله قد أصيب بطلقةٍ نارية قاتلة. يدفنه تحت جذع شجرة من أرض بلاده، وينظر صوب انتقامه فلا شيء يعيد له صوابه إلاه. ميزة هذه القصّة أنها كتبت في العام 1960، أي منذ سنواتٍ طويلة ينسى الناس -أو يتناسون- وحشية هؤلاء المجرمين، وكيف يقتلون الأطفال والنساء والرجال بدون أن يفكروا في الأمر حتى. قوة القصة في لغتها البسيطة المباشرة التي تظهر كيف أن الكاتبة لم تفكر إلا في إيصال الفكرة والصورة وما حدث، ولم تهتم بأي شيءٍ آخر أياً يكن.
13- حين سعد مسعود بابن عمه
تفتح هذه القصة المجموعة القصصية “سداسية الأيام الستة”(1968) للفلسطيني إميل حبيبي، وتُعدّ قصتها المفتاح. حبيبي هو ابن مدينة حيفا، من ضمن فلسطيني الداخل المحتل والذين بقوا في أرضهم بعد نكبة العام 1948، لاحقاً تحول إميل إلى أحد أبرز كتّاب ومثقفي “فلسطينيّي الداخل”، وجمع بين العمل الشيوعي والنيابة في الكنيست والصحافة قبل أن يكتب روايته الأشهر “المتشائل”. تروي هذه القصة حكاية الطفل مسعود والذي يعرفه الجميع بحسب لقبه “فجلة” الذي كان أبوه من العرب الباقين في أرضهم بعد النكبة، وأعمامه من المشرّدين خارجها. وحين أتت هزيمة العام 1967، يلتقي شطرا العائلة الواحدة في مشهدٍ مفارق يجعل من الهزيمة سبباً لـ”عودة” معكوسة ساخرة. كشفت القصة عمق المأساة في تقسيم الشعب الواحد بين داخلٍ وخارج. اختار حبيبي عين الطفل ليضاعف المرارة عبر البراءة، فجعل “سعادة” مسعود بلقاء ابن عمه نافذةً على حزنٍ أعمق. صوّر بها انقسام الجغرافيا الفلسطينية بذكاءٍ بالغ، وحوّل لحظة اللقاء العائلي إلى إدانةٍ صامتة لواقع التشتت الذي فرضته النكبة ثم النكسة. في فرحة طفلٍ واحدة اختصر حبيبي مأساة شعب بأكمله. تمتاز القصّة كما كل كتابات حبيبي بلغةٍ خاصة، قاسية، ساخرة.
14- أم الروبابكيا
قصةٌ عميقةٌ من ذات المجموعة “سداسية الأيام الستة”، هذه المرّة يغوص حبيبي المفتون بطريقة الكتابة شبه السوريالية، في حديثه عن سيدة يسميها أم الروبابكيا. تجمع هذه السيدة بقايا وآثار وتحف من بيوتٍ هجرها أصحابها أو هجروا منها قسراً. يركز حبيبي على أن هذه المرأة التي يحاكمها الآخرون بالكلام وبالتوصيفات وسرد القصص غير الحقيقية عنها، إنما تجمع الذكريات وتحافظ عليها، وتنتظر عودة أصحاب “الروبابكيا” إلى أغراضهم التي تجمعها هي بانتظار عودتهم لإعادتها إليهم. تشبه هذ المرآة كما يرى “حبيبي” فلسطين المنتظرة لعودة أولادها من كل بقاع الأرض التي حصلت فيها “هجرتهم” إنها تنتظر بفارغ الصبر “عودتهم” لتعطيهم ذكرياتها، وكل ما تركوه هناك: إن فلسطين لا تنسى.
15- النمور في اليوم العاشر
كتب الكاتب السوري زكريا تامر (وُلد 1931) هذه القصة عنواناً لمجموعته الصادرة عن دار الآداب في بيروت سنة 1978. تامر ابن العاصمة السورية دمشق الذي ترك المدرسة مبكراً وعمل حدّاداً عمل على تثقيف نفسه بنفسه، فقرأ وقرأ وكتب حتى صار من روّاد القصة القصيرة في الوطن العربي. تميّز تامر بأسلوبٍ رمزي مكثّف ساخر يصوّب سهامه نحو الاستبداد والقهر. وفي هذه القصة التي تحكى على لسان “مدرب نمور” يحاول تعليم إبنه “مهنة الترويض”: إنه يظهر له كيف يتم تحويل نمرٍ شرس وقع في الأسر إلى كائنٍ ضعيف هجين. تروي القصة كيف صار حال النمر من خلال ترويضه عبر مروّضٌ محترف في عشرة أيام من خلال سلاح التجويع. هنا ينقلب النمر من كائنٍ حرّ قوي إلى كائنٍ خانع يقلّد القطط ويموء مقابل قطعة لحم لا تأتي. صاغ الكاتب الموهوب من خلال هذه القصة إسقاطاً سياسياً بالغ الوضوح عن كيفية إخضاع الحكام الطغاة شعبهم من خلال الجوع والإذلال ومحو الهوية، فيُروَّض الإنسان الحرّ كما يُروَّض الوحش. صارت القصة من أشهر النصوص الرمزية في الأدب العربي الحديث.
16- ملخص ما جرى لمحمد المحمودي
تأتي هذه القصة من ذات المجموعة -النمور في اليوم العاشر- لزكريا تامر، حيث تروي حكاية المحمودي الرجل الهرم البسيط الذي يموت فجأةً فيدفن، ليتم نبش قبره وإخراجه ليتسنى للأمن التحدث إليه. يتهمه رجال الأمن بأنه تحدث عن الحكومة وفي السياسة. يرفض الأمر فهو لايفهم في السياسة ولا يعرف الحكومة، ليخبروه بأنه إذاً طالما لم يتحدث عن الحكومة فهو لم يجد لها أية ميزات، وبالتالي فهو يهاجمها في قلبه. سرعان ما تجد هذه القوة الأمنية “عملاً” لهذا “الميت”، عليه أن يكتب تقاريراً بمن يحضر إليه، أو من يحضر إلى أي مكانٍ قريبٍ منه. هذه القصة هي على عادة تامر في تقديم قصصٍ تبدو سوريالية خيالية، لكنها تقدّم صورةً شبه واقعية عن الحياة تحت حكم الديكتاتوريات أياً كان لونها أو شكلها.
17- الخبيزة
هذه القصة القصيرة للغاية هي من مجموعة “حكاية الناس والحجارة” للكاتب الفلسطيني رشاد أبو شاور(1942-2024) وهو قاصّ وروائي فلسطيني وُلد في قرية ذكرين قضاء الخليل، وهُجّر منها طفلاً في نكبة 1948، انخرط مبكراً في صفوف المقاومة الفلسطينية وتولّى مناصب في مؤسسات منظمة التحرير. يعتبر أبو شاور من أبرز كتّاب أدب المقاومة والالتزام، ترك مجموعات قصصية أوّلها “ذكرى الأيام الماضية” (1970) وروايات أشهرها “أيام الحب والموت”. تروي القصّة البسيطة للغاية كيف أنَّ مجموعة نسوةٍ فلسطينيات يخرجن من منازلهن في مخيم بلاطة الفلسطيني “لتبقيل الخبيزة”، وهي عادةٌ شعبية يقوم بها أبناء الريف في “قطع الخبيزة” النبتة الشعبية الشهيرة والتي هي في الأصل من حشائش الأرض الأصلية، أي أنها لا تزرع، بل تنبت وحدها. سرعان ما يرتاب جنود الاحتلال بما تقوم به هاته النسوة، فتبدأ الأسئلة من جندي وضابطٍ محتلٍ لصاحبات الأرض اللواتي يسخرن من أن هؤلاء الجند القادمين من بلادٍ بعيدة لا يعرفن أبسط الأشياء عن الأرض التي أتوا لاحتلالها، ولا ينسى أبو شاور أن يشير إلى وعي النساء السياسي حين يشرحن بأن “من أقعد هؤلاء على قلوبنا” هو “الأميركي والغربي”. قصةٌ سريعة، قصيرة، ذكيةٌ ومباشرةٌ للغاية، لا فلسفة فيها من أي نوع إلا في المكان الصحيح.
18- المعلم
امتازت قصص أبو شاور بالذكاء الشديد، المباشرة، والسردية البسيطة، وهذه القصّة هي من ذات النوعية -وهي من نفس المجموعة القصصية-. تروي الحكاية كيف ألقى العدو القبض على طفلٍ في السادسة من عمره يرميهم بالحجارة كفعلٍ مقاوم، وحينما تحلقوا حوله وبدأوا بضربه إعترف بأنَّ شقيقه “محمد” هو من “علّمه” القتال، والوقوف بوجه الأعداء المحتلين. بالطبع هرع جنود الاحتلال إلى منزل الفتى لإلقاء القبض على شقيقه “الإرهابي” الذي علّمه كل هذا. هنا تأتي المفاجأة حينما يفتح والد الفتى الباب لهم، ليخبرهم بأنَّ لديه طفلان هذا الذي قد ألقوا القبض عليه، وشقيقه “محمد” ذو الثلاثة أعوام. اللافت في هذه القصة هي إنتشارها الشديد عبر مواقع التواصل الاجتماعي دون أي إشارة لصاحبها الأصلي وكاتبها أبو شاور. يحسب للكاتب أنه يحب هذا النوع من القصص السريعة التي تعلق في الذهن، وتشرح لماذا نحنُ نقاوم هؤلاء المحتلين.
19- الوطني
تروي هذه القصّة حكاية فكرة “المقاطعة” إنما على طريقة أبو شاور البسيطة والشعبية والمباشرة. إنه اللحام أبو عبدالله، الذي خرج من بلاده وهو “لحام” أو “قصاب” أي يعمل في مهنة بيع اللحوم وهي مهنة آباءه وأجداده. يشرح أبو عبدالله كيف أنه وكل “اللحامين” في فلسطين قرروا عدم “أخذ” اللحوم التي تعطيهم إياها “حكومة شارون” (آنذاك) شارحاً بلغته المباشرة والبسيطة -أي لغة أبو عبدالله اللحام- كيف أنَّ “شارون اللي قتل ودبح أهلنا بصبرا وشاتيلا، هلق بده يعطينا لحمة ويهتم بصحتنا”. يشير أبو عبدالله إلى أهمية “مقاطعة” هذه البضائع، كما مقاطعة البضائع الأميركية، فالأميركيين الذين قتلوا السكان الأصليين لأميركا، وهجروهم وذبحوهم، الآن يريدون بيعنا بضاعتهم، وعلينا مقاطعتها كما مقاطعة اللحوم التي “يعيطنا إياها شارون”. أهمية هذه القصة أنها أتت في وقتٍ لم تكن فكرة “المقاطعة” بائنة وظاهرة كما هي اليوم. والحق يقال أن لغة رشاد أبو شاور من الأسهل والأسلسل عبر معظم الكتاب الفلسطينيين. لغةٌ لا صعوبة فيها من أي نوع.
*كاتبان فلسطينيان
وسوم :
تهاني نصار, ثقافة, صمود, عبد الرحمن جاسم, غسان كنفاني, قصة قصيرة, مقاطعة