19 رواية تستحق القراءة من العراق، السودان، تونس، ليبيا والجزائر

التصنيفات : |
أغسطس 6, 2026 6:00 ص

*د. تهاني نصّار وعبد الرحمن جاسم

قبل عامين تقريباً، وقبل الحرب الثقيلة القاسية والمتوحشة التي لا زالت مستمرةً على لبنان، بدأنا نون الروح وأنا في مشروع “الريجيم الثقافي” بشكلٍ تطبيقي من خلال اختيار رواياتٍ حديثةٍ من الوطن العربي. اخترنا أن نشرح في حصص ورشة الكتابة الإبداعية، لطلاب الورشة ومتدربيها من خمسة إلى سبع روايات من إحدى بلدان الوطن العربي، على أمل حال انتهاء دول الوطن العربي الانتقال إلى أميركا اللاتينية، ثم أوروبا، ثم بقية دول العالم. حدثت الحرب واستعرت، فبتنا أمام تحدياتٍ أصعب، مع هذا قرارنا بالاستمرارية لايزال حاضراً وممتداً، وسنكمله. بالعودة للمشروع بحد ذاته، جاء اختيارنا لهذه الروايات من دولٍ “لا يسلط الضوء الأدبي المعتاد عليها” كالسودان، ليبيا، وتونس، والجزائر، وإن سُلط جاء “محابياً” متجنباً كثيراً من الأدباء المهرة مثل حمور زيادة والحبيب السالمي وطارق الطيب وشهد الراوي، وكلّهم تقريباً لا يعرفهم كثرٌ في المشرق العربي بخلاف المتخصصين، من هنا آثرنا أن نغوص في هذه أدب الرواية في هذه الأوطان العظيمة مراقبين رواياتٍ صدرت ذات أهمية خلال العشرين عاماً الفائتة. جاء اختيارنا لهذه الكتب مزجاً بين مختلف أنواع “التقييمات” فراعينا، اللغة، الصنعة، الفكرة، التأثير، القوة، وكذلك أهمية الصانع/الكاتب ودوره. من هنا جاءت هذه الكتب بمثابة “تجميعةٍ” تستحق أن تسمى “ريجيماً ثقافياً” إذ إنها فعلاً من الأقوى في مجالها.

1. فرانكشتاين في بغداد: أحمد سعداوي

صدرت رواية “فرانكشتاين في بغداد” سنة 2013. تنتمي الرواية إلى  الواقعية السحرية والرعب السياسي، وقد حازت الجائزة العالمية للرواية العربية “البوكر” في العام الذي تلى إصدارها. فكرة العمل بسيطةٌ لكنها بنفس الوقت مرعبة، وهي تقارب رواية “ماري شيلي” الشهيرة “فرانكشتاين” ومن هنا جاء إسمها. يجمع بائع الأنتيكات “هادي العتّاك” أشلاء القتلى المتناثرة في شوارع بغداد أيام الاحتلال الأميركي لبلاده، ويخيطها في جسد واحد كي تدفن كإنسان كامل (ذلك أنه عرف بأن الأشلاء لا تدفن، أما إذا ما أصبحت جثة فإنها تدفن). فجأة ودون أي منطق تدبّ الروح في الجثة فتمتلك وعياً ومخلوقاً يسمّيه الناس “الشسمه”. ينطلق “الشسمه” منتقماً لكل ضحية أُخذت منها قطعة من بدنه، وكلما ثأر لواحدة تعفّن عضوها فاحتاج إلى عضوٍ مشابه بديل، حتى تصير العدالة دوامة قتل لا تنتهي، وتختفي فكرتها ويصبح “القتل” فعلاً لأجل البقاء بالنسبة “للشسمه”. كتب هذه الرواية الروائي والشاعر العراقي أحمد سعداوي، المولود في بغداد سنة 1973، بعد تجارب في الشعر والصحافة وأعمال مثل “البلد الجميل” و”إنه يحلم أو يلعب أو يموت”، وكان أول عراقي يفوز بجائزة البوكر العربية. يحسب للرواية أنها من ضمن قلائل الروايات العربية التي حوّلت رعب الشارع العربي إلى مجاز بهذا الذكاء القاسي. أمسك سعداوي  بجوهر الحرب الأهلية حين جعل الضحية والجلاد يتبادلان المواقع حتى يعجز المرء عن تمييزهما، فنقل مأساة العراق من لغة التقارير إلى لغة الأسطورة، وبلغت ترجمتها الإنكليزية القائمة القصيرة لجائزة “مان بوكر” الدولية سنة 2018، وفتحت الرواية أمام العراقيين باباً للكتابة عن العنف بلا تفلسف ولا لغة خطابية.

2. فهرس: سنان أنطون

ينتمي سنان أنطون، الشاعر والروائي والمترجم العراقي المولود في بغداد سنة 1967، إلى جيل كتب العراق من المنفى الأميركي حيث يدرّس الأدب العربي في جامعة نيويورك ويعيش منذ سنوات. صدرت هذه الرواية في العام 2016، وبلغت القائمة الطويلة للبوكر العربية سنة 2017. راوي العمل هو العراقي المغترب “نمير”، الذي يعود في زيارة قصيرة إلى بغداد بعد الاحتلال الأميركي، فيلتقي في شارع المتنبي -أشهر شارع لبيع الكتب الجديدة والمستعملة في بغداد- ببائع كتب اسمه “وَدود” يعمل على مشروع غريب عنونه “الفهرس”. يحاول ودود من خلال “فهرسه” أن يؤرشف الحرب لا من جهة القتلى وحدهم بل من جهة الأشياء والحيوانات وحتى اللحظات التي لا يسجّلها أحد. إنه فعلياً مشروع مستحيل، ولربما كان هذا تحديداً سرّ جماله. واحدة من ميزات الرواية أن القارئ يشعر بأن الكاتب يطارد ظلاً لا يُمسك، إذ تتقاطع دفاتر ودود مع يوميات نمير في نصّ عن الذاكرة واستحالة الإحاطة بالخراب. حمل سنان أنطون الكتاب أسئلة مهمة حول أهمية ودور فعل الكتابة نفسه في زمن الكارثة، وطرح سؤالاً موجعاً عن كيفية فهرسة ما لا يُحصى، فاعتمد على تعدد الأصوات وتداخل السرد واليوميات والتأمل، وأضاف إلى تيار “أدب المنفى العراقي” نصّاً يكتب الوطن من بعيد ويجرّب في البناء واللغة.

3. الحفيدة الأميركية:  إنعام كجه جي

تروي “الحفيدة الأميركية” للروائية والمترجمة العراقية المقيمة في باريس إنعام كجه جي، حكاية فتاة عراقية الأصل أميركية الجنسية، الهوى، والسلوك، والمنطق تعود إلى بلد أهلها مترجمةً في صفوف الجيش الأميركي يوم غزو 2003، فتكتشف أنها تدخل وطنها الأول تحت راية الاحتلال الذي تنتمي إليه فيما لا تشبهها بلادها في شيء. تتمزق البطلة -وإن بشكلٍ قليل- بين ولائها لأميركا التي احتضنتها وربتها وكبّرتها -كما تعتقد بلا مقابل- وحنينها إلى بغداد التي صارت تراها من فوهة دبابة تركبها هي نفسها. تزداد أزمة البطلة حين تلتقي جدتها الباقية في البلد وأخاها بالرضاعة المنخرط في المقاومة ضد الاحتلال الذي تمثله هي. إنها ليست فقط حكاية عائلة واحدة على ضفتي حرب: بل أيضاً نقاشٌ حقيقي حول مفهوم الوطنية، الولاء، والإحتلال. واحدة من نقاط القوّة والضعف في آنٍ معاً في الرواية أنها لا تدين بطلتها ولا تبرّئها، بل تتركها معلّقة بين نارين، طارحةً أسئلة الهوية والانتماء والخيانة بلا أحكام جاهزة، وهذا يحسب لها، لكنه بنفس الوقت أفقد الرواية كما الروائية نفسها “تحديد” مكانها. أهمية العمل من جهة أنه طرح لربما للمرة الأولى سؤال “المغترب العراقي” و”المولود العراقي في الخارج” و”المهاجر” الذي لم يعد عراقياً/عربياً سوى بالإسم.  يذكر أن الرواية قد صدرت عن دار الجديد سنة 2008، وتُرجم إلى الإنكليزية والفرنسية. يحسب للعمل هدوءه، لغته المشذّبة وصوته الأنثوي القوي المنتمي لطبقة اجتماعية وسطية ثرية.

4. ساعة بغداد: شهد الراوي

صدرت “ساعة بغداد” التي كتبتها الكاتبة العراقية الشابة شهد الراوي (مولودة في العام 1986)، عن دار الحكمة في لندن سنة 2016، وبلغت القائمة القصيرة للبوكر العربية سنة 2018 ونالت جائزة الكتاب الأول في مهرجان إدنبرة الدولي للكتاب العام نفسه. شهد الراوي التي تعيش بين العراق ودبي كانت هذه أولى رواياتها قبل أن تتبعها بأعمال منها “القيامة الآن”. تروي الكاتبة من خلال “طفلة” حكاية وجودٍ من داخل الملجأ، فتخرج الحرب أكثر إيلاماً مما لو رُويت من ساحة المعركة. كتبت الراوي الحرب من منظور الطفولة والذاكرة الحميمة لا من منظور السياسة، فأعطت صوتاً لجيل نشأ في ظل العقوبات الغربية والإحتلالية الجائرة التي فرضت على العراق وشعبه، ومزجت الواقع بلمسة حالمة ولغة رشيقة قريبة من القارئ الشاب، فأبرزت جيلاً جديداً من الروائيات العراقيات. تروي الرواية طفولة أبناء التسعينيات في حيّ راقٍ ببغداد على لسان فتاة تكبر وسط الحصار والغارات، إذ تبدأ الحكاية في ملجأ تحت القصف حيث تنعقد صداقة عمر بين البطلة ورفيقتها “نور”، ثم يكبر الأطفال وتتبدّل بغداد بعد 2003 فيتفرّق الأصدقاء بين البقاء والرحيل، وتبقى الساعة القديمة في الحيّ رمزاً لزمن كان ولن يعود.

5. الديوان الإسبرطي: عبد الوهاب عيساوي

تدور الرواية الجزائرية “الديوان الإسبرطي” للروائي الجزائري عبدالوهاب عيساوي في مدينة الجزائر بين سنتي 1815 و1833، أي في اللحظة الفاصلة بين أفول الحكم العثماني وبداية الاحتلال الفرنسي، وتروي مصائر خمس شخصيات متقاطعة هي صحفي فرنسي وجندي في جيش الاحتلال وامرأة جزائرية ورجلان من أهل البلد يختلفان في موقفهما من الغزو. خمسة أصوات، ومدينة واحدة تنزلق إلى الهاوية على مهل. صدرت الرواية عن دار ميم للنشر في الجزائر سنة 2018، وفازت بالجائزة العالمية للرواية العربية “البوكر” سنة 2020. عبد الوهاب عيساوي، المولود في مدينة الجلفة سنة 1985 والمهندس الذي تفرّغ للأدب، بعد أعمال نالت جوائز مثل “سينما جاكوب” و”سييرا دي مويرتي”، صار أول جزائري يفوز بالبوكر. قيمة الرواية وأهميتها تأتي من خلال روايتها لتاريخٍ لايعرفه كثيرون حول الجزائر تاركةً التاريخ يتكلم من خلال خمسة ألسن متضاربة. أعاد عيساوي قراءة بدايات الاستعمار من داخل التجربة الجزائرية بعيداً عن الخطاب البطولي، وكتبها بلغة كثيفة محكمة أنعشت تقليد الرواية التاريخية في الجزائر بعد واسيني الأعرج، وذكّرت بأن هذا السرد يُقرأ أحياناً كمرآة للحاضر لا كأثر من الماضي.

6. كتاب الأمير: مسالك أبواب الحديد — واسيني الأعرج

أعاد “كتاب الأمير”(صدر في العام 2014) للروائي الجزائري الأكثر شهرةً حالياً واسيني الأعرج، تقديم رمز وطني جزائري “الأمير عبدالقادر الجزائري” بلغة أدبية عالية وأفق إنساني منفتح بعيداً عن التمجيد الأجوف، ووظّف الوثيقة والمخطوط والرسائل داخل بناء متماسك، فأعاد للرواية التاريخية الجزائرية اعتبارها.  يستعيد الكتاب سيرة الأمير عبد القادر الجزائري قائد المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي في القرن التاسع عشر، لكنه يقاربه من زاوية إنسانية عبر علاقته بالقسّ الفرنسي “مونسينيور ديبوش” الذي جمعته به صداقة نادرة عبر ضفتي عداء، فتتكشّف بين المعارك والأسر والمنفى شخصية الأمير المحارب المتصوّف، رجل السيف الذي كان في الوقت نفسه رجل الكلمة. واحدة من نقاط “النقاش” حول الكتاب هو أن الأعرج كتب عن عدوه الفرنسي بهذا القدر من الإنصاف، وهو أمرٌ يستحق التوقف. واسيني الأعرج، المولود قرب تلمسان سنة 1954 والذي يكتب بالعربية والفرنسية ويدرّس الأدب الحديث بين الجزائر وباريس، هو من أغزر الروائيين العرب إنتاجاً وصاحب أعمال مثل “ذاكرة الماء” و”سيدة المقام” و”البيت الأندلسي”.

7. حطب سراييفو: سعيد خطيبي

صدرت “حطب سراييفو” للروائي والصحافي الجزائري سعيد خطيبي عن منشورات الاختلاف في الجزائر ودار ضفاف في بيروت سنة 2019، وبلغت القائمة القصيرة للبوكر العربية سنة 2020. تجمع الرواية بين مصيرين متباعدين ظاهرياً هما “سليم” الجزائري و”إيفانا” البوسنية، إذ هرب كلٌّ منهما من بلده بعد أن أنهكته الحرب الأهلية والانقسام، والتقيا في ليوبليانا بعيداً عن الوطنين فتقاطعت ذاكرتاهما عن العشرية السوداء في الجزائر وحصار سراييفو في البوسنة. جزائري وبوسنية، وجرح واحد من خلال حربٍ أهليةٍ لا ترحم. ربط العمل بين تجربتين متباعدتين ليقول إن آلام الحروب الأهلية تتشابه عبر الحدود، واعتمد بناءً موازياً بين شخصيتين وذاكرتين بلغة مشغولة وحسّ تاريخي دقيق، فوسّع أفق الرواية الجزائرية نحو المقارنة العابرة للحدود. أهمية الرواية أنّها تحكي بلسان كاتبٍ مختلفٍ تماماً عن معتاد الرواية الجزائرية التي يتشابه كثيرٌ من كتابها مع أسلوب “واسيني الأعرج” وهو ما لايفعله خطيبي نهائياً. لاحقاً فاز الكاتب نفسه بالبوكر العربية سنة 2026 عن روايته “نهاية الصحراء”.

8. شوق الدرويش: حمّور زيادة

برز حمّور زيادة، الكاتب والصحفي السوداني المولود في الخرطوم سنة 1979 والذي عمل في الصحافة والمجتمع المدني قبل أن يستقر في القاهرة، بعد مجموعته القصصية “سيرة أم درمانية” وروايته “الكونج”، ثم بلغ ذروته بروايته هذه “شوق الدرويش”. إنه حبٌّ يقود إلى مأساة، وإنتقامٌ يقود إلى ما يشبه المجزرة، حكاية ثأر يدور في بلادٍ بأكملها. تدور أحداث الرواية في السودان أواخر القرن التاسع عشر زمن الثورة المهدية وسقوط الخرطوم، وبطلها “بخيت منديل” وهو عبد “تم عتقه” (أي تحريره) يخرج من السجن مسكوناً بهاجس واحد هو الانتقام لمقتل حبيبته “تيودورا” العبدة المسيحية اليونانية التي أحبها في زمن يحرّم عليه حتى النظر إليها، فتتكشّف عبر رحلة ثأره مجازر الثورة وصراعات الدين والعرق والرقّ في مجتمع منهار بفعل الإحتلالات والجماعات الدينية المتطرفة. صدرت الرواية عن دار العين للنشر في القاهرة سنة 2014، ونالت جائزة نجيب محفوظ للأدب العام نفسه وبلغت القائمة القصيرة للبوكر العربية سنة 2015. أعاد زيادة الحقبة المهدية إلى الأدب من زاوية المهمّشين والعبيد والنساء فكسر السردية الرسمية، وبنى نصّه على زمن متشظٍّ بلغة تراثية موحية وحسّ درامي عالٍ، فأثبت أن الرواية السودانية لم تتوقف عند الطيب صالح، وأن السرد التاريخي يقدر على مساءلة العنف الديني من غير فلسفة أو فذلكة.

9. بيت النخيل: طارق الطيّب

تحكي “بيت النخيل” للروائي السوداني المقيم في فيينا منذ ثمانينات القرن الماضي طارق الطيب،  رحلة الشاب السوداني “حامد” الذي يغادر قريته الفقيرة نحو القاهرة ثم نحو أوروبا حاملاً معه حكايات جدّته ودفء البيت الذي نشأ فيه، فيواجه في الغربة البرد والوحدة وصعوبة الاندماج، وتتناوب الرواية بين ماضي القرية بحكاياتها الشفهية وحاضر المنفى بوحشته حتى تصير الذاكرة ملجأه الوحيد. حكايات الجدة تدفئ في الغربة أكثر من المدافئ تقول الرواية التي تمتاز بأنها واحدة من “أرق الروايات العربية وأكثر هدوءاً ومشاعراً جميلة”. صدر العمل عن دار العين للنشر في القاهرة سنة 2006، و تُرجم إلى عدة لغات وصار من نصوص أدب الهجرة التي تستحق القراءة. جمعت الرواية بين السرد الحكائي الشعبي وبساطة اللغة الحديثة، فعرّفت القارئ الأوروبي بالأدب السوداني عبر الترجمة. يذكر أنَّ الطيّب، هو صاحب الرواية المعروفة “مدن بلا نخيل” التي صارت من أوائل الروايات السودانية المترجمة إلى الألمانية وهي الجزء الأوّل من هذه الرواية.

10. صائد اليرقات: أمير تاج السّر

صدرت “صائد اليرقات” للروائي والطبيب السوداني المقيم في قطر أمير تاج السر،  سنة 2010 عن دار ثقافة ومنشورات الاختلاف، وبلغت القائمة القصيرة للبوكر العربية سنة 2011 وتُرجمت إلى الإنكليزية والإيطالية. يدور العمل حول ضابط أمن سابق اسمه “عبد الله فرفار” يُحال إلى التقاعد بعد إصابة تُقعده، فيقرر أن يصير روائياً ليدوّن ما عاشه من مطاردات، وعملٍ أمنيٍ، ورقابة على الكتّاب، لكنه وقد أمضى عمره في تعقّب المثقفين يعجز عن دخول عالمهم، فيستعين برواد مقهى أدبي ليتعلم صنعة الكتابة، وتتحول محاولته إلى مساءلة ساخرة لعلاقة السلطة بالإبداع. أطرف ما في العمل أن الرقيب نفسه يحاول أن يصبح كاتباً، والأهم أنه يفشل. قلبت الرواية الأدوار وجعلت الرقيب راوياً، فكشفت من الداخل آلية القمع والرقابة على الفكر بلغة سلسة وسخرية مريرة، فأضافت إلى الرواية العربية نقداً لاذعاً لمثقف السلطة، وأعطت الأدب السوداني الساخر مكاناً بين قرّاء العربية. تاج السّر، المولود سنة 1960، صاحب إنتاج غزير يضم أعمالاً مثل “مهر الصياح” و”العطر الفرنسي” و”إيبولا 76″.

11. الجنقو: مسامير الأرض — عبد العزيز بركة ساكن

تنقل “الجنقو: مسامير الأرض” للكاتب السوداني عبدالعزيز بركة ساكن، المقيم في النمسا، القارئ إلى أقصى شرق السودان بين مزارع القطن ومواسم الحصاد حيث يعيش “الجنقو”، وهم العمال الموسميون الرُّحّل الذين يبيعون سواعدهم مقابل قوت يومهم، فترصد عالمهم السفلي من الكدح والخمر والبغاء والعنف والحبّ العابر في بيوت الطين والحانات، وتبرز من بين هذا القاع شخصيات نابضة بالحياة رغم بؤسها منحها الكاتب صوتاً نادراً ما وصل إلى الأدب. بركة ساكن من خلال هذا العمل أثبت أنه  من أجرأ الأصوات لا السودانية بل العربية في تناول المهمّشين وحياتهم. إنه أدبٌ ينزل إلى القاع بلا قفازات، أدبٌ قاسٍ وثقيل، لايجمل الواقع ولا يظهره أحسن مما هو، إنه يرينا وحل الواقع بكل ما فيه. نالت الرواية جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي سنة 2009، وإن كان الملاحظ على الرواية أنّها خرجت نهائياً من عباءة أدب الطيب صالح التي ظللت الأدب السوداني سنواتٍ طوال. أنزل ساكن الأدب إلى طبقة منسية ونقل لغتها ومعاشها بلا تجميل ولا وعظ، بلغة قريبة من العامية الشعبية ونَفَس واقعي جريء، فوسّع حدود ما تقوله الرواية السودانية عن الجسد والفقر والهامش، وأثار جدلاً لم يخفت حتى اليوم.

12. الطلياني: شكري المبخوت

أرّخت “الطلياني” للكاتب والأكاديمي التونسي شكري المبخوت، للتحول السياسي في تونس من خلال سيرة مثقف يساري. يُلقّب بطل الرواية”عبد الناصر” بـ”الطلياني” لوسامته الشبيهة بالإيطاليين، وهو طالب قانون ومناضل يساري بارز في اتحاد الطلبة، وتفتتح الرواية بمشهد صادم يعتدي فيه على إمام المسجد يوم دفن أبيه، ثم تعود لتبحث في سرّ ذلك الغضب عبر سيرته العاطفية والسياسية وزواجه من “زينة” المثقفة. مشهد الافتتاح وحده يبقى في الذاكرة طويلاً. جمع العمل بين التحليل النفسي الدقيق والبناء المحكم ولغة فصيحة رصينة، وفتح صفحة جديدة للرواية التونسية، وربط الأدب بأسئلة الانتقال الديمقراطي السياسي الرسمي وخيبات اليسار التي عمّت الوطن العربي بأكمله. إنها ليست سيرةُ رجل واحدٍ فحسب بل هي سيرة وطن خذل حلمه، فانكسر. صدرت الرواية عن دار التنوير سنة 2014، وفازت بالجائزة العالمية للرواية العربية “البوكر” سنة 2015 لأول مرة لتونس، ونالت أيضاً جائزة الكومار الذهبي. المبخوت، الكاتب المولود سنة 1962، وأستاذ لمادة الحضارة العربية والرئيس السابق لجامعة منوبة، كانت “الطلياني” أولى رواياته بعد مسار طويل في النقد قبل أن يتبعها بأعمال مثل “باغندا” و”الوصايا”.

13. روائح ماري كلير: الحبيب السالمي

صدرت “روائح ماري كلير” عن دار الآداب في بيروت سنة 2008، ودخلت القائمة القصيرة للبوكر العربية سنة 2009 وتُرجمت إلى عدة لغات. كتبها الحبيب السالمي، الروائي التونسي المولود في الحامة سنة 1951 والمقيم في باريس منذ سنة 1985 حيث يدرّس العربية، وهو يكتب بلغته الأم رغم إقامته الطويلة في فرنسا وصاحب أعمال مثل “متاهة الرمل” و”عشّاق بيّة” و”نساء البساتين”. تحكي الرواية قصة حب بين مهاجر عربي وفتاة فرنسية تعمل في تصفيف الشعر منذ لحظة اللقاء الأولى حتى الانفصال، بلا أحداث كبرى، بل يقظة الحب واشتعاله ثم فتوره وموته البطيء عبر التفاصيل اليومية، إذ يرصد السالمي كيف تتحول الأشياء الحميمة حتى رائحة الجسد والملابس من مصدر انجذاب إلى مصدر نفور. لا حرب ولا موت، مجرد حبٍّ يذبل. ومع ذلك تمسك الرواية بخناق القارئ وتعتبر من الروايات القليلة التي تناولت “أمراً عادياً” وحولته إلى عملٍ يستحق القراءة. قدّم العمل ما ندر في أدبنا من تشريح للعلاقة العاطفية بهدوء ودقة مجهرية بلا صخب ولا ميلودراما، واعتمدت على تقنية “إبطاء الزمن” الشهيرة من مدرسة الكتابة الإبداعية والوصف الدقيق للتفاصيل الصغيرة بلغة شفافة، فأسّست تياراً يهتم بالداخل النفسي والعلاقة بالآخر أكثر من الحدث الخارجي.

14. تماس: عروسية النالوتي

تتناول “تماس” للروائية وكاتبة السيناريو والإعلامية التونسية عروسية النالوتي، شخصيات تطاردها المآسي من دون أن تكون هي المتسببة فيها، وفي قلبها امرأة تصارع قيود مجتمع ذكوري وأعرافه الخانقة، فتأتي الرواية بناءً داخلياً أكثر منها سرداً للأحداث إذ تغوص في وعي الشخصيات وتوترها النفسي، حتى تلتقي المصائر عند نقطة “تماس” موجعة يحتكّ فيها الفرد بالجماعة والرغبة بالمحرّم، فتنكشف هشاشة الإنسان أمام ما لا يملك دفعه. روايةٌ تُقرأ بالوعي لا بالحدث. تمثّل واحدة من التجارب المبكرة للكتابة النسائية التونسية التي جرّبت في البناء واللغة وقاربت وضع المرأة بجرأة فنية، واعتمدت على تيار الوعي والسرد الشعري المكثّف وتعدد الأصوات الداخلية، فأسهمت في تأسيس حساسية جديدة في الرواية النسائية المغاربية. النالوتي، المولودة سنة 1950، هي من الأصوات النسائية الرائدة في تونس وصاحبة مجموعة “البُعد الخامس” ورواية “مراتيج”. صدرت “تماس” عن دار الجنوب للنشر في تونس سنة 1995، وأدرجها اتحاد الكتّاب العرب ضمن قائمة أفضل مئة رواية عربية.

15. خبز على طاولة الخال ميلاد: محمد النعّاس

دخل محمد النعّاس، الكاتب الليبي المولود في طرابلس سنة 1991 والذي بدأ بكتابة القصة القصيرة والمقالة الثقافية، دائرة الضوء من أوسع أبوابها حين صار أصغر الفائزين بالبوكر العربية وأول ليبي ينالها. صدرت روايته الأولى، “خبز على طاولة الخال ميلاد” عن دار رشم في الرياض سنة 2021، وفازت بالجائزة العالمية للرواية العربية “البوكر” سنة 2022. يدور العمل حول “ميلاد”، رجل بسيط يعمل خبّازاً يقلب الأدوار المتوقعة إذ يبقى في البيت يخبز ويعتني بشؤونه بينما تخرج زوجته “زينب” للعمل، فيصير عرضة لسخرية الرجال وطعنهم في رجولته، فيروي حكايته دفاعاً عن نفسه بعد أن انهارت حياته. إنها ليست فقط حكاية خبازٍ قابع في المنزل، فالأمر أعقد بكثيرٍ من بساطة العمل، إنها رواية تطرح أسئلة حول الرجولة، ومكانة الذكر، ودوره، وأهميته وفعله، في مجتمعٍ لا يقبل الحلول الوسط. فكّك النعّاس التصورات السائدة عن الرجولة والأنوثة وتقسيم الأدوار في مجتمع ليبي يعيش تحوّلاته بين الملكية وما بعد الحكم العسكري، وبنى نصّه على صوت اعترافي واحد بلغة قريبة حميمة وسخرية مبطّنة، وفتح نقاشاً واسعاً حول النوع الاجتماعي والرجولة في الرواية العربية المعاصرة.

16. زرايب العبيد: نجوى بن شتوان

صدرت “زرايب العبيد” للكاتبة والأكاديمية الليبية نجوى بن شتوان، عن دار الساقي في بيروت سنة 2016، وبلغت القائمة القصيرة للبوكر العربية سنة 2017. تفتح الرواية باباً ظل موصداً طويلاً في ذاكرتنا: الرقّ. كسرت صمتاً حول تاريخ العبودية في ليبيا والمنطقة، ومنحت المستعبَدين، وخاصة النساء، صوتاً وحكاية، ومزجت البحث التاريخي بالسرد العاطفي بلغة موحية، فأضافت إلى الأدب الليبي والعربي نظرة نسائية إلى تاريخ العبودية، وأسمعت صوت الرواية النسائية الليبية بعيداً عن حدود بلدها. تعود أحداثها إلى ليبيا في أواخر عهد الرقّ لتكشف تجارة العبيد وأحياءهم المعزولة المسماة “زرايب العبيد”، وفي قلبها قصة حب محرّمة بين السيّد “محمد” والجارية “تعويضة” يرفضها نظام السادة رفضاً قاطعاً، فيسعى أهل السيّد إلى تفريق العاشقين إذ يُبعَد الابن في تجارة وتُسقى الأمَة ما يُجهض جنينها، وتتكشّف من هذه المأساة الفردية بنية مجتمع كامل قام على العبودية والتمييز. بن شتوان المولودة في بنغازي سنة 1970 والحاصلة على الدكتوراه والتي أقامت في إيطاليا للبحث والكتابة، وهي أول روائية ليبية تبلغ القائمة القصيرة للبوكر وصاحبة أعمال مثل “وبر الأحصنة”.

17. صندوق الرمل: عائشة إبراهيم

تدور “صندوق الرمل” للكاتبة الليبية عائشة إبراهيم، زمن الغزو الإيطالي لليبيا بدءاً من سنة 1911، إذ يصل الجندي الإيطالي “ساندرو كومباريتي” إلى طرابلس ضمن قوات الاحتلال فيقع في حبّ بائعة حليب طرابلسية التقاها قرب خندق في الصحراء، وتتقاطع حكاية الحبّ مع فظائع الحرب ومعسكرات النفي والعقاب التي سيقت إليها المرأة وأخوها الصغير. حبٌّ بين جنديٍّ محتل وابنة الأرض المحتلة. معادلة موجعة تحسّها من الصفحة الأولى. تعتبر إبراهيم من جيل الروائيات الجديد، وتعرف بعنايتها بالتاريخ الليبي الحديث. أعادت الرواية إلى الواجهة جرائم الاستعمار الإيطالي التي قلّ تناولها روائياً من منظور إنساني يتجاوز الشعارات، واعتمدت على البحث التاريخي الدقيق ونسج الحكاية العاطفية داخل الحدث الكبير بلغة رصينة، فأسهمت في تعزيز تيار الرواية التاريخية الليبية التي تكتب ذاكرة المقاومة للأجيال الجديدة. يذكر أن الرواية صدرت عن منشورات المتوسط في ميلانو سنة 2022، وبلغت القائمة الطويلة للبوكر العربية سنة 2023.

18. في بلاد الرجال: هشام مطر

يكتب هشام مطر، الكاتب الليبي المولود في نيويورك سنة 1970 لأبوين ليبيين والذي عاش طفولته بين طرابلس والقاهرة قبل أن يستقر في لندن، باللغة الإنكليزية، ويسكن أدبه جرح اختفاء والده المعارض في سجون النظام الليبي السابق. أن ترى الاستبداد بعيني طفل لا يفهمه تماماً، هذا ما يجعل الرواية لا تُنسى. عرّف مطر القارئ الغربي بالاستبداد في ليبيا عبر نصٍ أدبي مكتوبٍ بإحترافية وإن باللغة الإنكليزية وليس العربية، فبنى روايته المترجمة هذه على صوت الطفل الراوي ولغة مرهفة تقول الكثير بالقليل. يحسب للكاتب بالطبع أنه قرّب الأدب الليبي من قرّاءٍ لم يسمعوا به من قبل. صدرت “في بلاد الرجال” بالإنكليزية سنة 2006 ثم تُرجمت إلى العربية لاحقاً، ورُشّحت للقائمة القصيرة لجائزة “مان بوكر” سنة 2006 ونالت جائزة الغارديان للعمل الأول وتُرجمت إلى أكثر من ثلاثين لغة. تروى الحكاية على لسان الطفل “سليمان” ابن التاسعة في العاصمة الليبية طرابلس مطلع الثمانينيات في عهد القذافي. يعيش سليمان في عالم الكبار الغامض بين أب يغيب في أسفار مريبة وأم مكسورة وجيران يختفون فجأة، ويلتقط بوعيه الناقص شظايا الخوف والخيانة والاعتقالات من دون أن يفهمها كاملة، فيتسلل عالم الرجال والسياسة إلى البيت فيدمّر طفولة وأسرة. يذكر أن لمطر كتاب أسبق، هو “العودة” والذي نال عليه جائزة بوليتزر القيّمة.

19. التبر: إبراهيم الكوني

قدّمت “التبر” أنقى نماذج “الأدب الصحراوي” الذي أدخله الروائي الليبي ابراهيم الكوني إلى الرواية العربية، حيث تصبح الصحراء عالماً كاملاً بقيمه وأساطيره لا مجرد خلفية، فمزج فيها السرد بالأسطورة والتصوف وحكمة الصحراء بلغة شعرية موحية، وفتح للرواية العربية طريقاً جديداً في الكتابة عن الطبيعة والإنسان والحيوان، وصارت أعماله جسراً بين الثقافة الطارقية (نسبةً للطوارق) والأدب العالمي عبر الترجمة الواسعة. إنها الرواية العربية الوحيدة لربما التي بطلها جمل، ومع هذا فإن القارئ يتعاطف معه، يتفاعل معه، والأكثرينفطر قلبه لأحزانه. تحكي الرواية عن جمل مهري أبلق نادر يربطه بصاحبه “أوخيّد” رباط روحي عميق، فيعرض عليه تاجر ذهب “تِبراً” ثميناً مقابل الجمل فيرفض في البداية وفاءً لرفيقه، لكن ضغوط الحياة والإغراء تدفعانه إلى المساومة، فتتحول الحكاية إلى مأساة عن الخيانة والوفاء حين يبيع الإنسان أنبل ما يملك مقابل معدن زائل. الكوني، المولود في صحراء فزّان سنة 1948 لأسرة من الطوارق والذي لم يتعلم العربية إلا في الثانية عشرة، روائي غزير الإنتاج عُرف بعوالمه الصحراوية، وصاحب أعمال مثل “المجوس” و”نزيف الحجر” و”واو الصغرى”. صدرت “التبر” عن دار التنوير في بيروت سنة 1990، ونال صاحبها عن مجمل تجربته جوائز عربية ودولية عدّة.

*كاتبان فلسطينيان


وسوم :
, , , ,