تطْبيعُ العقْل

التصنيفات : |
سبتمبر 23, 2021 4:27 م

*وسام عبد الله


“قد تعشقُ العينُ قبل الأذنِ أحيانا”

ينطبق هذا المثل المقلوب على توصيف العلاقات العاطفية، ويمكن إسقاطه على قضايا سياسية أيضا، تسعى فيها مؤسسات وكيانات إلى التأثير على المجتمعات، كما يسعى الاحتلال الإسرائيلي إلى توظيف الأدوات والوسائل الإعلاميّة، المكتوبة والمسموعة والمرئيّة، لبثّ رسائله إلى المتلقّي العربي، بإحاطته بخطاب إعلامي، مباشر وغير مباشر، لتهيئته فكرياً لتقبّل عمليّة التّطبيع.

ما قبل النكبة وما بعدها

أدرك قادة الاحتلال أهمية الإستفادة من الإعلام خلال كافة المراحل، ويُعتبر البند الثالث من قانون الإذاعة والتلفزيون “الإسرائيلي”، أساساً واضحاً يمكن الانطلاق منه في تحديد سياسة الاحتلال الإعلامي، والذي جاء في نصّه: “إنّ الهدف من الإعلام الإسرائيلي في كافة المجالات، بثّ برامج بالعربيّة لترويض الجمهور العربي داخل أراضي عام 1948، وترويج دعاية للفلسطينيين والعرب عموماً وفق أهداف السياسة الصهيونية، إضافة إلى بثّ برامج خارج حدود إسرائيل لتحقيق أهداف الصهيونية، والدفاع عن السياسة الإسرائيلية، وخاصة العدوانية والمتعلقة بالإستيطان والتهويد وأعمال العنف الحربية التي تشنّها إسرائيل”. 

إنّ مفاتيح عمل وسائل الإعلام واضحة، هي رسائل داخلية وخارجية، بهدف التّرويج للدعاية الإسرائيلية، من أجل تنفيذ هذه المهمة تم تأسيس العديد من الصحف والتلفزيونات، ذات المضمون العِبري واللسان العربي، منها الفضائية “الإسرائيلية” التي تأسست عام 2002 بعد الإنتفاضة الثانية.

الخطاب الإعلامي المباشر

يولّد ردّة فعل من المجتمعات العربية في تقبّله والتفاعل معه، فكانت “الحرب الناعمة”، من خلال البرامج الترفيهية والدراما والأفلام، وشبكة الإنترنت ومواقع التواصل الإجتماعي، عمل الإحتلال على الاستفادة منها، بهدف الترويج الثقافي ورصد الشباب العربي الموجود على المنصّات ومحاولة تجنيد عملاء له. 

فايسبوك

على موقع فايسبوك أُطلقت عدة صفحات منها “اسرائيل تتكلم العربية” و”إسرائيل بالعربية”، مستهدفة الشباب العربي في فضاء يمكن الوصول إليهم أينما كانوا.ولإدراكها أهمية المواقع، عملت على محاربة الشباب العربي بمختلف الأساليب وعبر مواقع التواصل الإجتماعي مباشرة.

ففي عام 2015، أعلنت سلطات الاحتلال عن توقيف 400 فلسطيني بسبب منشورات لهم على مواقع التواصل. 

كما أشار القضاء الإسرائيلي، في العام 2017، إلى استجابة الموقع لما يقرب من 85% من شكواه، لإزالة وحظر بيانات خاصة بالمحتوى الفلسطيني على مواقع التواصل الاجتماعي، أو عبر المواجهة المباشرة مع الناشرين الفلسطينين.

وكانت المواجهات الأخيرة في حيّ الشيخ جراح مثالاً على أهمية شبكات التواصل في إيصال الصوت الفلسطيني إلى العالم، حيث قامت إدارة فايسبوك بإغلاق مجموعة “حيّ الشيخ جراح”، وعزت سبب الإغلاق بأنّ “المحتوى يتعارض مع معايير مجتمعنا”.

ومع إعلان إتفاقيات التطبيع، انتقلت الصفحات الاسرائيلية إلى العمل على الرسائل المحددة للشعوب التي دخلت دولها في عملية التطبيع، وللشعوب التي ترفض حكوماتها الإعتراف بالعدو، وذلك من خلال صور وكلمات تعبّر عنمفاهيم “الإنسانية والسلام” التي تجمع “اليهود” والعرب، مع التأكيد على العنصر الإقتصادي والرخاء المادي اللذين سيصل إليها كل من يؤيد العلاقة مع الاحتلال.

استغلّ الاحتلال تعرُّض الجمهور العربي بشكل مستمر لمواد دعائيّة وثقافيّة وفنيّة، بهدف تمرير وتوجيه ميول الناس اتّجاه موقفهم من القضية الفلسطينيّة، عن طريق أكثر المساحات مشاهدة من قبل العرب وهو عالم المسلسلات والأفلام.

ففي عام 2020، بثّت مجموعة قنوات “أم بي سي”، التابعة للمملكة العربية السعودية، خلال شهر رمضان، مسلسلي “مخرج 7” و”أم هارون”، حيث يقدّم الأول، في إحدى الحلقات، صورة عن تقبّل إمكانية إقامة علاقات طبيعيّة مع الاحتلال. وهو في الوقت عينه كان يحوي إهانة للشعب الفلسطيني.

وفي العمل الثاني، تمّ تقديم صورة، اعتبرها الكثير من المتابعين تشويهاً لوضع اليهود الذين كانوا يعيشون في الخليج وظروف إقامة كيان الاحتلال.

نتفليكس  

أما منصة “نتفليكس” فكان لها نصيبٌ من الأفلام “الإسرائيلية”، عام 2016 غرّدت السفارة الإسرائيلية في الولايات المتحدة على موقع تويتر: “أثبتت “نتفليكس” نفسها كهبة سماوية حقيقية للدولة اليهودية لأكثر من 5 أيام في العام، وكما هو الحال مع منصّات الترفيه المتنوعة، فقد دمجت “نتفليكس” نفسها طواعية في صناعة الدبلوماسية العامة الإسرائيلية”. 

وتحت تبرير كونها منصة ترفيهية لا سياسية، تُنشر الأعمال الإسرائيلية التي تقدّم نفسها الضحية والمُدافع عن حقّها بالوجود.

ومن الأعمال المعروضة، “الجاسوس” الذي يجسّد دورعميل الموساد إيلي كوهين، الذي أُعدم في دمشق عام 1965، إذ يقدّمه النص على أنّ تجسّسه هو من محبته وعطفه على بلده. ومسلسل “عندما يحلّق الأبطال”، الذي يتحدّث عن 4 جنود إسرائيليين أُصيبوا بصدمة بُعيد حرب تموز عام 2006 في لبنان، في تشويهٍ للحقائق،ليُظهِر الاحتلال كضحية في هذه المواجهة. 

التّطبيع الإعلامي والتّشويه

إنّ التّطبيع الإعلامي هو عملية تفريغ للذاكرة واستبدالها بمضمون يتناسب مع حكاية يريد الاحتلال تكريسها، عربيّاً وعالميّا، من خلال رسائل إعلاميّة ضخمة في محتواها وتقنياتها، في استهداف لشدّ النظر إلى صورة بصرية مُبهرة، يرافقها ضبابيّة وتشويه للقضية لدى فئة،يشكّل المراهقون والشباب فيها، الحلقة الأساس كونهم الأكثر استهلاكاً للأدوات الإعلاميّة.

*كاتب لبناني


وسوم :
, , , , , ,