طبيب في الصباح.. كاتب في المساء!

التصنيفات : |
يونيو 24, 2023 6:58 ص

*رفيدة عطايا

لم يطلب يوماً كرة أو دراجة، كما يفعل أي طفل صغير تفكيره كله في اللعب واللهو، إنّما كانت أفضل هدية له منذ صغره هي الكتاب، حيث كان ما يُحصّله في العيد من عيديات، تذهب كلها على الكتب. هو عبد الله تنيره، البالغ من العمر ثلاثة عشر عاما، يتمتع بمواهب عديدة منها: تأليف القصص و”الإسكتشات” المسرحية، التمثيل، الخطابة، كتابة النثر وإلقاء الشعر، السرد القصصي (الحكواتي).

ليس كأقرانه من الأطفال، فهو متفوق بإبداعه الأدبي والفكري، بسبب مثابرته على القراءة والكتابة منذ مرحلة الحضانة، لينهيَ قراءة أكثر من مئة كتاب وهو في الصف الثاني إبتدائي، أي في السابعة من عمره!.

نشأته

يعيش عبد الله في غزة العزة، ليستنشق من هوائها حب العلم والإبداع. -عندما كنت أبحث عن أطفال عباقرة يتمتعون بموهبة ما، قيل لي بسخرية: “في هذا الزمن لم يعد هناك ما تبحثين عنه”. حينها قصدت معارفي في غزة بحثاً عن طلبي، ليقول لي أحدهم: “بسيطة، هول معبيين الدنيا عنّا بغزة”.

“قارئ اليوم قائد الغد”، هذا ما نطق به ابن الثلاثة عشر عاما، فوالده قد زرع فيه حب المطالعة، وأمدّه بمختلف أنواع الكتب؛ وغرس فيه حب فلسطين، لتصبح كتابات عبد الله موجهة نحو الدفاع عن قضيته، وكما يقول: “أنا صوت فلسطين”!

نعم، إنّ الأبطال والمبدعين غالبا ًما يولدون من رحم المعاناة والحرمان، يتمردون على واقعهم المرير، ويسعون جاهدين لكسر القيود، ولا سيما قيد المحتل.

“قارئ اليوم قائد الغد”، هذا ما نطق به ابن الثلاثة عشر عاما، فوالده قد زرع فيه حب المطالعة، وأمدّه بمختلف أنواع الكتب؛ التاريخية، العلمية، الثقافية، الدينية والأدبية… وغرس فيه حب فلسطين، لتصبح كتابات عبد الله موجهة نحو الدفاع عن قضيته، وكما يقول: “أنا صوت فلسطين”!.

موهبته

بدأت موهبة عبد الله بالظهور عندما كان يدخل غرفة والديه، ويتأمل مكتبة والده المليئة بالكتب المتنوعة، فكان ينظر إليها بذهول كبير منتظراً اللحظة التي ينطق فيها بأول حروفه، كي “ينقض” على تلك الرفوف، و”يلتهم” ما تحويه من معارف وعلوم، ويبدأ مسيرته في القراءة والكتابة.

“من شابه أباه فما ظلم”، فوالد عبد الله كرس طاقاته في تربية أبنائه على حب العلم والثقافة، حب قراءة القرآن الكريم، وتعلم معاني الآيات وحفظها، حب قراءة الكتب ومعرفة مغزاها ومعاني مصطلحاتها… ليساهم بذلك في تنمية مهارات عبد الله الإبداعية.

شارك في مسابقة تحدي القراءة بالعربية، وقرأ أكثر من مئة كتاب، وتأهل للمرحلة النهائية. لكن جبروت الاحتلال وكيده وخشيته من المبدعين، منع عبد الله من السفر إلى دبي للمشاركة في المرحلة النهائية

إنجازاته

فاز عبد الله بالمركز الأول في مسابقة “القرّاء هم القادة” في الصف الثاني إبتدائي، حيث قام بقراءة خمسين كتابا. ليشارك بعدها في مسابقة تحدي القراءة بالعربية، ويقرأ أكثر من مئة كتاب، حيث وصل إلى المركز السادس، وتأهل للمرحلة النهائية. لكن جبروت الاحتلال وكيده وخشيته من المبدعين، منع عبد الله وأصدقاءه المتأهلين في هذه المسابقة من السفر إلى دبي للمشاركة في المرحلة النهائية.

ورغم الغصة التي بقيت عالقة في قلب عبد الله، والإحباط المصاحب لخيبة الأمل الذي شعر به، إلا أنّ كيد العدو وحصاره الخانق لم يمنعاه من مواصلة مسيرته الإبداعية، معتبراً إياها “فاتورة الصمود والثبات”، وأنّه سيصمد ويثبت على أرض فلسطين، ولن ييأس، وسيبقى ماضياً إلى الأمام.

“اقرأوا كل شيء، أنا أقرأ حتى المكونات الموجودة على علبة البسكويت، أقرأ اللافتات في الشوارع، فالقارئ يفهم، ويفكر، ويوازن، ويتعلم”
(عبد الله تنيره)

لعبد الله إحدى وعشرون قصة من تأليفه، أبرزها: قصة “عبد الله وبلوتو” التي تروي حكاية ذهابه إلى كوكب الفضاء، وحل مشكلة قائمة بين كوكب بلوتو ونبتون. كما لديه العديد من المؤلفات المسرحية التي قام بكتابتها والمشاركة في تمثيلها، خاصة في فترة جائحة كورونا والحجر الصحي، حيث استغل وقته بكتابة مسرحيتين تصفان حال الناس في هذه المرحلة، إضافة إلى الشعر النثري الوطني الذي يكتبه، ومنه:

“فقط في فلسطين حلم الطفولة واحد

العيش بأمن وأمان

دون ذرفٍ للدموع والدماء

دون سلبٍ للحقوق وكرامة الإنسان

بعيداً عن أصوات الإنفجارات

وسلاسل السجان وحواجز الإغلاق…

نحن نستيقظ لنخاف مما سنراه

قنابل في كل مكان، تحفر في الأرض وفي أعماق الأرواح، لتكسر فينا حب الحياة

نحن أطفال فلسطين

لا نحلم إلا بالحب والأمان، والعلم والسلام.. بأرضنا دون محتلٍ يكبت على الأنفاس”

لأنّ عبد الله لا يحلم إلا بالأمن والأمان، والعلم والسلام، كافح بقلمه وصوته لنيل مراده، فكان في مدرسته عضواً في البرلمان المدرسي، نسبة لمخزونه العلمي الكبير، الأمر الذي خوّله لإعطاء دورات تدريبية كثيرة، وليتمّ اختياره لاحقاً عضواً في مجلس أطفال فلسطين التابع للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، والذي هدفه إيصال صوت أطفال فلسطين إلى العالم، وتعزيز دور الطفل بالمشاركة في صناعة القرار بمساعدة الكبار.

لعبد الله أحلام كثيرة للمستقبل؛ أن يصبح طيارا، وطبيباً مختصّاً بجراحة الأعصاب، ولكنّ حلمه الأكبر هو تحرير فلسطين وزوال الاحتلال، كي يصبح طبيباً في الصباح، وكاتباً وممثلاً في المساء.

كما وجّه نصيحة للأطفال قائلا: “اقرأوا كل شيء، أنا أقرأ حتى المكونات الموجودة على علبة البسكويت، أقرأ اللافتات في الشوارع، فالقارئ يفهم، ويفكر، ويوازن، ويتعلم”.

*صحافية فلسطينية


وسوم :
, , , , , , , , , , , , , ,