المقاومة السيبرانية.. اختراق جدران الوهم للكيان الصهيوني
أكتوبر 17, 2022 6:04 ص
*وسام عبد الله
كان الحلم الصهيوني يمتد من النيل إلى الفرات، لكن غايتهم على الأرض تقلّصت بفعل المقاومة، لتصلَ إلى جدار الفصل العنصري داخل الأراضي المحتلة، في محاولة للحد من حركة الشعب الفلسطيني، فكانت عمليات الطعن في قلب المستوطنات دلالة على قدرة الوصول إلى داخل كيان الاحتلال، وأحد أوجه التسلل هي الهجمات السيبرانية على أجهزة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية وضبّاطها، في اختراق واضح لجدران الوهم.
ميزة الهجمات السيبرانية
عام 2008، قيادة المنطقة الوسطى للجيش الأمريكي التي تدير العمليات في العراق وأفغانستان، وضعت إمكانية حدوث اختراق لنظم المعلومات فيها، في عملية ربما استطاع “القراصنة” الوصول إلى المحادثات بين الضباط والتأثير على الأجهزة من خلال تحميل فيروسات إلكترونية، هذا التهديد أخذته القيادة على محمل الجد حتى وصف رئيس هيئة الأركان المشتركة “جيمس كارترايت” بأنّها الهجمات الإلكترونية التي تشبه في قوتها أسلحة الدمار الشامل. فنحن أمام هجمات إن لم ينتج عنها ضحايا وقتلى لكنّها تحمل تدميراً للبنية التحتية -على مستوى مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية-، وهذه الهجمات تُنفَّذ دون وقوع أي إصابات على الأغلب بشكل مباشر كونها تستهدف الأجهزة الإلكترونية. ولأنّ العمليات تتم بعيداً عن العين المجردة، فأنت لا تملك دليلاً مؤكداً عن الجهة المنفّذة للاختراق، لأنّ الوحدات السيبرانية المدرَّبة بشكل صحيح لا تترك أثراً وراءها أو إشارة تدلّ إن كانت تابعة لدولة أو منظمة غير حكومية، ففي الحالة الفلسطينية مع الوحدة السيبرانية لكتائب القسّام، يلاحق العدو المقاومة في “الظلام” داخل أجهزته الخاصة، وهو ما سهّل للمقاومين تحديد الأهداف واصطيادها من خلال التواصل عبر حسابات وهمية أو التنصت على اتصالات الضبّاط، أو بالحرب النفسية على المستوطنين عبر الرسائل التي تصل على أجهزتهم وحواسيبهم من قِبل المقاومة. من السهل أن يخرج “الإسرائيلي” ويقول إنّ إيران أو أي فصيل فلسطيني هو المسؤول عن الهجمات، ولكنّه يبقى اتهام في السياسة إن لم يملك دليلاً قاطعاً عن الجهة التي أشرفت وأطلقت الهجوم الإلكتروني.
العامل النفسي في الأمن السيبراني
يمكن أن تتسبب الهجمات السيبرانية في إحلال الظلام على مدينة بأكملها بمجرد استهداف الأنظمة الكهربائية، وأكثر ما تُحذّر منه المنظمات الدولية هو إمكانية تنفيذ هجمات على مصانع الطاقة النووية وما ينتج عنه، في حال ارتكاب خطأ تقني، من إحداث كارثة بشرية. هذا في النتائج التقنية ولكن الهجمات مفعولها أبعد من اللحظة التي تحدث بها. للعامل النفسي تأُثير على الناس والمسؤولين، فما الذي يدفع حركة المقاومة الإسلامية (حماس) للإعلان عن امتلاكها وحدة سيبرانية، ونشر بعض الهجمات التي نفّذتها خلال عشر سنوات، سوى أنّها جزء من الحرب النفسية التي تخوضها فصائل المقاومة، فمن لم يستطع تدمير القدرات الصاروخية رغم الحصار على غزة، لن يستطيع تدمير العقول الفلسطينية وقدرتها على دخول الحرب الإلكترونية، وهو ما دفع الاحتلال الصهيوني لتنفيذ عدد من عمليات الاغتيال خلال السنوات الماضية أعلن خلالها أنّ المستهدفين هم من المسؤولين عن الأمن السيبراني لدى المقاومة، كما في عملية اغتيال جمعة الطحلة خلال معركة “سيف القدس” سنة 2021 والتي أعلن حينها الاحتلال أنّه اغتال المسؤول في حركة حماس عن ملف الهجمات السيبرانية.
مع نشر خبر قرصنة أحد التطبيقات على أجهزتنا يتولد لدينا إحساس بالخطر على الخصوصية التي نملكها على أجهزتنا، ويصبح لدينا تخوف دائم من تحميل التطبيقات والملفات واختراقها، هذا على مستوى حياتنا العادية، فكيف على ضبّاط وجنود العدو؟، نحن أمام مرحلة جديدة من المقاومة التي تسعى لضرب عامل الثقة لدى قوات الاحتلال والمستوطنين في شركاتهم وأمنهم المعلوماتي، وخاصة مع الحرص “الإسرائيلي” المستمر على جذب شركات التكنولوجيا العالمية والاستثمار فيها، فكيف سيكون حالها لو قامت المقاومة باختراق بياناتها ونشرها على الانترنت؟.
المقاومة وحرب الأدمغة
تطور عمل حركات المقاومة في لبنان وفلسطين على المستوى التقني، فمن قدرة حزب الله على اختراق الطائرات المسيّرة ومعرفة ماهية الصور التي تلتقطها، إلى حركة حماس بحصولها على مشاهد لقواعد عسكرية من خلال اختراق الإتصالات، هذه المعطيات تضع المقاومة في مرحلة متقدمة في مواجهة الاحتلال، فإن وضعنا الآن النموذج اللبناني بترسيم الحدود، نحن أمام شركات نفط عالمية ستبدأ بالتنقيب، لنكون في مسرح جديد من المواجهة الذي لن يكون عسكرياً بالضرورة، يكفي أن يُخلّ “الإسرئيلي” بأي بند من بنود الاتفاق، فهل ثمة ما يمنع المقاومة من اختراق أجهزة الشركات وتعطيلها وتكليفها مئات آلاف الدولارات ومن دون تحديد الجهة المنفّذة؟.
السرية في عمل الوحدات السيبرانية في صلب عملها، وما كشفته ربما بعضاً من عملياتها، لم يكن موجّهاً للعدو فقط، إنّما للشعب الفلسطيني لمشاركته جزءاً من عملها، وتعزيز ثقته بقدرات فصائل المقاومة وتطورها على مختلف المستويات.
*كاتب لبناني
وسوم :
الحرب النفسية, الطائرات المسيّرة, المقاومة السيبرانية, الهجوم الإلكتروني, الوحدة السيبرانية لكتائب القسام, ترسيم الحدود, حرب الأدمغة, صمود, فلسطين المحتلة, وسام عبد الله