محاكمة القرن: “إسرائيل” في مواجهة العالم

التصنيفات : |
يناير 12, 2024 8:22 ص

*سنان حسن

شكّل عقد جلسة محكمة العدل الدولية في لاهاي للنظر في الدعوى التي قدّمتها جنوب إفريقيا ضد “إسرائيل” بتهمة ارتكاب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في غزة، الحدث الذي سرق الأضواء حول العالم، فلأول مرة منذ احتلالها أرض فلسطين عام 1948، تقف “إسرائيل” أمام قوس المحكمة للدفاع عن نفسها أمام التهم التي وُجّهت لها من إبادة وقتل وتهجير وتنكيل بحقّ الفلسطينيين، وهذا أكبر تحد يعيشه الكيان، وهو يوازي في خطورته خطر الانكسار العسكري في حرب غزة اليوم، والأمر الثاني، هو تصدي دولة غير عربية ممثّلة بجنوب إفريقيا لسوق “إسرائيل” ووضعها أمام العدالة الدولية في حين صمت العرب، ولم يتجرأ أحد منهم حتى الآن على إعلان دعمه للدعوى الإفريقية إلا ما خلت من تأييد كلامي من المجلس الرئاسي الليبي وطلب مشاركة في المرافعات الشفهية من تونس، ما يؤكد أنّ العالم يتغير باتجاه الخروج من الهيمنة الغربية التي مارست على غزة سياسة فاضحة في نسف الرواية الفلسطينية والتسليم بكل الادعاءات الصهيونية، والأمر الثالث، أنّ الدول الداعمة للكيان الغاصب وجدت نفسها لأول مرة محشورة في قفص الاتهام حتى لو لم يرد اسمها صراحة، والحديث عن الولايات المتحدة الأمريكية التي ستجد نفسها مرغمة على المضي في ما ستقرره المحكمة من قرارات ولو كانت ضد ربيبتها “إسرائيل”، والأمر الرابع، هو انتصار المظلومية الفلسطينية حتى قبل أن تعلن المحكمة قراراتها، فالعالم كله بات يتضامن مع فلسطين وقضية شعبها الذي تحاول “إسرائيل” إبادته، وباتت السردية الفلسطينية تحظى بدعم عالمي كبير لم يسبق أن حظيت به من قبل، يكفي أن نعرف أنّ جنوب إفريقيا تبعد آلاف الأميال عن فلسطين وانتصرت لمظلوميتها.

الخوف الإسرائيلي من المحاكمة

كل هذا استدعى هلعاً إسرائيلياً غير مسبوق في التصدي لهذه المواجهة واستنفاراً دبلوماسياً وقضائياً كبيراً فهي أي “الاتهامات لا يمكن دحضها بأي شيء، ولا حتى باللاسامية” كما قال الصحافي الإسرائيلي جدعون ليفي في مقاله بصحيفة هآرتس بتاريخ 7/1/2024، تحت عنوان: “بالتوفيق إلى المحكمة الدولية في لاهاي”، مبيّناً أنّه “لا يمكن مواصلة تجاهل أنّه فوق رأس إسرائيل تحلق الآن اشتباهات بارتكاب جرائم خطيرة جداً ضد الإنسانية والقانون الدولي، فالأمر لم يعد التحدث عن الاحتلال بل عن الفصل العنصري والتهجير والتطهير العرقي وإبادة شعب، ماذا يوجد أخطر من ذلك؟”..

أرسلت “إسرائيل” أهارون باراك، وهو من القضاة المحنكين في الكيان، ليتولى حملة الدفاع عنها على الرغم من خلافه العميق مع الحكومة الحالية بقيادة الائتلاف اليميني، وهو برأي الصحافة والإعلام الإسرائيلي أكثر من مشهد درامي كما يصوره البعض إرضاءً واستعطافاً للمعارضة…

ولذلك، أرسلت “إسرائيل” أهارون باراك، وهو من القضاة المحنكين في الكيان، ليتولى حملة الدفاع عنها على الرغم من خلافه العميق مع الحكومة الحالية بقيادة الائتلاف اليميني، وهو برأي الصحافة والإعلام الإسرائيلي أكثر من مشهد درامي كما يصوره البعض إرضاءً واستعطافاً للمعارضة، وإنّما قرار مهم جداً بالزج بأهم الخبرات القانونية لمواجهة هذه التهم، وفي هذا السياق يقول يوآف ليمور في “إسرائيل اليوم” في مقال بتاريخ 8/1/2024، تحت عنوان: “أمام كرة الثلج الخطيرة للاهاي”: “إنّ اختيار باراك ناجح لثلاثة أسباب: الأول، لأنّه رجل قضاء رفيع المستوى سيعرف كيف يمثّل إسرائيل بشكل أفضل من أي شخص آخر، الثاني، لأنّه يحظى بالاعتبار والاحترام في منظومة القضاء الدولية ليس لأي إسرائيلي آخر، والثالث، لأنّ بالذات خلافه العميق مع الحكومة ومع رئيسها يدل على أنّ الحديث يدور عن موضوع إسرائيلي لا ينتمي لمثل هذه الحكومة أو غيرها”. ولكن، هل هذا كافٍ لتفادي الدعوى الجنوب إفريقية؟.

المواجهة

في معرض تقديمها للدعوى أمام الهيئة الدولية، كانت بريتوريا ذاهبة إلى النهاية في المواجهة مع النظام العنصري في “إسرائيل” وداعميه، من خلال معروض لحظت فيه كل الوسائل والسبل الكفيلة بداية لتخفيف المعاناة عن الشعب الفلسطيني عبر طلب إغاثة مؤقتة، وهو أمر احترازي يأمر “إسرائيل” بوقف القتال فورا، ومن بعدها استكمال ملاحقتها في الجرائم التي ارتكبتها وهذا كان واضحاً خلال الجلسة الأولى التي عقدتها محكمة العدل الدولية والوقائع التي عرضها الوكيل القانوني لجنوب إفريقيا خلال الملف الذي قدّمه أمام المحكمة والذي تضمّن، إضافة إلى الفظائع التي تمّ ارتكابها بحقّ الغزيين، عرضاً لكل تصريحات قادة العدو ومسؤوليه السياسيين ومطالباتهم بإبادة غزة عن بكرة أبيها؟!.

لا يمكن القول إنّ الدعوى الجنوب إفريقية ستكون الحاسمة في إنهاء احتلال فلسطين وعودة لاجئيها، وإنّما ستكون بمثابة كرة الثلج المتدحرجة التي ستجر الكيان الغاصب إلى مواجهة أخطر جريمة في القانون الدولي الجنائي وهي الإبادة الجماعية

وعليه، لا يمكن القول إنّ الدعوى الجنوب إفريقية والتي تشكّل صرخة حقّ في مواجهة أعمال القتل والإبادة التي تقوم بها “إسرائيل” بحقّ فلسطين وأرضها وشعبها وحضارتها، ستكون الحاسمة في إنهاء احتلال فلسطين وعودة لاجئيها، وإنّما ستكون بمثابة كرة الثلج المتدحرجة التي ستجر الكيان الغاصب إلى مواجهة أخطر جريمة في القانون الدولي الجنائي وهي الإبادة الجماعية، وهذا سيؤدي إلى عزلها ومقاطعتها دولياً وإقتصادياً وفرض عقوبات عليها وسيبعد الدعم الأمريكي أكثر عنها وقد بدأت ترى أنّ مزيداً من المجابهة مع العالم سيضعها -أي الولايات المتحدة الأمريكية- في مواجهة ليست في صالحها ولا سيما في ظل ما يشهده العالم من تغيرات وتطورات متسارعة، وهذا بحد ذاته انتصار للمظلومية الفلسطينية ولمعركة السردية التي خيضت منذ النكبة ولحد الآن.

*كاتب سوري


وسوم :
, , , , , , , , , , , , , , , ,