النكبة وفلسطين وذاكرة الأحفاد

التصنيفات : |
مايو 22, 2024 6:00 ص

*موسى جرادات

بعد مرور 76 سنة على نكبة الشعب الفلسطيني، سقطت أوهام الحركة الصهيونية و”دولة” الكيان، التي كانت تعتقد أنّ الشعب الفلسطيني سينسى ويستسلم لواقعه الجديد، ومع هذا فإنّ تلك الأوهام ما تزال تفعل فعلها في دائرة صنّاع القرار داخل كيان الاحتلال من خلال مقاربة تقول بتصحيح الأخطاء، عبر استكمال ما لم تقم به في العام 48، وهو التخلص من الشعب  الفلسطيني عبر سياسة المجازر الجماعية وحرب الإبادة لدفع الباقي إلى الهجرة خارج الوطن.

هذا هو، بالضبط، ما يميز جوهر الخلاف بين مكونات القوى الحاكمة داخل “إسرائيل”، بين تيار تقليدي يرى أنّ الحضور البيولوجي للإنسان الفلسطيني لا يشكّل خطراً على وجود الكيان المحتل، وبين تيار استئصالي يدفع المنظومة الحاكمة اليوم نحو هذا التوجه.

السؤال هنا لا يتعلق بالقدرة على هذا النهج والمقاربة والرؤية الاستئصالية، بقدر فهم حقيقة مكونات المشروع الصهيوني، الغير قادر على العيش دون التعبير عن نفسه بهذا الوجه الدموي واللاعقلاني، في حين يدفع الغرب هذا الكيان إلى عقلنة هذا السلوك التحكمي من خلال ما يُسمّى بعمليات التطبيع مع الأنظمة العربية في المنطقة، وما بين سلوك وحشي للكيان وخشية غربية من عدم القدرة على دمج الكيان في المنطقة، تظهر كل التتاقضات على المسرح السياسي الدولي وتظهر معها كل منظومة التحكم الغربي وتتكشف بفعل تلك السياسات العاجزة عن ترجمة تلك العقلانية، ويظهر أيضاً طبيعة تلك الخلافات مع الكيان الصهيوني، خلافات لا تصل حدود الجوهر في بناء السياسات بقدر ماهي تعبير عن اختلاف في بعض المصالح.

صحيح أنّ الخسائر التي تلقّاها الفلسطيني في هذه الحرب كبيرة جدا، وفاتورة الدم كذلك، ولكنّ الخسائر ستكون أكبر إذا لم تحدث هذه المواجهة وتتسع وتتمدد، فالتطبيع مع الكيان، خلاصته نفي الشعب والقضية وفقدان الأرض والوجود

فالكيان يعيش أزمتين وجوديتين لا يستطيع الفكاك منهما، الأولى متصلة بمباني وهيكلية المشروع الصهيوني وقدرته على البقاء، والثانية مرتبطة بعدم الثقة بالغرب عموماً على الاستمرار في دعمه إلى ما لا نهاية، لهذا يذهب الكيان إلى إظهار صورته الحقيقية أمام الجميع دون الاكتراث لنتائج سلوكه الوحشي والإجرامي تجاه الشعب الفلسطيني، ويبني على ذلك من خلال فهم جوهر المشروع الغربي المنبثق منه، فنظام الهيمنة والتحكم واحد ولا ينفصل المشروع الصهيوني عن المشروع الغربي لهذا نفهم كل تصريحات قادة الاحتلال التي تؤكد على مقولة أنّ الكيان يدافع عن منظومة الحضارة الغربية وقيمها، وهنا جوهر الحكاية، حكاية النكبة المستمرة منذ العام 48 وحتى هذا الوقت.

هنا يجب التأكيد أنّ الشعب الفلسطيني ومن خلال صموده ودفاعه المستميت عن أرضه وقضيته، مثّل ويمثّل خط الدفاع الأول عن المنطقة، في مواجهة أطماع الحركة الصهيونية والغرب، وعبر ذاكرة الأجداد والآباء والأحفاد الذين يقاتلون اليوم في فلسطين، يُثبت الشعب الفلسطيني وقواه الحية وعبر التحالف مع كل قوى المقاومة في المنطقة، وأنّ المقاومة وحدها هي القادرة على لجم المشروع الصهيوني، على طريق إزالته والانتصار عليه، فالحرب وجودية بالدرجة الأولى ولا مجال لفهمها سوى من هذا المنظار.

صحيح أنّ الخسائر التي تلقّاها الفلسطيني في هذه الحرب كبيرة جدا، وفاتورة الدم كذلك، ولكنّ الخسائر ستكون أكبر إذا لم تحدث هذه المواجهة وتتسع وتتمدد، فالتطبيع مع الكيان، خلاصته نفي الشعب والقضية وفقدان الأرض والوجود.

الحرب مستمرة إلى هذا الوقت والنتائج لم تحسم بعد، ولكن الأكيد أنّ بن غوريون يتململ الآن في قبره وهو يرى أحفاده عاجزين عن أخذ أمرهم بأيديهم، وفي كل وقت يصرخون ويطلبون الدعم كل الدعم من الغرب، في ما يطلّ القسّام ويرى أحفاده على نفس الخطى وما بدّلوا تبديلا.

*كاتب فلسطيني


وسوم :
, , , , , , , , , , , , ,