التدمير والتهجير في شمال الضفة: استراتيجية إسرائيلية لفرض سيطرتها الدائمة
مارس 5, 2025 7:49 ص
*ثائر أبو عياش – الضفة:
تشهد الضفة الغربية منذ فترة طويلة سلسلة من العمليات العسكرية الإسرائيلية التي تستهدف المدنيين والمخيمات الفلسطينية. لكنّ العملية العسكرية الأخيرة في شمال الضفة الغربية تبرز كجزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تدمير البنية التحتية الفلسطينية وتهجير السكان من مناطقهم، وهو ما يشكّل تهديداً وجودياً لفكرة اللجوء والهوية الفلسطينية ذاتها. إنّ هذه العمليات لا تهدف فقط إلى القضاء على المقاومة الفلسطينية، بل تشمل أيضاً محاولة هندسة واقع جديد يقوم على تدمير فكرة المخيم وإعادة تشكيل مفهوم اللجوء الفلسطيني في العقل الجمعي الفلسطيني والعالمي.
1- العقل الأمني الإسرائيلي: المنظور العسكري والاستراتيجي
يأتي هذا الهجوم العسكري في سياق استراتيجية أمنية تركّز على تفكيك أي بنية مقاومة فلسطينية. إذ يرى الأمن الإسرائيلي أنّ الضفة الغربية، خصوصاً في شمالها، تمثّل مركزاً هاماً للنشاطات المسلحة والتجمعات السكانية التي قد تشكّل تهديداً في المستقبل. يعتقد الأمن الإسرائيلي أنّ تقويض هذه التجمعات سيكون له دور رئيسي في منع أي تحركات للمقاومة عبر تدمير البنية التحتية التنظيمية للفصائل الفلسطينية، مثل حركتي حماس والجهاد الإسلامي، اللتان تنشطان في المنطقة. وبالتالي، فإنّ العمليات العسكرية تهدف إلى تقليص مساحة التأثير لهذه الفصائل في المنطقة، مع تمهيد الطريق لفرض واقع أمني جديد يخدم المصالح الإسرائيلية.
لكنّ الأهداف الأمنية لا تتوقف عند هذا الحد، بل تتجاوزها إلى محاولة تفكيك البنية الاجتماعية الفلسطينية التي تحتفظ بأصول تاريخية وثقافية تتعلق بمفهوم اللجوء. المخيمات الفلسطينية التي تشكّل أكثر من مجرد أماكن إقامة للاجئين، هي مراكز حيوية للذاكرة الجمعية الفلسطينية، ونقطة تلاقي لمجموعة من القيم الوطنية والمقاومة. يعتقد الأمن الإسرائيلي أنّه من خلال تدمير هذه المخيمات، يمكن تقويض شعور الانتماء لدى الفلسطينيين وبالتالي التأثير على الهويات السياسية المرتبطة بفكرة العودة.
2- اليمين الإسرائيلي: ديموغرافيا المنطقة وفرض السيادة
يرى اليمين الإسرائيلي، خاصة الأحزاب القومية المتشددة، في الضفة الغربية جزءاً من “أرض إسرائيل” التاريخية التي لا ينبغي التنازل عنها. وعليه، فإنّ استراتيجيتهم في التعامل مع الفلسطينيين في الضفة الغربية تستند إلى مفهوم التوسع الاستيطاني والسيطرة التامة على الأراضي. في هذا السياق، يأتي تدمير المخيمات الفلسطينية كجزء من سياسة متكاملة تهدف إلى تقليص الوجود الفلسطيني وفرض أمر واقع ديموغرافي يخدم مصالح الاستيطان اليهودي.
يؤمن اليمين الإسرائيلي أنّ هذه السياسات يمكن أن تساعد في خلق بيئة ديموغرافية تُنهي فكرة الانفصال أو إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية
من خلال عمليات التدمير والتهجير، يسعى اليمين الإسرائيلي إلى تفريغ الضفة الغربية من أي وجود فلسطيني يتمسك بمفهوم العودة أو يعيش داخل مخيمات اللجوء. ويؤمن اليمين الإسرائيلي أنّ هذه السياسات يمكن أن تساعد في خلق بيئة ديموغرافية تُنهي فكرة الانفصال أو إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية، وهي فكرة يرفضها جزء كبير من هذا التيار. وعليه، يعتبرون هذه العمليات بمثابة خطوة نحو بناء “القدس الكبرى” وتوسيع المستوطنات اليهودية في الأراضي المحتلة.
3- تدمير فكرة المخيم واللجوء: أداة للنسيان وإعادة الهندسة الاجتماعية
تشكّل المخيمات الفلسطينية جزءاً أساسياً من الذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني، وتُعتبر رمزاً للنكبة ولحقّ العودة. من خلال العمليات العسكرية الحالية، يسعى الاحتلال الإسرائيلي إلى القضاء على هذه المخيمات، ليس فقط كأحياء سكنية، بل كرموز للمقاومة والذاكرة الفلسطينية. تمثّل المخيمات في الضفة الغربية وقطاع غزة تجسيداً للعيش في المنفى، وهي تمثّل أيضاً البعد العاطفي لحقّ العودة الفلسطيني. لذلك، فإنّ تدمير هذه المخيمات لا يعني فقط تفكيك تجمعات سكنية، بل هو هجوم على الهوية الفلسطينية بكاملها.
تدمير المخيمات من قِبل الاحتلال الإسرائيلي لا يقتصر على التدمير المادي للبيوت والمرافق، بل يشمل أيضاً محاولات لإلغاء الرابط الرمزي بين الفلسطينيين وأرضهم
إنّ تدمير المخيمات من قِبل الاحتلال الإسرائيلي لا يقتصر على التدمير المادي للبيوت والمرافق، بل يشمل أيضاً محاولات لإلغاء الرابط الرمزي بين الفلسطينيين وأرضهم. هذه السياسة تستهدف خلق حالة من النسيان أو التفكك في الذاكرة الفلسطينية الجمعية، وهو ما يشير إلى محاولات إسرائيلية لتحويل قضية اللجوء الفلسطيني إلى قضية قديمة فاقدة للزخم، مما يساهم في تهميشها في الساحة الدولية.
4- الأهداف الاستراتيجية السياسية للاحتلال الإسرائيلي
تتعدد الأهداف السياسية لاستراتيجية الاحتلال في شمال الضفة الغربية:
أولا، إضعاف الحركة الوطنية الفلسطينية: من خلال تدمير المخيمات وتهجير السكان. يهدف الاحتلال إلى تقويض قدرة الفلسطينيين على التنظيم والمقاومة. المخيمات ليست فقط تجمعات سكانية، بل مراكز حيوية تنشط فيها المنظمات السياسية الفلسطينية.
ثانيا، فرض السيادة الإسرائيلية: يسعى الاحتلال، عبر تنفيذ هذه العمليات، إلى تثبيت سيطرته على الضفة الغربية بشكل دائم، مع الإشارة إلى أنّ الاحتلال يسعى لتوسيع المستوطنات وتكريس مفهوم “أرض إسرائيل” في هذه المنطقة.
ثالثا، تصفية حقّ العودة: يتماشى تدمير المخيمات والتهجير القسري للسكان مع الأهداف الإسرائيلية الرامية إلى تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين. هذه السياسات تساهم في خلق واقع جديد يكون فيه الفلسطينيون نازحين داخل وطنهم أو في دول أخرى، مما يساهم في تصفية فكرة العودة بشكل تدريجي.
رابعا، عزل الفلسطينيين: عبر تقليل عدد السكان الفلسطينيين في المناطق الاستراتيجية، يسعى الاحتلال إلى تقليل تأثيرهم في المستقبل السياسي والاقتصادي للضفة الغربية، مما يسهل السيطرة الكاملة على الأرض.
الخاتمة
إنّ العمليات العسكرية الأخيرة في شمال الضفة الغربية ليست مجرد هجمات على البنية التحتية الفلسطينية، بل هي جزء من محاولة إسرائيلية شاملة لتصفية القضية الفلسطينية بشكل ممنهج. يمثّل تدمير المخيمات وتهجير السكان استراتيجية لإلغاء فكرة اللجوء الفلسطيني وكبح أي إمكانية لتشكيل هوية فلسطينية تعزز من حقّ العودة. هذه السياسة تتقاطع مع أهداف إسرائيلية أكبر تهدف إلى فرض واقع ديموغرافي جديد يعزز من الاستيطان ويقوّض آمال الفلسطينيين في إقامة دولة مستقلة.
*كاتب فلسطيني