هل ينجح التنسيق الأمني في مخيمات لبنان؟
مارس 21, 2025 10:44 ص
*خاص – صمود:
أثار خبر زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس للبنان مخاوف اللاجئين الفلسطينين خاصة أنّها تأتي بعد الحديث عن زيارة ماجد فرج رئيس الأجهزة الأمنية في السلطة الفلسطينية بشكل سري إلى لبنان قبل أسبوعين. وكانت زيارة وفود السلطة الفلسطينية إلى لبنان وسوريا قد ارتبطت في ذاكرة اللاجئين الفلسطينين بحصار مخيم اليرموك وتدميره بعد سيطرة حركة حماس عليه خلال الحرب السورية. هذا بالإضافة إلى أحداث العنف التي اندلعت في مخيم عين الحلوة والتي لم تتوقف إلا مع انطلاق عملية السابع من أكتوبر، والتي تلت زيارة ماجد فرج إلى لبنان وجرى الحديث فيها عن ضرورة التصدي للنشاط المتزايد الذي تشهده الضفة الغربية والذي تقوده حماس والجهاد الاسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وتعمل من خلاله على إعادة تنظيم صفوف المقاومة في الضفة الغربية عبر التدريب والتمويل والتسليح.
ومن المعروف أنّ قيادة العمل في الضفة الغربية قد اتخذت من الضاحية الجنوبية في بيروت مقراً لها فكان اغتيال الشيخ صالح العاروري، المسؤول الاول في حركة حماس عن ساحة الضفة الغربية، على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي في أعقاب عملية السابع من أكتوبر وإعلان حزب الله بدء معركة الإسناد، كأول عملية اغتيال ينفّذها الاحتلال في بيروت بتاريخ 2 -1-2024، واستُشهد فيها، إضافة إلى العاروري، اثنان من قيادات كتائب القسام كانا برفقته هما: سمير فندي وعزّام الأقرع.
وعلى الجانب الآخر عملت حركة الجهاد الإسلامي من الضاحية الجنوبية على تشكيل نواة مقاومة في الضفة الغربية وخاصة في المخيمات الفلسطينية ومنها كتيبة جنين، التي اتخذت من مخيم جنين للاجئين الفلسطينيين معقلاً لها ونفّذت عدة عمليات عسكرية ضد الاحتلال، هذا إضافة إلى الاشتباك المستمر مع قوات الاحتلال خلال محاولاتها اقتحام المخيم بهدف تفكيك خلايا المقاومة بداخله. كما اتخذت الحركة من المخيمات الفلسطينية في سوريا مقراً لنشاطها المتزايد لذلك كانت مقراتها في دمشق أهدافاً للقصف الإسرائيلي وكوادرها عرضة للاغتيال.
اتخذت قيادات المقاومة العسكرية والأمنية من الضاحية الجنوبية مقراً لها للعمل على إعادة تنظيم خلايا مقاومة في الضفة الغربية
أما الجبهة الشعبية والتي تتمتع بأرضية جماهيرية في الضفة الغربية فقد اتخذت قيادتها العسكرية والأمنية من الضاحية الجنوبية مقراً لها للعمل على إعادة تنظيم خلايا مقاومة في الضفة الغربية وتبنّت مسؤولية عدد من العمليات الفدائية ضد أهداف عسكرية للاحتلال في الضفة الغربية.
بتاريخ 30-9-2024، قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بالإعلان عن اغتيال الشهيد نضال عبد العال، المسؤول الأمني والعسكري في الجبهة الشعبية وعضو المكتب السياسي وبرفقته الشهيد عماد عودة المسؤول العسكري في لبنان ومرافقه الشخصي الشهيد عبد الرحمن عبد العال. وقد تبنّت قوات الاحتلال في بيان لها العملية التي وقعت خارج الضاحية الجنوبية بالقرب من جسر الكولا في بيروت. وجاء في البيان أنّ “عبد العال كان يقود جهود منظمة الجبهة الشعبية لتخطيط وتنفيذ عمليات استهدفت إسرائيل، وعمل مسؤولاً عن توجيه النشاطات للمنظمة في مناطق الضفة الغربية، وفي هذا الإطار عمل على إنشاء بنى تحتية عسكرية في يهودا والسامرة وعلى الترويج لارتكاب عمليات ضد أهداف إسرائيلية”.
على الرغم أنّ هذا العمل كان موجهاً ضد الاحتلال بشكل مباشر إلا أنّ أجهزة السلطة الفلسطينية اعتبرته موجهاً ضد شرعيتها هناك وذلك بسبب طبيعتها التي تقوم بشكل أساسي على دعم استقرار الاحتلال في الضفة وتكريسه عبر التنسيق الأمني والذي تعتبر مهمته الأساسية هي القضاء على أي مقاومة عسكرية فيها.
إشعال فتيل المخيمات
وهذا ما جاء ماجد فرج قبل السابع من أكتوبر 2023، ليعبّر عنه في لبنان بزيارته المفاجئة. وكانت رسالته الأساسية أنّ أجهزة الأمن الفلسطينية قادرة على التلاعب بأمن واستقرار المخيمات الفلسطينية، مما يؤثر سلباً على استقرار المقاومة في لبنان وخاصة إذا انفجرت الأوضاع في مخيم عين الحلوة وخرجت عن السيطرة، مما قد يؤدي إلى قطع طريق الجنوب وإثارة الفوضى في باقي المخيمات وهذا ما كانت المقاومة الإسلامية في لبنان تخشاه.
وقد حدث هذا بالفعل مباشرة بعد رحيل ماجد فرج إذ اندلعت المواجهات في مخيم عين الحلوة إثر اغتيال اللواء أبو أشرف العرموشي، مسؤول قوى الأمنية في مخيم عين الحلوة والذي كان من القادة الرافضين للاشتباكات في المخيم. وقد اتهمت حركة فتح القوى الإسلامية المتطرفة بالوقوف وراء الحادث لتندلع الاشتباكات في عين الحلوة وتستمر حتى يوم السابع من أكتوبر حين توافق الجميع على إنهاء هذا المخطط في ظل ما يحدث في غزة من بطولة وتضحيات.
بدأت السلطة الفلسطينية في تعميم فكرة “الهزيمة التي تسببت بها حماس والمقاومة في غزة” بعد الدمار الكارثي الذي خلّفه الاحتلال الاسرائيلي
لم تتوقف عمليات الاحتلال الإسرائيلي على الضفة الغربية المحتلة أو في لبنان خلال معركة طوفان الأقصى بل ازدادت وتصاعدت، وأعداد الشهداء والأسرى في الضفة تشهد على ذلك. كما كثّفت السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية من عملياتها في مواجهة المقاومة بعد وقف إطلاق النار في غزة. وبدأت السلطة الفلسطينية في تعميم فكرة “الهزيمة التي تسببت بها حماس والمقاومة في غزة” بعد الدمار الكارثي الذي خلّفه الاحتلال الاسرائيلي. بل إنّها سعت إلى تبرير جرائم الاحتلال من خلال تحميل المقاومة وحركة حماس خاصة المسؤولية عما حدث بسبب عملية 7 أكتوبر، حتى وصل بها الحال إلى الإعلان عن عملية عسكرية في المخيمات ولا سيما مخيم جنين للقضاء على المقاومة فيها تحت ذريعة محاربة أذرع إيران في المنطقة ومنع جر الضفة الى سيناريو غزة من دمار وقتل ومجازر.
إعادة طرح موضوع نزع سلاح المخيمات الفلسطينية في لبنان كمطلب إسرائيلي- أمريكي تسعى من خلاله للحيلولة دون إمكانية تشكيل مجموعات تسعى إلى المقاومة
لقد ارتفعت نبرة التصعيد من قِبل السلطة الفلسطينية مباشرة بعد سقوط نظام الأسد وبدء تراجع الدور الإيراني في المنطقة، وبعد تعيين حكومة جديدة في لبنان من شأنها أن تسعى إلى تقويض سيطرة المقاومة اللبنانية على مفاصل العمل في لبنان بعد تراجع نفوذها في الجنوب.
وقد انعكس ذلك مباشرة على إعادة طرح موضوع نزع سلاح المخيمات الفلسطينية في لبنان كمطلب إسرائيلي- أمريكي تسعى من خلاله للحيلولة دون إمكانية تشكيل مجموعات تسعى إلى المقاومة أو مساندة المقاومة ضد الاحتلال في لبنان.
هناك اعتراض داخل فتح نفسها على الدور التي تلعبه الأجهزة الأمنية الفلسطينية التابعة لماجد فرج مباشرة في رام الله، حيث يُعتبر جزء كبير من مناضلي فتح من أبناء المخيمات الفلسطينية في لبنان، بل إنّ من بينهم حتى السفير الفلسطيني في بيروت أشرف دبور. إنّ موضوع المخيمات يجب أن يعالج وفق مقاربة حقوقية وإنسانية ورفض الحل الأمني/ العسكري بل من المفروض أن يكون هناك توافق وطني داخلي فلسطيني على موضوع تنظيم السلاح داخل المخيمات بالتزامن مع الحصول على الحقوق المدنية كاملة للاجىء الفلسطيني في لبنان ومعالجة ملفات المطلوبين داخل المخيمات الفلسطينية والعديد من الملفات الإنسانية والخدماتية، إضافة إلى حواجز الجيش اللبناني على مداخل بعض المخيمات الفلسطينية وغيره من الملفات التي يجب علاجها عبر تفعيل الحوار الفلسطيني- اللبناني، وتعاطي الحكومة اللبنانية بجدية بهذا المنظور وإنهاء حصرية نقاشه كملف امني داخل مقرات مخابرات الجيش أو أجهزة الأمن الأخرى، وإخراجه إلى المستوى السياسي والإنساني والحقوقي.
من الواضح أنّ هذا التناقض بين أبناء المخيمات والقيادة الأمنية في رام الله قد انعكس سلباً على المخيمات الفلسطينية. ويجري الحديث عن الإجراءات الأمنية التي اتخذتها السفارة الفلسطينية ضد بعض موظفيها لتلقّيهم تعليمات بإثارة الفتنة داخل المخيمات الفلسطينية وهم من المحسوبين على ماجد فرج، وقد تمّ اتهام بعضهم بتمويل اغتيال العرموشي وتمويل العناصر غير المنضبطة داخل فتح والتي كانت تؤجّج الصراع في المخيمات عبر افتعال اشتباكات داخل المخيم مع القوى الإسلامية.
نزع السلاح خدمة للاحتلال
من خلال تسريبات اللقاء السابق الذكر بين ماجد فرج والأجهزة الأمنية والحكومية اللبنانية يتضح أنّ ماجد فرج قد طرح موضوع نزع سلاح المخيمات والتعاون في القضاء على الإرهاب. والمقصود هنا فصائل المقاومة الفلسطينية داخل المخيمات، إضافة إلى المجموعات الإسلامية المتطرفة. أما بالنسبة للبنان حكومة وأجهزة أمنية فليس هناك إجماع على هذه المقاربة بحيث أن لا يتمّ التعاطي مع المقاومة الفلسطينية على أنّها منظمات ارهابية.
لقد قامت الحكومة اللبنانية بإعادة تفعيل لجنة الحوار الفلسطيني- اللبناني والتي تُعتبر مهمتها الأساسية كما ورد على موقع اللجنة الرسمي (إزالة التحديات الهيكليّة طويلة الأمد التي تواجه حقوق الفلسطينيين وأمنهم وتحسين العلاقات اللبنانية- الفلسطينية. وتعتبر أنّ تأمين الحقوق الأساسية للاجئين الفلسطينيين وحصولهم على الخدمات هي مصلحة وطنية من شأنها أن تعزز بشكل إيجابي الاستقرار في المخيمات والتجمعات وبالتالي في جميع أنحاء لبنان).
لم تستطع منظمة التحرير الفلسطينية، لحد الآن، تجاوز الخلاف الفلسطيني- الفلسطيني بين حركة فتح وحركة حماس إلا أنّها تجتمع وقت الأزمات
تعمل هذه اللجنة على التنسيق مع المخيمات الفلسطينية من خلال المتابعة مع لجنة العمل الفلسطيني المشترك والتي تمثّل كافة الفصائل الفلسطينية في منظمة التحرير وخارجها، وهذه الأخيرة لم تستطع لحد الآن تجاوز الخلاف الفلسطيني- الفلسطيني بين حركة فتح وحركة حماس إلا أنّها تجتمع وقت الأزمات على الرغم من ضرورة تنظيم اجتماعات مستمرة ومنتظمة للإشراف على أوضاع اللاجئين ومتابعة قضاياهم.
وتعتبر لجنة الحوار، التي تأسست تحت رعاية الرئيس نبيه بري بهدف استثناء الساحة الفلسطينية في لبنان من النزاع الفلسطيني- الفلسطيني في غزة والضفة، وهو آخر ما يحتاجه لبنان في الوقت الحالي من خطورة اندلاع مواجهات خلفية بينما ينشغل الجيش اللبناني في الجنوب والحدود اللبنانية السورية وبالأوضاع الداخلية اللبنانية، والتي بدأت تتأثر بما يحدث في سوريا بعد سقوط النظام السوري، من اشتباكات على الحدود وتدفق موجات من اللاجئين إلى لبنان بعد المجازر التي حصلت في الساحل السوري.
مصير اللاجئين بين المقاومة والتوطين
تتأثر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين مع كل تلك الظروف بصورة أو بأخرى، بالتزامن مع إعلان الولايات المتحدة قطع الدعم عن وكالة الأونروا والتي بدورها بدأت بتقليص خدماتها مع تزايد الأزمات التي تعصف بالمخيمات الفلسطينية في لبنان في ظل الأزمة الاقتصادية التي يمر بها، والحرب “الإسرائيلية” التي لم تنجُ المخيمات الفلسطينية من تأثيراتها المباشرة وغير المباشرة.
يدرك الفلسطينيون أهمية الحفاظ على المخيمات وأمنها الداخلي مما يساهم في خلق بيئة مقاومة ترفض مشاريع التوطين أو التهجير
لا يزال اللاجئون الفلسطينيون في لبنان مصرّين على التمسك بهويتهم الوطنية وحقّهم في العودة إلى أراضيهم التي هُجّروا منها وحقّهم القانوني والإنساني في المقاومة. ويدرك الفلسطينيون أهمية الحفاظ على المخيمات وأمنها الداخلي مما يساهم في خلق بيئة مقاومة ترفض مشاريع التوطين أو التهجير. حيث تُعتبر المخيمات الفلسطينية في لبنان وسوريا عائقاً أساسياً أمام أي مشروع تطبيعي بحيث يجب التخلص منها للتمهيد لمستقبل جديد للشرق الأوسط بدون الفلسطينيين.
من هنا يمكن أن نفهم إمكانية العبث بهذا الملف بهدف تأجيج المخيمات وإدخالها في حلقة من الدمار، المستفيد الوحيد منها هو الاحتلال الإسرائيلي وداعموه الرئيسيون في العالم بقيادة المعسكر الأمريكي الذي يريد تثبيت خسارة المقاومة في المنطقة وتحويل هذه الخسارة إلى مكتسبات على الأرض.
يبقى السؤال الأساسي: هل ستقبل المقاومة الإسلامية في لبنان تمرير هذا المخطط بعد الخسارة التي مُني بها جيش الاحتلال في عمليته البرية في جنوب لبنان؟. فعلى الرغم من التضحيات الجسيمة التي قدّمتها المقاومة في هذه المعركة إلا أنّ جيش الاحتلال فشل فشلاً ذريعاً في تحقيق أي مكتسبات على أرض الميدان بحيث فشلت خطته البرية تماماً وتكبّد خسائر جسيمة خلال العملية البرية. كما أثبت عدم قدرته على إيقاف الصواريخ والمسيّرات التي ضربت “تل أبيب” وحيفا وصفد وكامل الشمال الفلسطيني المحتل حتى اليوم الأخير قبل توقيع وقف إطلاق النار.
بموازاة الفشل العسكري الذريع والذي اعترف به جنرالات الاحتلال أنفسهم بعدم قدرتهم على القضاء على المقاومة الفلسطينية في غزة، بحيث استمرت عمليات المقاومة المركبة في ضرب جيش الاحتلال الإسرائيلي في جباليا وبيت لاهيا وبيت حانون وشمال غزة كما جنوبها، لليوم الأخير، إضافة إلى إعادة ترتيب قدراتها العسكرية والبشرية بحيث أعادت ترميم كل الكتائب التي تمّ ضربها خلال المعركة قبل الوصول لاتفاق وقف إطلاق النار بعد إحساس القيادة الإسرائيلية العسكرية والأمريكية بعدم جدوى هذه الحرب التي لم تستطع تحقيق أي هدف معلن لها.
تسعى السلطة الفلسطينية إلى استكمال ما لم تقدر عليه قوات الاحتلال في غزة والضفة وبشكل جانبي في لبنان وسوريا، بحيث تريد فرض سيطرتها على كل أماكن تواجد الفلسطينيين والقضاء على المقاومة فيها، إذ تعتقد أنّ باستطاعتها الحصول على الشرعية الوطنية عبر جيش من الموظفين والمتعاقدين تصلهم رواتب شهرية تُصرف من ميزانية السلطة الفلسطينية.
في ما عدا ذلك، يستمر الرهان على الوطنيين وأبناء المخيمات من أبناء حركة فتح وباقي المنظمات الأهلية الفلسطينية في قطع الطريق على هذا المخطط والقيام بعملية حوار داخلية فلسطينية- فلسطينية وإعادة تفعيل لجنة العمل الفلسطيني المشترك ودمج منظمات المجتع الأهلي بها، وأيضاً متابعة تفعيل قوى الأمن المشتركة وإعادة توحيد اللجان الأهلية والشعبية في المخيمات الفلسطينية.