بعد هدر عشرين عاماً وصرف 2 تريليون دولار.. لماذا قامت الولايات المتحدة بكل هذا في أفغانستان؟

التصنيفات : |
سبتمبر 22, 2021 2:23 م

*ترجمة – صمود:

“لقد تركت الهزيمة الأمريكية المُدوّية، الأفغان والأمريكيين في حالة ذهول وارتباك، لكنّ بعض المكاسب أيضاً لا يمكن محوها بسهولة”.

(جوليان بورغر)

أزمة أفغانستان: تحديثات حيّة
في الأول من تشرين الأول/نوفمبر من عام 2001، بعد 3 أسابيع من هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر و6 أيام قبل بدء قصف أفغانستان، كانت هناك مسيرة إحتجاجية صغيرة في واشنطن. ارتدى المتظاهرون شارات تقول: “لا تحوّلوا المأساة إلى حرب” و”حزننا ليس صرخة من أجل الحرب”، طالبوا فيها بأن لا تكون الحرب هي الرد الوحيد والحتمي على الغضب الإرهابي. وتمّ رفض الاحتجاج عقب الفظائع التي ارتكبها تنظيم القاعدة.
ونشرت “نيويورك تايمز” عن المسيرة تقريراً بعنوان: “المتظاهرون يُعارضون شنّ الحرب ضد الإرهابيين”.
بعد 20 عاما، وفي أعقاب الهزيمة المُذهلة للولايات المتحدة وحلفائها وعودة “طالبان” إلى السلطة، يتمّ طرح أسئلة أولئك المتظاهرين مرة أخرى، لكن هذه المرة بروح الإستسلام واليأس.
وسط صدمة سقوط كابول، والفوضى التي انتشرت خلال عمليات الإخلاء، والشعور السّائد بالخيانة، هناك خوف واسع النطاق من أنّ السنوات الـ20 الماضية، وعشرات الآلاف من الأرواح التي فُقدت، وإنفاق تريليونيّ دولار، قد تكون كلّها ذهبت هباء.
صرّحت باشتانا دوراني، الناشطة “من أجل الفتيات” لـ”بي. بي. سي” قائلة: “لأكون صادقة جداً في الوقت الحالي، أشعر أنّني أفقد كل شيء عملنا بجدٍّ من أجله، وكلّ فرد في عائلتي، وكلّ فرد في قبيلتي، وكلّ شخص في منطقتي، بما في ذلك المقاطعة بأكملها تشعر بذلك”.
كما أضافت بالقول: “علينا الفرار والتّخلي عن المنازل التي عملنا بجدٍّ من أجلها، والتّخلي عن كل تلك التضحيات التي قدمناها”.
وقال المُقدَّم جيمس تشو، الضّابط السابق في المخابرات الجوية الأمريكية وعضو مجلس الدفاع في مشروع ترومان للأمن القومي: “قلبي يحترق، أنا حزين وغاضب أيضا، لأنّني كنت شاهداً على تضحيات لا يمكن وصفها من قبل رجال ونساء رائعين، وأنا الآن لست متيقّناً ما إذا كان أيّ من تلك التضحيات ذا معنى”.
أضاف تشو: “بصراحة، كلما فكرت أكثر في ما إذا كان الأمر يستحق كلّ هذا العناء من أجل رؤية أو هدف استراتيجي أعظم، كلما شعرت باليأس أكثر. أنا متأكد من أنّني ذهبت إلى هناك لأنّ إخوتي وأخواتي في السلاح كانوا يذهبون إلى هناك أيضا، ويتأكدون من أنّنا كنّا هناك نعتني ببعضنا البعض”.

نجوم وخطوط العلم الأمريكي تنعكس على زجاج نوافذ مبنى السفارة الأمريكية في كابول (AFP)

كان الهدف الأساس من حرب الولايات المتحدة وشركائها في التحالف هو منع أفغانستان من أن تصبح نقطة انطلاق لهجمات القاعدة على الغرب. بهذا المعيار المحدود، كان الوجود العسكريّ ناجحا، لكن من غير المؤكد ما إذا كان هذا النجاح سينقلب ضدّنا الآن”.
قال تشارلز ليستر من معهد الشرق الأوسط: “إنّ العلاقة بين طالبان والقاعدة راسخة كما كانت في أيّ وقت مضى. قد يكون الموقف السياسي لطالبان قد تطوّر إلى حدٍّ ما على مرّ السنين، لكنّ علاقاتٍ من هذا القبيل أكثر مرونة بكثير”.
أصدر المفتش العام الأمريكي الخاص بإعادة إعمار أفغانستان (سيغار) تقريراً يوم الثلاثاء، حول الميزانية العموميّة الأوسع للتدخل العسكري في أفغانستان، وكان الأمر مُحزناً كذلك، وقال التقرير: “إذا كان الهدف هو إعادة البناء وترك دولة يمكن أن تحافظ على نفسها وتُشكّل تهديداً أقلّ لمصالح الأمن القومي للولايات المتحدة، فإنّ الصورة العامة في أفغانستان مُبهمة بشكل مظلم”.
اعترف التقرير بكل النجاحات، مثل زيادة معدلات الأعمار وتقليل وفيات الأطفال وزيادة محو الأميّة، وأضاف: “بالرغم من كل تلك النجاحات، السؤال هنا عمّا إذا كان الإستثمار يتناسب مع استمرار تلك النجاحات بعد الإنسحاب”. تضمّن تقرير سيغار أيضاً أنّ النجاحات انهارت بعد الإنسحاب.
إلى جانب المحاسبة الأوليّة الطارئة، هناك بدايات لتقدير ما يمكن إنقاذه في أفغانستان. أفغانستان التي ترثها طالبان الآن مختلفة تماماً عن أفغانستان عام 2001.
على مدى السنوات الـ20 الماضية، انخفضت معدّلات وفيات الرُضّع بمقدار النصف. بالكاد ذهبت أيّة فتاة إلى المدرسة في ظلّ نظام طالبان الأول. الآن، يمكن لأكثر من فتاة واحدة من بين كل ثلاث مراهقات القراءة والكتابة.
في عام 2005، كان أقلّ من واحد من كل 4 أفغان يحصل على الكهرباء، أما الآن، الكل يحصل على الكهرباء تقريبا.

في 11/2010 ضمّ التحالف العسكري في أفغانستان 90 ألف جندي أمريكي

هذه النجاحات يصعب محوها، وإذا حاولت طالبان ذلك، فإنّها ستؤدي إلى تدمير نفسها ذاتيّا.
بهذا المعنى، على الرغم من أنّ الهزيمة العسكرية ساحقة ولا لبس فيها، فإنّ درجة نجاح أو فشل تضحيات العقدين الماضيين هي معركة لا يزال يتوجّب خوضها.
قال دومينيك تيرني، أستاذ العلوم السياسية في كلية سوارثمور، ومؤلف كتاب “الطريقة الصحيحة لفقدان الحرب”: “أمريكا في عصر الصراعات التي لا يمكن الفوز فيها، إنّ ما يحدث في الواقع مع هذه الحروب الحديثة المُعقّدة هو أنّه ليس لديهم نهاية واضحة”.
وأضاف: “إنّ الأوقات الحالية حرجة للغاية. فهل لدينا نوع من الخسارة الجزئية أم كارثة كاملة؟ وما يحتاج الناس إلى إدراكه هو أنّ الفرق كبير بين هذين الأمرين”.
ويدّعي أيضاً أنّه يجب على الولايات المتحدة أن تبدأ في استخدام جميع الوسائل المتاحة لها، إلى جانب إجلاء أكبر عدد ممكن من اللاجئين، بما في ذلك الشراكة مع الصين وروسيا والقوى العالميّة الأخرى التي سيكون لها مصلحة في أفغانستان، لمحاولة التخفيف من حجم هزيمة.
ويرى تريني أنّ انتصار طالبان سيخلق الكثير من الاحتكاك بين طالبان والكثير من القوى الإقليمية. وإذا كانت الولايات المتحدة ذكيّة، فقد تكون قادرة بالفعل على الإستفادة من ذلك.


لقي أكثر من 172 ألف شخص مصرعهم خلال عقدين من الحرب في أفغانستان

قالت فرحات بوبال، التي عملت في وزارة الخارجية ولصالح سيغار في أفغانستان: “ما يتوجّب على المجتمع الدولي القيام به في هذه اللحظة هو الإلتزام بالحماية الإنسانية لا سيّما تجاه النساء والفتيات اللواتي يواجهن مخاطر ضخمة على صحتهنّ وسلامتهنّ الجسديّة والنفسيّة إذا ما تمّ إنهاء العمل الإنساني هناك، والإلتزام باستقبال اللاجئين”.
قالت أيضا: “هذه قضايا حياة أو موت ولا يستطيع العالم أن يتخلّى عنها”.
بالنسبة للأفغان الذين خلَّفهم الإنسحاب المتسرّع للولايات المتحدة والمملكة المتحدة والقوى الغربية الأخرى، فإنّ تخفيف الهزيمة سيكون مسألة مقاومة غير مسلّحة، ورفضاً للتخلي عن النجاحات التي حققوها لأنفسهم.
كتبت فاطمة أيوب، أفغانيّة تعمل الآن مديرة لـ Crisis Action في واشنطن، على تويتر: “أنا أعلم هذا على وجه اليقين: إذا أصرّت طالبان على تجريد الأفغان من الفرح، وهم أكثر الأشخاص الذين تعرضوا لصدمات نفسية، وتمّ التخلي عنهم على وجه الأرض، فإنهم سينتهون من تحقيق دورهم بذلك.


*نُشر في ذي غارديان بتاريخ 17/آب/أوغسطس/2021


وسوم :
, , , ,