البيوت الاستراتيجية حول القدس وسعي الاحتلال الإسرائيلي المتواصل لسرقتها

التصنيفات : |
يوليو 20, 2021 2:46 م

* منى العمري

نقدم – من خلال هذه الظاهرة في القدس- ورقة بحثية تتناول في جديتها وخطورتها معاناة الفلسطينيين جراء سرقة بيوتهم من قبل الاحتلال، بالإضافة الى تسليط الضوء على “حي الشيخ جراح، حي سلوان” كمثال على الانتهاكات الحاصلة لحقوق الفلسطينيين في الآونة الاخيرة، بالاستعانة بعدة مصادر محلية وعالمية أشارت مسبقاً إلى هذا الموضوع.

إن استراتيجية التهويد هي “عملية اقتلاع الشعب الفلسطيني ليس من أرضه وحسب، وإنما فصله كلّيا ًعن تاريخه ومحو ذاكرته الثقافية التي نسجها عبر قرون طويلة من الزمن. وإذا كانت الجغرافيا (الأرض) قد شكّلت المسرح الحياتي للجماعة العربية الفلسطينية، وإذا كان التاريخ أيضاً قد شكَّل ذاكرة هذه الجماعة وهويتها الحضارية، فإنّ التهويد الصهيوني جاء ليكون قطعاً فاصلاً بين الجغرافيا والتاريخ أي بين الأرض وإنسانها، وبالتالي تصدير هذا الإنسان إلى الفراغ ورميه في المجهول.

على قاعدة هذه الغائية الصهيونية المرسومة في استراتيجية التهويد، تحدَّدت طبيعة الصراع العربي – الصهيوني على القدس وفلسطين، بحيث لم يكن في حقيقته صراعاً دينياً أو اجتماعياً أو حضارياً أو تنازعاً حدودياً أو اقتصاديا، وإنما كان وما زال، صراعاً بين الإلغاء والبقاء، بين مستوطن صهيوني اغتصابي من جهة، ومواطن عربي فلسطيني متشبِّث بأرضه ومدافع عن هويته ووجوده من جهة أخرى”.

كما ارتكزت استراتيجية التهويد الصهيوني إلى مسارين متلازمين من حيث الأهداف والنتائج: الأول، ظرفي سياسي ويتمثَّل بـ”الأسرلة” أي إضفاء الطابع الإسرائيلي على فلسطين المحتلة إدارياً وديموغرافياً وسياسيا.

والثاني، استراتيجي أيديولوجي ويتمثل بالتهويد أي إقامة المجتمع والدولة اليهوديين كترجمة توراتية لتحقيق نبوءات دينية مزعومة تدور حول مقولتي “الأرض الموعودة” و”شعب الله المختار”. (١)

وإذا كانت الاستراتيجية الصهيونية قد جعلت من فلسطين كلها هدفاً ثابتاً في إضفاء الطابع الإسرائيلي – اليهودي المهيمن على مختلف مناحي الحياة، والأرض، والثقافة، والمؤسسات الدينية وسواها، فإنّ منزلة القدس – “قلب العقيدة” في الأيديولوجية الصهيونية – ظلَّت تمثل خصوصية متقدِّمة على غيرها من الخصوصيات الأخرى في المشروع الصهيوني باعتبار المدينة المقدّسة مركز الانطلاق نحو أي مشروع استراتيجي يتجاوز مساحة فلسطين إلى مساحة المشروع التلمودي – التوراتي الهادف إلى تحقيق “إسرائيل الكبرى” من الفرات إلى النيل.

تركّز الاهتمام الصهيوني على أسرلة القدس وتهويدها منذ أن سيطرت إسرائيل على القسم الغربي من القدس  إبان حرب 1948. فقد أحدثت سلطات الاحتلال تغييراً جذرياً على صعيد جغرافية هذا القسم المحتل من المدينة وديموغرافيته.

أيديولوجيا التهويد

تجلَّت عملية الأسرلة والتهويد لهذا القسم على أكثر من مستوى، كان أبرزها ثلاثة:

الأول، على المستوى الإداري ظهر اسم “أورشليم”، في مسعى تهويدي واضح للمدينة من خلال اللجوء إلى استعادة اسمها التوراتي كما ورد في العهد القديم. وبذلك باتت القدس الغربية جزءاً من التنظيم الهيكلي الإسرائيلي إدارياً ومؤسساتياً وتربوياً وعمرانيا.

الثاني، التهويد العقاري بهدف إضفاء الطابع اليهودي على جغرافية المدينة، وذلك من خلال أساليب متعدِّدة من الاستيلاء والمصادرة وإكراه أصحاب الملكيات من العرب على بيع أراضيهم. وبعد أن كانت الملكيات العربية بعد حرب 1948 مباشرة تشكل حوالى 34% من إجمالي الأراضي المملوكة من الشطر الغربي من القدس مقابل 30% فقط لصالح الملاّك اليهود، لم تلبث سلطات الاحتلال أن نجحت في إنجاز التهويد الكامل للأراضي محوّلة المواطنين العرب إلى لاجئي شتات خارج ديارهم وأراضيهم محقِّقة بذلك التهويد الجغرافي للشطر الغربي من المدينة والذي بلغت مساحته 16261 دونماً العام 1948 أي ما يشكل حوالى 84% من إجمالي مساحة القدس الكلية آنذاك، إلا أنّ هذه المساحة لم تلبث أن سجلت ارتفاعاً مستمراً حتى وصلت إلى 52600 دونم العام 1993 أي بزيادة تضاعفت 3.2 مرات، عما كانت عليه العام 1948.

الثالث، التهويد السكاني أي الوصول إلى مجتمع مقدسي (القدس الغربية) يكون يهودياً خالصا. وتحقيقاً لهذه الغاية، واعتمدت السلطات الإسرائيلية سياسة تقوم على اتجاهين متعاكسين: تعزيز العنصر اليهودي كوجود اجتماعي اقتصادي وسياسي في هذا الجزء من المدينة مقابل الطرد الإكراهي للعنصر العربي الفلسطيني إلى الخارج. على قاعدة الجذب والطرد في السياسة المشار إليها، أخذ المؤشر السكاني لليهود يسجل صعوداً خطياً بحيث ارتفع العدد من 99400 يهودي قبيل حرب 1948 إلى 166300 العام 1961 وإلى 195 ألفاً العام 1967 وصولاً إلى 330 ألفاً العام 1997 أي بنسبة زيادة بلغت 240% خلال نصف قرن أي 50 سنة مضت على الاحتلال. (١)

الاستيلاء الممنهج على أراضي الفلسطينيين

وفيما يلي تسلسل زمني لأهم وأبرز جرائم وسياسات الاحتلال الإسرائيلي في القدس منذ احتلالها 1967، استنادا إلى عدة مصادر أهمها “كتاب مستقبل القدس وسبل إنقاذها من التهويد” للدكتور إبراهيم أبو جابر:

7  يونيو/حزيران 1967

قوات الاحتلال تسيطر على شرقي القدس والمسجد الأقصى، وتهدم عدداً من الأحياء العربية. وبعد ذلك بأيام بدأت سلسلة إجراءات لفرض سيطرتها على المدينة بينها قرار سريان القانون الإسرائيلي على القدس العربية، وإقرار الكنيست ضم القدس العربية إلى القدس الغربية، وتوسيع حدود بلدية القطاع اليهودي من القدس ليشمل القدس القديمة وضواحيها، فضلا عن حلّ المجلس البلدي وإلحاق موظفيه ببلدية الاحتلال، والبدء في حفريات ما زالت مستمرة أسفل البلدة القديمة والأقصى والقدس.

11  يونيو/حزيران 1967

سلطات الاحتلال الإسرائيلية تهدم جزءاً من “حي المغاربة” وتطرد سكانه وسكان أحياء أخرى. وحتى سبتمبر/أيلول من العام نفسه؛ بلغ عدد الذين اضطروا للنزوح من المدينة نحو 23 ألف فلسطيني، وقد قامت سلطات الاحتلال بسحب هويات عدد كبير من المقدسيين، حتى لا يسمح لهم بدخولها أو الإقامة فيها.

27  مارس/آذار 1968

المحكمة الإسرائيلية العليا تصدر قرارا بأن قدسية “جبل البيت” (المسجد الأقصى) لدى الشعب اليهودي فوق كل بحث وليست مجالاً للنقاش أبدا، وليست متعلقة بأي حكم وإلى الأبد.

24  أغسطس/آب 1968

الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) يصدر قانونا يُمكّن اليهود من استعادة المنازل التي كانت مملوكة أو مؤجرة لهم من العرب. أما الملاك العرب من أهالي القدس فلا يحق لهم -بموجب قانون إسرائيلي صدر لاحقا سنة 1973- استرجاع أملاكهم في الشطر الغربي من المدينة أسوة بالقانون الإسرائيلي بالنسبة للملاك اليهود.

14 أبريل/نيسان 1968

السلطات الإسرائيلية تصدر أمر الاستملاك رقم 1443، وبمقتضاه تم استملاك عدة دنمات من الأحياء العربية الإسلامية في البلدة القديمة من القدس، وطرد سكانها منها بهدف إنشاء ثلاثمائة وحدة سكنية لاستيعاب 3500 يهودي مكانهم.

1968

مصادرة مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية خارج أسوار مدينة القدس القديمة، وأقيمت على تلك الأراضي أحياء المستوطنين الجدد، وأنشئ ما عُرف بحزام المستوطنات الأول حول القدس.

1969

بدء إنشاء ما عُرف بالحزام الاستيطاني الثاني حول المدينة، وهو عبارة عن 15 مستوطنة جديدة، ومعه ظهرت تفاصيل مشروع القدس الكبرى الذي بمقتضاه يتم حصار المدينة بالمستوطنات.

 21 أغسطس/آب 1969

إحراق المسجد الأقصى على يد مايكل دينس روهان (يهودي من أصل أسترالي)، وادعت إسرائيل في حينه أنه مختل عقليا.

1969

سلطات الاحتلال تصدر قانون الإشراف على المدارس الذي استهدفت به، الإشراف الكامل على جميع المدارس الطائفية والأهلية، وفرضت عليها الحصول على تراخيص. (٢)

وفي السياق، وقع تسريب للعقارات، قامت بها جمعية “عطيرت كوهنيم” الاستيطانية، تضمنت نقل ملكية 3 عقارات في حي سلوان ذي الموقع الاستراتيجي المطل على المسجد الأقصى من البوابة الجنوبية من ثلاث عائلات مقدسية إلى مواطنين إسرائيليين.

جمال عمرو الأكاديمي الفلسطيني من القدس والخبير في شؤون الاستيطان قال لـ”عربي بوست”: “إن الطرق التي جرت بها عملية تسريب العقارات الأخيرة في سلوان هي ذات الطرق المتبعة في السابق، ومن ذات السماسرة الذين يتسترون بلباس ديني وباتوا ينشطون في المدينة في الأشهر الأخيرة، وبعضهم مرتبط بجهات خليجية، يأتون لصاحب العقار لمفاوضته على بيع العقار أو تأجيره بحجة إيواء الحجاج المسلمين من الخليج الذين يأتون للمدينة بين الفينة والأخرى لزيارة المسجد الأقصى، وزاد عددهم بعد اتفاق التطبيع الإماراتي- الإسرائيلي، وفجأة تجد أن العقار تم بيعه لإسرائيليين من خلال ثغرات يتضمنها عقد الإيجار أو البيع”.

لافتاً إلى أنّ “الشعور العام لدى سكان القدس بأن دورا مشبوها للإمارات يقف خلف عملية تسريب العقارات الأخيرة للمستوطنين، مشيرا إلى أن وجود بعض المؤسسات الإماراتية في القدس كمؤسسة القدس للتطوير والتنمية التي يديرها رجل الإمارات سري نسيبة، يثير الكثير من القلق عن مساعي الإمارات لتسهيل عملية بيع العقارات من سكان القدس إلى المستوطنين”. (٣)

بالإضافة إلى، أن المحتل الإسرائيلي حقق هدفاً استراتيجياً مهماً في ظل غياب أي رد فعل فلسطيني أو عربي أو إسلامي يتعدى الكلام والاستنكار، وضعت المؤسسة الحاكمة في “إسرائيل” هدفاً آخر أمامها، وهو تقليص عدد السكان الفلسطينيين في القدس.

وكانت قد بدأت بذلك من قبل، من خلال قوانين وإجراءات سحب هويات المقدسيين وطردهم إلى مناطق مختلفة في الضفة الغربية، في مقابل تشجيع الاستيطان اليهودي عبر بناء الأحياء الجديدة، ومنها جبل أبو غنيم، بهدف السيطرة على الميزان الديموغرافي للمدينة أمام أي حل دائم مستقبلي، أو لمنع أي موقف يقضي بتقسيم القدس من جديد. معركة سحب الهويات ما تزال قائمة حتى اليوم، ومن ضمنها تجميد قانون لم شمل العائلات الفلسطينية منذ العام 2002. شاركت في هذه الحملة كل الأحزاب الصهيونية وغير الصهيونية، منها حزب العمل والليكود وشاس، وكل من تولى وزارة الداخلية حتى اليوم.

لم يكتفِ الاحتلال بتدمير الطابع الفلسطيني الديموغرافي للقدس، عبر عملية تهويد متصاعدة، بل لم ينفك المستوطنون، بدعم حكومي رسمي، عن ممارسة النشاطات الاستفزازية العنصرية، لخلق حالة أمنية تصاعدية من خلال الصدام المستمر مع السكان الفلسطينيين. (٤)

قضية حي الشيخ جرّاح قديمة جديدة

يُذكر أنّ قضية حي الشيخ جرّاح بدأت منذ عام 1972 عندما حاولت جمعيات استيطانية ادعاء ملكيتها للحي، وقد تم إخلاء العائلات الثلاث الأولى من الحي في عامي 2008ــ2009، وفي حال نفذت سلطات الاحتلال الإخلاءات الجديدة فإنها تكون قد طردت 15 عائلة من أصل 28 في حي كرم الجاعوني.

وأكد عضو هيئة العمل الوطني والأهلي في القدس راسم عبيدات أن قضية حي الشيخ جرّاح سياسية بامتياز، وتهدف إلى تهجير أهالي الحي وسرقة منازلهم قسراً وعنوة. وأضاف أنّ الأردن قامت بتسليم أهالي الشيخ جرّاح شهادة تبيّن أن وزارة الإنشاء والتعمير عقدت اتفاقية مع وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” لإنشاء 28 وحدة سكنية في حي الشيخ جرّاح، وعقدت اتفاقيات فردية مع الأهالي لإقامة مساكن لهم في الحي. (٥)

مواقع التواصل الاجتماعي ضجت بالغضب مما يجري بحق الأهالي والمتضامنين وسط دعوات إلى المزيد من التفاعل مع قضيتهم والتضامن معهم، لتتصدر وسوم “#أنقذوا_حي_الشيخ_جراح” و”#أنقذوا_الشيخ_جراح”، و”#SaveSheikhJarrah”  و”لن نرحل”، مواقع التواصل الاجتماعي.

وتقول “حركة السلام الآن” أنّه منذ مطلع عام 2020 سمحت المحاكم الإسرائيلية بإجلاء 36 عائلة فلسطينية من منازلهم، وتضم تلك العائلات نحو 165 فرداً وعشرات منهم من الأطفال، في بطن الهوى وسلوان والشيخ جراح لصالح المستوطنين. (6)

*صحافية لبنانية

المراجع:

1.       https://www.lebarmy.gov.lb/ar/content/ القدس-في-الاستراتيجية-الصهيونية-من-الأسرلة-إلى- التهويد

2.       https://www.aljazeera.net/encyclopedia/events/2016/2/21/ كيف-سيطرت-إسرائيل-على-القدس

3.       https://arabicpost.net/ أخبار/2021/04/14/بيع-العقارات-في-مدينة-القدس/

4.       https://www.almayadeen.net/analysis/1476365/ أسبوع-متفجر-ينتظرنا-العيون-على-القدس

5.       https://alqabas.com/article/5847547- حي-الشيخ-جراح-يقاوم-سرقة-العصر.

.6       https://www.bbc.com/arabic/middleeast-57009496   


وسوم :
, , , , , , , ,