صَبراً جَزيلاً

التصنيفات : ||
سبتمبر 16, 2021 8:11 ص

*بسّام جميل

عاطفتي لا ترتجف لكنّي على يقين أنّ في دماغي خلايا تُحرق بشكل مكثّف، فأخسرها للأبد. أقف أمام الرجل بلا حراك، دون أن يحيدَ نظري عن وجهه، وعن صرخات عينيه وما تنطق به لتشهدَ على كلماته وهو يستذكر أحداث ذلك الحصار، وهول فقدانه الشخصي فيه. لكنّه ليس الوحيد الذي خسر معظم أفراد عائلته، وليس الوحيد الذي نجا لتكون ذاكرته عقاباً هائلاً لمن يملك ضميراً إنسانيّا.

يستيقظ أبو موفّق في الرابعة صباحا، وألتقي به بشكل شبه يومي، أمام ورشته لصيانة الدراجات الهوائيّة قرابة السادسة والنصف، بحكم جولاتي الرياضيّة على دراجتي وحاجتي لهذا الرجل لصيانتها، أتابع سماع تلك الذاكرة التي لا تحصُر نفسها في ما حدث بمخيم شاتيلا، بل تُعيد على مسامعي معظم الحكاية الفلسطينية، فأنصتُ جيداً لهذا الشاهد الذي لا يزال قلبه مُنفطراً ويُعايش في هذه الأيام، مثل كل اللاجئين، ما أسمّيه الاستثناء، مفرادت الشتات التي لا أمَلُّ من ذكرها، ليس لإعجابي بها، بل لأنّها كل ما يُحاصرنا، فلا مفرّ إلا بمواجهة أثرها علينا واستحضار معانيها لنفهمَ أكثر ونفعلَ أكثر.

عشرات النّاجين، والآلاف يستحضرون ذاكرة المجزرة، منهم من يستحضرها وفاءً لمجزرته الآنيّة، كأبناء اليرموك، وقبلهم أبناء نهر البارد، وغيرهم من المخيمات.

هل كان قبل مذبحة “صبرا وشاتيلا” مجازر بحقّنا؟ هل عرفنا عاماً واحداً منذ نكبتنا وما قبلها، دون مجزرة تخلع رداء الدم لتُرديه مجدداً بين أشلاء لغتنا وأبنائنا؟

لنُعيد على مسامعنا، ولنعلّم أبناءنا بعض مفردات الشتات، كالعنجهيّة، والمحرقة، ومجّانية القتل، والحصار، والمدى، والنفق، والشهادة، والخيانة، والدم، والدم، ….

أمامَنا الآن، وفي هذا الوقت بالذات، لا حاجة ملحّة لنستعيدَ أيّ شيء، فالذكرى لا تُجدي في حضرة موت جديد، وأجيال جديدة تقرأ، ترى، تحس وتُعاقب بالمفردات ذاتها، على امتداد جغرافيّة الوطن المُحتل وداخل كل جسد محتل خارج هذه الجغرافيا.

لم يكن الفعل يوما، شخصيّاً كفاية ليُصبح حكاية تخصّ عائلة أو عشيرة، أو مدينة بمفردها، فالبطولة الفردية، فعلٌ يهدف لاستحضار العام وإعادة صواب الإرادة إليه، والمجزرة فعلٌ عام يُراد به إرهاب شعب وأمّة لتموت إرادتها. أما الذكرى فلا تكون عامة، إلا بانفصالها الحقيقي عن الحدث، وتكون مَهتمها أن تستدعيَ ملامح الحزن تقديراً لتضحيات التحول الكبير، ما بعدها.

لم تزل اليابان رغم تقدّمها واقتصادها ونجاة من بقي فيها بعد مجزرتي “ناكازاكي” و”هيروشيما” النوويتين، لا تزال بلاداً محتلة، فقاتلُها الأمريكي، جعلها عبداً اقتصاديا، ثم أقام قواعده العسكرية، ليُبقي على نفوذه فيها، وفي كل المنطقة التي يطمع بنهش واستعباد المزيد من دولها.

هناك، في “هيروشيما” يحتفل العالم كل عام، برفقة رموز سياسيّة، من القتلة والمتعاطفين مع الضحية، وبعضهم ضحايا لمجازر أخرى في بلادهم، يحتفلون باسم هذه الذاكرة للمجزرة النووية، فتبدو الصورة مُربكة حقا، بأن يقف القاتل بجانب القتيل أمام نُصب تذكاريّ يُعيد تذكير الطرفين بلحظة القتل، لكن القتيل لا يستعيد نزعته الدفاعية، ولا يسعى للإنتقام، فيقف القاتل سعيداً بهذا الخضوع وبشهادة ضحايا مجازر آخرين، كأنّ في هذه الصورة درس يريد الأمريكي أن يحفّظه للعالم، كأداة لترهيبه وتذكيره بقوة السطوة التي يملكها على العالم.

هل علينا أن نستذكر المجازر التي حصدت آلاف الأرواح في “كوسوفو”، أو ربما لا يفوتني التذكير بسقوط برجي التجارة في “نيويورك” وما حدث بعدها من استثمارٍ بشعٍ لغزو أفغانستان والعراق وبلاد أخرى تعلّمت جيداً من هذه الأمثلة، فكانت متعاونة لأبعد الحدود، للنجاة من مصير مُشابه.

نحن الفلسطينيون، لا نقف أمام نُصبٍ تذكاري، ولا يُشاركنا عدوّنا إلا بتوجيه اتهاماته لأطراف أخرى، كانوا ولا زالوا شركاء له، لأنه لا يملك ذلك النصر الذي حققه الأمريكي في اليابان، لكنه يملك ادّعاء مجزرته الخاصة.. “الهولوكوست”، التي أجاد استثمار استحضارها بشكل مخيف، فلا يتبع الاحتفالات السنوية إلا تمجيداً لما تحققه هذه المجزرة من أثر وضغط هائل يستجلب به كل الدعم الذي يحتاجه، من مالٍ وأسلحة، مواقف داعمة، وتجاهل لكلّ ما يمارسه ضدنا.

إذا، نحن لا نحتاج لنُصب تذكاري، لكنّنا بكل تأكيد، نُعيد تذكير أنفسنا، بكل المجازر، لنقف بوجه هذه الأمثلة حولنا، التي تُحاصرنا لنخضع لإرادة عدونا، وليس آخرها التطبيع العلني لدول” شقيقة”.

ذاكرة متّصلة لمجزرة واحدة، تعددت مفراداتها. هذا ما نعيش فيه بشكل يومي، ولن يكون لنا ذاكرة “هيروشيما”، ولا خضوع أبنائها، لا، لن يكون.

هل علينا أن نستعيد المبادرة ونشرّع لأنفسنا أن نستثمر في المجزرة لنضمن نجاة أجيال لاحقة؟ وأين يجب أن يكون هذا الإستثمار حقاً؟!

يقف أبو موفّق على أطلال ذاكرته ويبكي متى اُتيحت له الفرصة لذلك، وحيداً مع أوجه خسارته، وأنظرُ إليه مُمعناً بالفكرة التي في رأسي، لأستحضر بدوري، ذاكرة أجيال جديدة، تقف على أطلال ذاكرة قصيرة، عن مخيمات، كانت هنا، وعن أحبّة لن يعودوا أبدا، فأبحث عن حكمة في كلّ ما تفعله الذاكرة وما تريد أن تُعلّمنا إيّاه، فلا أجد سوى هذه الجملة “صبراً جزيلا.. يا وحدنا.. صبراً جليلا.

*كاتب فلسطيني


وسوم :
, , , , , ,