في جوهر ومعنى “يوم الأرض”

التصنيفات : |
مارس 30, 2022 8:28 ص

*أحمد حسن

للوهلة الأولى يبدو أنّ لا شيء تغير، فبعد نحو نصف قرن تقريباً من يوم 30 آذار/مارس عام 1976 حين ارتقى ستة شهداء فلسطينيين في مسيرات عارمة ضد خطة تهويد أراضي فلسطين، لا زال الكيان الصهيوني ماضياً في خطته الإستيطانية، التهويدية، ولا زال الفلسطينيون يقاومون، بدمائهم وأرواحهم، ولا زال العالم الحرّ يقف صامتا، ومؤيداً بالنتيجة، أمام جرائم آخر نموذج إستعماري، عنصري، إستيطاني، إحلالي، في العالم بأسره.

ففي ذلك اليوم من آذار قتل الكيان الصهيوني ستة من فلسطيني الـ48 أثناء احتجاجات عارمة نُظّمت في المدن العربية في الجليل، ومنطقة المثلث والنقب رداً على إعلان حكومة الكيان -في سياق مُخطّط تهويد الجليل- خطة لمصادرة نحو (21) ألف دونم من الأراضي في المناطق العربية، وأمام المتظاهرين الذين لا يملكون للمواجهة سوى أجسادهم العارية ولم يرفعوا سلاحاً سوى أصوات حناجرهم الهادرة، وقف الجيش “الإسرائيلي” بدباباته ومدفعيته الثقيلة جاهزاً لارتكاب الجريمة الموصوفة والمُخطّط لها مسبقاً بهدف الإلغاء الجسدي النهائي للفلسطينيين.

كل “الغوييم” هم فرائس مشروعة لشعب الله المختار

وإذا كان العامل الديمغرافي المتعلّق بالخوف من إزدياد تعداد الفلسطينيين البشري في اللواء الشمالي، والذي أصبح مساوياً تقريباً لعدد اليهود في حينه، هو الدافع خلف وثيقة “يسرائيل كونيغ”، “مُتصرّف لواء المنطقة الشمالية الإسرائيلي” التي أعدّها في الأول من آذار/مارس من عام 1976 “بهدف إفراغ الجليل من أهله الفلسطينيين والإستيلاء على أراضيهم وتهويدها”، فإنّ شهية القتل ضد “الغوييم” هي من حكمت تنفيذها، كما حكمت دائماً آلية عمل العصابات الصهيونية منذ بدايات القرن العشرين وحتى الآن، وكلنا نذكر أنّ “غابي أشكنازي” رئيس أركان جيش الكيان الأسبق، أعلن فخره بجنوده الذين أطلقوا النار على متضامني أسطول “الحرية” العزّل، وبينهم متضامنون من جنسيات أصحاب “الدم الأزرق”، قائلاً إنّهم “قتلوا من يجب عليهم قتله”، وأنّهم “أطلقوا النار عن قرب”، في “عملية كانت محسوبة ومبرّرة”، مضيفاً أنّ “جنوده تصرفوا بمهنية”، ليقول بذلك أنّ كل “الغوييم” هم فرائس مشروعة لشعب الله المختار، وحينها، للتذكير أيضا، لم يعتذر أشنكازي من أحد، كل ما قاله أنّه يتحمل المسؤولية كاملة عن العملية، ليس اعترافاً بمسؤوليته عن الدماء التي أُريقت، بل لأنّه يعرف بالتجربة أنّ من شأن اعترافه هذا أن يمنحه مركزاً قيادياً في مجتمع يسلّم زمام أمره للأكثر دموية منذ “آباء” المجازر الأولى، مروراً بـ”رابين” بطل تكسير أيدي الأطفال وتابعه “شارون”، وبيريز” بطل مجازر قانا وأخواتها، ومن جاء بعدهم حتى اللحظة الحالية.

لكنّ حساب الحقل لم يطابق حساب البيدر، فإذا كانت النتيجة الميدانية لجريمة آذار/مارس الـ”1976″صعبة وقاسية، ستة شهداء ومئات المصابين والمعتقلين، فإنّ النتيجة المعنوية كانت أبعد أثراً من ذلك بكثير، فقد كان لتلك الجريمة أثر هام في “القول” النهائي -لمن لم يسمع ويعي بعد ما “قالته” النكبة سابقاً- أنّ الفلسطينيين، حتى من ارتضى منهم لأسباب مفهومة ومقدّرة، العيش في ظل الاحتلال، هم الأشرار الذين “يجب قتلهم مثل الدودة أو الثعبان”، على حد قول أحد حاخامات بني صهيون، وأنّ القرار “الإسرائيلي” واضح وجلي لكل من يريد أن يسمع، ومفاده: لا وجود لشعب فلسطيني مستقل، وهو ما تطوّر لاحقا، تحت ضغط وقائع عمليات السلام المزعومة، إلى قرار آخر مفاده لا دولة فلسطينية قابلة للحياة، بل مجرد “دولة” كانتونات مُغلقة وجزر منفصلة فقط لا غير.

بيد أنّ ذلك اليوم التاريخي، وشهداءه الأبرار، ما كان له أن يمرَّ هكذا، فمنذ تلك اللحظة جعله الفلسطينيون يوماً للأرض، يوماً يقولون فيه للمحتل إنّنا لن ننسى ولم نرضخ يوماً وسنورث الأجيال الجديدة، التي وُلد معظمها بعد ذلك العام بكثير، فلسطين ومأساتها بما يؤكد أنّ القضية حيّة لم ولن تموت، وأنّ كل ما تفعله “إسرائيل”، وما يفعله لها بعض العرب، اليوم كي تصبح دولة إقليمية عادية لن يكون له أثر.

ذلك هو “إرث” يوم الأرض الأول، وذلك هو “فعل” أيام الأرض المتتالية منذ ذلك التاريخ، وهو أيضاً النتيجة الأكيدة ليوم الأرض القادم.. وإن ّغداً لناظره قريب.

*كاتب سوري  


وسوم :
, , , , , , , , , , , , ,