بعد العدوان الأخير.. الأولوية لاستعادة “وحدة الساحات”

التصنيفات : |
أغسطس 18, 2022 7:04 ص

*أحمد حسن

ببساطة تامة لا يمكن قراءة بعض الملابسات التي رافقت العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة إلّا بقراءة، وتمثّل، قصص الثورات والحركات التحررية في العالم حين تنتقل، كلها أو بعض فصائلها، من طور الثورة إلى طور السلطة ولو على “كانتون” صغير فتتغير حساباتها ومصالحها الواسعة لصالح حسابات أضيق يتداخل فيها شهوة السلطة وضروراتها مع “المحفّزات” الشخصية وأهمية “العلاقات” مع جهات ودول غالباً ما تكون على صورة تابع ومتبوع، وبالتالي خضوع لمصالح الآخر وتوجهاته، ما يعني، بالمحصّلة، إطالة الدرب نحو الحرية ورفع الكلفة المادية والمعنوية على الشعب المعني أولاً وأخيرا، وعلى الفصائل الواهمة بكرسي السلطة ثانيا، كاستعادة ممجوجة، ولكنّها حتمية، لقصة “أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض”.

مناسبة هذه المقدمة الطويلة نسبياً هي تلك “الاستفرادة” الإسرائيلية، التي شهدها الجميع، بحركة الجهاد الإسلامي وما بدا، في الصورة الواسعة، على أنّه “خذلان” الرفاق للحركة وللقضية، وذلك كان، قطعا، هدفاً إسرائيلياً معلنا، يجدر بنا الاعتراف أنّه تحقّق، بصورة أو بأخرى -وترك نوعاً من المرارة لا يجب التغطية عليها كي لا تتفاقم لاحقا- رغم الثبات البطولي لـ”الجهاد” حتى اللحظة الأخيرة، خاصة وأنّ ثمن هذا الغياب الفصائلي، وإن تدثّر بأعذار وأسباب عدة، لم يكن إسقاط مفهوم “وحدة الساحات” كمفهوم نضالي ميداني رادع فقط، بل إلغاء النتيجة الأكبر لهذا المفهوم والتي تحقّقت في أيار/ مايو عام 2021، والمتمثّلة باستعادة مفهوم فلسطين التاريخية كلها في المواجهة مع العدو الصهيوني، وتلك هي الكارثة والخسارة الفلسطينية الحقيقية الكبرى في العدوان الأخير.

هل استكان البعض مضطراً أم قاصداً بوهمٍ أنّه وحده، ولا أحد غيره، من يوجّه المقاومة ويديرها وفق أجندته الزمانية والمكانية فقط لا غير؟!

بهذا المعنى يبدو هذا العدوان الأخير، وإن كان نصراً لفصيل، خسارة لفلسطين، وهنا لا بد، وإن كان ذلك صعبا، من طرح أسئلة عدة على الجميع، وأولها، هل استكان البعض مضطراً أم قاصداً بوهمٍ أنّه وحده، ولا أحد غيره، من يوجّه المقاومة ويديرها وفق أجندته الزمانية والمكانية فقط لا غير؟!، أو بوهمٍ أنّ إزاحة بعض المنافسين ولو على يد العدو/ إسرائيل، مع اقتراب إزاحة منافس أكبر في رام الله، بحكم القدر، ستقرّبهم أكثر من كرسي السلطة الفلسطينية كاملة؟.

وبالطبع، فإنّ هذه الأسئلة، على صعوبتها، يجب أن تُطرح الآن لأنّ ما كشف عنه العدوان الأخير هو تحديداً ما حاولت قضية “وحدة الساحات” التغطية عليه، وهو ذلك الإنقسام الكبير، والسابق، بين الفصائل في الغايات والأهداف والمصالح التي يبدو أنّها لا تتضارب مرحلياً فقط بل مستقبلياً أيضا، سواء في اقتسام الكراسي وهذا خطير أم في فكرة صورة فلسطين القادمة وهذا الأهم والأخطر. وهنا لا بد من تذكير “البعض” بأنّ بعضٍاً من أسباب تراجع دور منظمة التحرير الفلسطينية يتعلّق بعملية انتقالها فوراً من الثورة إلى السلطة دون أن تكون هناك “دولة” فعلية لتمارس سلطتها فيها وعليها، وهذا بدوره ما أنتج كل هذا الخراب الذي تعيشه السلطة الفلسطينية في الضفة، وجعل من معركة الوراثة اليوم “أم المعارك” بالنسبة لقادتها، وفي سبيل الفوز بها يمكن فعل أي شيء وحتى التنسيق مع الإسرائيلي ضد المقاومة.

إنّ العمليات الفدائية ارتفعت داخل ما يُسمّى الخط الأخضر بين شهري آذار/ مارس وأيار/ مايو، هذه السنة بنسبة عالية عما سبقها، والأعمار الصغيرة لمعظم هؤلاء تقول إنّهم كسروا حاجز الخوف والأهم ليس لديهم حسابات كراسٍ هنا وعلاقات هناك

بالمحصّلة، نعتقد أنّ العمل الفلسطيني الأهم اليوم هو في المسارعة إلى إجراء جردة حساب “فصائلية” شفافة وشاملة وعميقة ومنْحها الوقت اللازم باعتبارها أولوية الأولويات، وحتى ذلك الزمن يبدو أنّ العمل الفدائي الفردي هو الأفضل لقيادة المرحلة المقبلة، وذلك على ما يبدو أصبح أمراً واقعا، فهذه الوقائع على الأرض تقول إنّ العمليات الفدائية ارتفعت داخل ما يُسمّى الخط الأخضر بين شهري آذار/ مارس وأيار/ مايو، هذه السنة بنسبة عالية عما سبقها، والأعمار الصغيرة لمعظم هؤلاء تقول إنّهم كسروا حاجز الخوف والأهم ليس لديهم حسابات كراسٍ هنا وعلاقات هناك، لذلك فهُم، ما لم ..، من سيُبقي، حتى يتمّ التوافق الفصائلي الأكبر، مفهوم “وحدة الساحات” حاضراً ومعه فلسطين التاريخية.. حتى النصر.

*كاتب سوري


وسوم :
, , , , , , , , , , , ,