فلسطين والنفاق الغربي.. باقٍ ويتمدّد

التصنيفات : |
ديسمبر 15, 2022 8:20 ص

*أحمد حسن

تور وينيسلاند، مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط وممثل الأمم المتحدة لدى السلطة الفلسطينية، لم يسمع على ما يبدو بجريمة الاغتيال العلني للطفلة الفلسطينية جنى زكارنة، مساء الأحد الماضي، رغم اعتراف “إسرائيل” بها ولو بعد تمنُّع معهود.

ريشي سوناك، رئيس الوزراء البريطاني هدّد مؤخراً بعرقلة الطلب الفلسطيني من الجمعية العامة للأمم المتحدة بالتصويت إذا ما كانت ستطلب رأي لمحكمة العدل الدولية “يحدد التبعات القانونية الناشئة عن انتهاك “إسرائيل” المستمر لحقّ الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، واحتلالها الطويل الأمد واستيطانها وضمّها للأراضي واعتمادها تشريعات وإجراءات تمييزية”.

السبب في هذا التهديد -كما ادّعى الرجل في خطاب أمام غداء العمل السنوي للأصدقاء المحافظين لـ”إسرائيل”- أنّه يعارض “أي إجراءات من شأنها الإضرار بعملية السلام وحل الدولتين”!.

للوهلة الأولى يبدو أنّ هذا الطرح متوازن بصورة أو بأخرى باعتباره أفضل الممكن من رجل سياسة غربي، لكنّ الوقائع تُثبت أنّه مجرد نفاق آخر جديد، لسببين واضحين، الأول: أنّ الرأي المطلوب من المحكمة استشاري فقط لا غير، وبالتالي لن يكون له من تبعات حقيقية سوى الإدانة المعنوية فقط، والثاني: أنّه في ذات الخطاب، أشاد بأسلافه “ماي” و”جونسون” و”تروس”، ليس بسبب سياسات بريطانية داخلية ما، بل على “التزامهم المبدئي -بما وصفه-  بإنهاء التحيّز ضد “إسرائيل” في المحافل الدولية”.. ثم تعهد بمواصلة هذا الموقف، وأعلن أنّه سيزور “إسرائيل” في العام المقبل، وهذه ليست زيارة بريئة وعادية لأنّها تتصادف مع الذكرى الخامسة والسبعين لـ”قيام إسرائيل” كما يقولون ولاحتلال فلسطين وتشريد شعبها والتنكيل به كما تقول الحقيقة، وفي ذلك ما يعني الكثير.

وبالطبع، فإنّ دولاً مثل بريطانيا والولايات المتحدة وأستراليا وألمانيا جاءت على رأس القائمة الممتنعين والرافضين، وهذا يكفي لمعرفة أنّ هذا القرار الاستشاري حتى لو صدر لمصلحة فلسطين، فلن يكون مصيره إلا الأرشيف بجانب القرارات الدولية الأخرى التي وصفها سوناك بالمتحيزة ضد “إسرائيل”

أما ما ماهية هذا التحيّز في المحافل الدولية الذي يتحدث عنه سوناك؟، وما فائدته في العالم الحقيقي وفي ظل الرعاية الغربية الكاملة للكيان الصهيوني؟، فذلك ما لا يعني سوناك وأمثاله بتفسيره أو الإجابة عنه، والأهم، أنّ الرجل لم يكلّف نفسه بشرح كيفية تهديد “الرأي الاستشاري” لما يُسميه بـ”عملية السلام وحل الدولتين”؟. فهذا كله لا يهم هؤلاء المتغافلين والصامتين والمنافقين عن الاستيطان و”يهودية الدولة” ورفض كل قادة “إسرائيل”، العملي لا اللفظي، لحل الدولتين “المقدس” هذا، بل ولا يعنيهم ما يبدو من اتجاه حكومة نتنياهو وسموتريتش وبن غفير لـضم “الضفة بصورة قانونية والبدء بتطبيق نظام الأبارتهايد ضد السكان الفلسطينيين”، بحسب أكاديميين إسرائيليين.

وكي نعرف حجم النفاق الدولي ومن هم أسياده، يمكن لنا مراجعة قائمة أول تصويت أجرته لجنة المسائل السياسية الخاصة وإنهاء الاستعمار (اللجنة الرابعة) الشهر الماضي لإحالة هذا القرار إلى الجمعية العامة، فقد صوّتت 98 دولة لصالحه، و17 ضده، وامتنعت 52 دولة عن التصويت.

وبالطبع، فإنّ دولاً مثل بريطانيا والولايات المتحدة وأستراليا وألمانيا جاءت على رأس القائمة الممتنعين والرافضين، وهذا يكفي لمعرفة أنّ هذا القرار الاستشاري حتى لو صدر لمصلحة فلسطين، فلن يكون مصيره إلا الأرشيف بجانب القرارات الدولية الأخرى التي وصفها سوناك بالمتحيزة ضد “إسرائيل”.

بالتأكيد هذا لا يعني التقليل من أهمية القرار أو ضرورة السير فيه حتى النهاية، لكن من الواقعية الاعتراف بأنّ قيمته الحقيقية، في حال صدوره، ستكون معنوية فقط، وذلك أمر هام بغير شك في مسيرة النضال الفلسطيني، وهو أمر تعيه “إسرائيل” جيدا، لذلك قام رئيس الوزراء الإسرائيلي المنتهية ولايته يائير لابيد بكتابة رسالة إلى أكثر من 50 رئيس دولة للضغط على السلطة الفلسطينية لمنعها من الترويج للقرار في الجمعية العامة.

بيد أنّ الحقّ الفلسطيني الساطع كلّه لم ولا يكفي وحده هؤلاء المنافقين الذين انضم سوناك ووينيسلاند إلى جوقتهم، وهذا ما يعني مرة جديدة أن لا رهان إلا على المقاومة، فهي وحدها من ستُعرّي هذا النفاق العالمي وترسله إلى حيث يجب أن يكون.. “مزبلة” التاريخ.

*كاتب سوري


وسوم :
, , , , , , , , , , , , , , , , , ,