جفرا بين انقلاب لبنان وتفكيك دول البلقان

التصنيفات : |
يناير 31, 2023 8:42 ص

*حمزة البشتاوي

لم يكن أحد يتوقع أن يذكر إسم جفرا التي تحمل أسمى معاني الحب والغرام وابتهالات الضياء، في الأحداث والانقلابات السياسية، لأنّ جفرا هي قصة حب وهيام بين الشاعر الزجلي أحمد عبد العزيز علي الحسن من قرية كويكات قضاء عكا، وفتاة اسمها رفيقة علي نايف حمادة الحسن و ي قريبته وابنة قريته.

ومنذ أن أطلق الحبيب على حبيبته إسم جفرا التي تعني في اللغة (أنثى الغزال) وبالعامية الفلسطينية (مثل فلقة القمر) تحولت جفرا إلى رمز للحب والأرض والتراث.

وفي الحكاية عن جفرا برز أيضاً إسم الشابة الفلسطينية جفرا إسماعيل النابلسي التي أحبها الشاعر عز الدين المناصرة وكتب لها قصيدة جفرا بعد استشهادها بغارة إسرائيلية عام 1976 حين كانت في الطريق من الكولا إلى الحمرا حيث كانت تدرس بالجامعة الأمريكية في بيروت.

ومنذ ذلك الوقت أصبح هناك جفرا الحبيبة والتراث وجفرا الحبيبة والشهيدة، وهما حاضرتان في صوت الشاعر والمغني، بعيداً عن الانقلابات والخطابات السياسية حين يقول: للأشجار العاشقة أغني، للأرصفة الصلبة للحب أغني، للسيدة الحاملة الأسرار رموزاً في سلة تين، تركض عبر الجسر الممنوع علينا، تحمل أشواق المنفيين، أغني.

وبعيداً عن هذا الشعر والغناء للحب والفقراء، جرى ربط جفرا وقصتها بأحداث وانقلابات سياسية، محلية وعربية ودولية، والبداية كانت من لبنان عندما بث التلفزيون اللبناني الرسمي أغنية جفرا، بصوت الفنان خالد الهبر خمس مرات متتالية في ساعة واحدة خلال انقلاب العميد عزيز الأحدب واستيلائه على التلفزيون، وهذا ما اعتبره البعض إشارة لوقوف الثورة الفلسطينية وراء الانقلاب .

وفي تونس أيضاً قامت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة ببث أغنية جفرا بصوت الفنانة آمال المثلوثي، وهي إبنة مناضل تونسي في صفوف الثورة الفلسطينية، وتناقلها التونسيون عبر هواتفهم النقالة واختاروا من كلماتها شعارات في مظاهراتهم مما دفع ومن دون وجه حقّ العميد يوسف بن عبد العزيز، وهو ضابط سابق في شرطة مكافحة الشغب، لأن يقول: “إنّ بعض الشعارات المرفوعة تشير إلى وجود عناصر غريبة في المظاهرات تريد قلب نظام الحكم”.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية وتحديداً في واشنطن وميتشغان حيث ينشط مغني الهيب هوب (أيرون شيك) وهو أمريكي من أصل فلسطيني لم تلتفت إليه السلطات الأمريكية إلا عندما غنى جفرا على طريقة الراب، حيث اعتبروا أداءه لهذه الأغنية يشكل خطراً أكثر من مكتب لمنظمة التحرير، ومن كتابات نعوم تشومسكي وإدوارد سعيد.

“جفرا هي السحر بعينه ولا أستبعد أن يتهمها خصوم القضية الفلسطينية بتفكيك تشيكوسلوفاكيا ودول البلقان”

(الفيلسوف جاك دريدا)

وفي مدينة (برنو) السلوفاكية وأثناء عرض فيلم وثائقي عن جفرا على أحد مسارحها بحضور الشعراء فدوى طوقان ومحمود درويش وعز الدين المناصرة الذي ألقى قصيدة جفرا أمام الحضور ومن بينهم الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا الذي وقف على المسرح و قال: “جفرا هي السحر بعينه ولا أستبعد أن يتهمها خصوم القضية الفلسطينية بتفكيك تشيكوسلوفاكيا ودول البلقان”.

وأما في فلسطين الوطن المسبي لجفرا، وتحديداً في مدينة نابلس بالضفة الغربية، وأثناء تشييع جثمان الشهيد إبراهيم النابلسي أحد قادة كتائب شهداء الأقصى في حركة فتح، وقفت هدى النابلسي والدة الشهيد، ووجهت رسالتين، الأولى بصوت عال لقادة الاحتلال قالت فيها: “إذا كان إبراهيم قد استُشهد فهناك الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني على استعداد للتضحية والشهادة دفاعاً عن الأقصى والقدس، وستبقى فلسطين ولّادة تلد الأحرار، ولن تتعب أبداً من كثرة تقديمها للشهداء الأبطال الذين تربوا على الشجاعة والإقدام في ميادين النزال حيث تبرز قيمة الرجال”.

وأما الرسالة الثانية، فكانت في أذن أحد المسؤولين في السلطة كان مشاركاً في مسيرة التشييع حيث قالت له: “ابني الشهيد العاشق لجفرا ولكل حبة رمل وحجر من أرض فلسطين طلب مني أن أوصيَكم بجفرا وبأخذ قرار فوري بوقف التنسيق الأمني وسحب الاعتراف بالاحتلال ودعم المقاومين بالسلاح”.

فرد عليها المسؤول: “بالنسبة لجفرا يا أم إبراهيم طلباتكم أوامر، وأما بالنسبة للسلطة فإنّ هذه الطلبات تُعتبر انقلابا”.

وبعيداً عن هذا الربط بين رمزية جفرا والأحداث والانقلابات من لبنان إلى دول البلقان، ستبقى جفرا في ذاكرة العاشقين تحضر كغابة تفاح ورفيف حمام ورمزاً نقياً للثورة والحب والوطن والكفاح.

*كاتب وإعلامي


وسوم :
, , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , ,