“الغجر”.. قنبلة موقوتة!

التصنيفات : |
أغسطس 1, 2023 7:12 ص

*رُفيدة عطايا

هي سورية، لبنانية، أم تابعة لفلسطين المحتلة؟.

الغجر، قرية عربية بامتياز لا تمت للاحتلال بصلة. تقع على الحدود بين فلسطين، ولبنان، وسوريا. حيث تشتعل النزاعات حول ملكية هذه البقعة الجغرافية المتواضعة، فهناك من يعتبرها لبنانية، وآخرون يرددون شعار الغجر في الجولان والجولان سوري. ولكن رغم اختلاف الآراء بين لبنان وسوريا، وبصرف النظر عن هوية القرية الأساسية، إنّما من المؤكد أنّ الاحتلال ليس طرفاً مالكاً لأي من فلسطين، ولبنان، وسوريا!.

الموقع الملتبس

تقع القرية في منطقة الجولان على الحدود اللبنانية، سكانها من الطائفة العلوية، ويبلغ عددهم حوالى 2800 نسمة. مساحتها المسكونة حوالى 500 دونم، والأراضي التابعة لها تزيد عن 12000 دونم. وتقسم إلى: الحارة الجنوبية القديمة المقامة على 100 دونم، وتقع ضمن الحدود السورية. أما الحارة الشمالية المقامة على 400 دونم شمال “الخط الأزرق”، فتُعتبر لبنانية.

جغرافيا، تقع القرية على الجهة الشرقية لنهر الحاصباني، والسفوح الغربية لجبل الشيخ، تحدّها من الشرق أراضي قرية النخيلة وجبل الشيخ، ومن الغرب نهر الحاصباني بطول خمسة كيلومترات، ومن الجنوب أراضي “شوكا” أو “شوقا” الفلسطينية، أما من الشمال، فتحدها أراضي قريتي المجيدية والماري اللبنانيتين.

الهوية: سورية

كانت القرية خاضعة للإدارة السورية عام 1967، وكان سكانها يحملون الجنسية السورية، حتى أنّ الحكومة السورية آنذاك فكرت في تغيير اسمها إلى “المثلث”، لأنّها تقع على حدود كل من سوريا ولبنان وفلسطين.

لكن في اليوم الثالث من حرب الأيام الستة عام 1967، سيطرت قوات الاحتلال على القرية، لأنّها لم تسقط خلال الحرب. فبعد احتلال “إسرائيل” لهضبة الجولان السورية، لم يدخل جيش الاحتلال “الغجر”، كونها تقع على الأراضي اللبنانية، بحسب الخرائط البريطانية التي كانت في حوزته، فلم يحتل القرية واكتفى بجمع السلاح منها، وأخبر السكان أنّهم لبنانيون. فرفض الضباط اللبنانيون في قضاء مرجعيون في ذلك الوقت قبول أهل القرية خشية أن يعتبروا كمن ضمّوا إليهم أرضاً سورية، ليحظر الجيش اللبناني على السكان اجتياز الحدود، حيث بقي سكان “الغجر” لمدة ستة أشهر “دولة مستقلة” مكوّنة من 36 عائلة.

بعد أشهر على انقضاء الحرب، فرغت مستودعات الأغذية لدى السكان، فحضر الحاكم العسكري الصهيوني في المنطقة، وقام برفع العلم الإسرائيلي فوق أراضي القرية. وبدأ الاحتلال بتزويد سكان الغجر بالاحتياجات الأساسية، والسماح لهم بالعمل داخل المستعمرات. لكن بعد قرار ضم الجولان السوري المحتل عام 1981، والذي يُعرف بـ”قانون الجولان”، قبل سكان الغجر قرار الضم للحفاظ على أراضيهم، لذلك تمّ اعتبارهم جميعاً مواطنين إسرائيليين، وبالتالي مُنحوا الجنسية الإسرائيلية عام 1982، لذلك فهم يُعتبرون “مواطنين إسرائيليين على أراضي العدو”.

وبحسب الأمم المتحدة، تمر الحدود اللبنانية في مركز قرية الغجر، وتقسمها إلى قسمين. بين الأعوام 2000-2006 سيطر “حزب الله” اللبناني على القسم الشمالي من القرية، بينما سيطرت “إسرائيل” على القسم الجنوبي منها، وفي عام 2005 حاول “حزب الله” تنفيذ عملية خطف جنود إسرائيليين، ودارت معركة كبيرة في القرية أدت إلى مقتل أربعة عناصر من الحزب، وإصابة 12 جندياً إسرائيليا، في أعقاب هذه العملية النوعية أغلقت السلطات الإسرائيلية القرية عسكريا، ونصبت حاجزا، ومنعت دخول من ليسوا من سكانها.

لن يرضى السكان بأي حل إلا إذا كان عن طريق الوطن الأم والقيادة السورية، كما قدّم الأهالي المستندات التي تُثبت أنّ القرية وأراضيها سورية

ويوضح أحمد الخطيب، أحد النشطاء في قرية الغجر، أنّ “الخط الأزرق رُسم على الأراضي الزراعية، وقضم مساحات شاسعة من أراضي القرية، إضافة إلى الأراضي التي بقيت خارج الشريط الذي وضعه جيش الاحتلال عام 1968. أما مساحة الأراضي التي قضمها الخط الأزرق سنة 2000 وجعلها داخل الأراضي اللبنانية فتُقدر بـ500 دونم، أي أنّ مجموع الأراضي التي تملكها الغجر وأصبحت داخل الأراضي اللبنانية اليوم 1100 دونم تقريبا. نحن لا نخاف على هذه الأرض، فهي في أيدي إخوتنا الأمينة، ونعلم بأنّها ستعود إلى أصحابها الشرعيين عندما يزول الاحتلال، لكن أهالي القرية رفضوا بتاتاً إقامة السياج، كما رفضوا التعويضات، وأكدوا أنّهم عرب سوريون وهويتهم سورية، وعبّروا عن رغبتهم بإبقاء القرية موحدة، ولن يرضى السكان بأي حل إلا إذا كان عن طريق الوطن الأم والقيادة السورية، كما قدّم الأهالي المستندات التي تُثبت أنّ القرية وأراضيها سورية” (1).

احتلال “إسرائيل” للجزء الشمالي من “الغجر”

قام الاحتلال بتثبيت سياج شائك على حدود قرية الغجر في جنوب لبنان، وبذلك يكون قد ضم كامل الجزء الشمالي اللبناني من بلدة الغجر المحتلة إلى الأراضي السورية المحتلة، وباتت الغجر كاملة تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي وخارج السيادة اللبنانية، وصار الجزء الشمالي من قرية الغجر منفصلاً كلياً عن السيادة اللبنانية، وخارج الوصاية الكلية لقوات الطوارئ الدولية، التي لا يُسمح لها بالدخول إليها باعتبارها خارج نطاق عملها، في خرق واضح للقرار 1701.

لم تقتصر الإجراءات الإسرائيلية على تطويق “الغجر” بجزأيها السوري واللبناني، بل رفعت قوات الاحتلال أبراجاً حديدية ثبّتت على كل منها كاميرات يصل مداها إلى 5 كلم، إضافة إلى كاميرات صغيرة ومكبّرات صوت موجّهة نحو الأراضي اللبنانية المحرّرة.

شكوى لبنانية إلى مجلس الأمن

أبلغ وزير الخارجية اللبناني عبد الله بو حبيب، السفيرة الأميركية في بيروت المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان جوانا ورونيكا، بأنّ بلاده “ستتقدم بشكوى إلى مجلس الأمن الدولي”.

تهدف الشكوى إلى “انسحاب “إسرائيل” من الجزء الشمالي لمنطقة الغجر التي تحتلها، وتطبيق القرار الدولي 1701″.

طلب بو حبيب “المساعدة لمعالجة هذا الخرق الذي يُضاف للخروقات اليومية العديدة والمستمرة التي تهدد الاستقرار والهدوء في جنوب لبنان والمنطقة”.

وعُقد لقاء في السراي الحكومي مع قيادة قوات اليونيفيل لبحث سبل التوصل لحل لأزمة الخيمتين اللتين نصبهما “حزب الله” في تلال كفر شوبا خلف خط انسحاب “إسرائيل”، فطالب الجانب اللبناني بانسحاب “إسرائيل” من قرية الغجر.

أقدم جيش الاحتلال، منذ عام تقريبا، على إزالة الحاجز العسكري عند مدخل قرية الغجر الذي يمنع دخول أي أحد إليها بدون تصريح مسبق أو دعوة من أحد أبنائها، واستيقظ سكان البلدة على واقع جديد، وهو عدم وجود حاجز عسكري للدخول والخروج من القرية المختلف على حدودها

الجدير بالذكر، أنّ جيش الاحتلال، منذ عام تقريبا، أقدم على إزالة الحاجز العسكري عند مدخل قرية الغجر، الذي يمنع دخول أي أحد إليها بدون تصريح مسبق أو دعوة من أحد أبنائها، واستيقظ سكان البلدة على واقع جديد، وهو عدم وجود حاجز عسكري للدخول والخروج من القرية المختلف على حدودها.

فمن المعروف أنّ الاحتلال لا يقوم بأي خطوة تحمل حسن نية للخصم، فإزالة الحاجز العسكري والسماح للسياح بالتردد إلى القرية خلال ليلة وضحاها لم يأتِ من مبادرة لطيفة للاحتلال، بل هو تمهيد لإلحاق قرية الغجر -بقسميها الشمالي والجنوبي- بهضبة الجولان السورية المحتلة، وأن تطبق على كل الأراضي المحتلة، بما فيها اللبنانية، “قرار الضم” الذي طبقته في الجولان السوري، وتُلحق “الغجر” اللبنانية بمزارع شبعا اللبنانية التي ترفض الانسحاب منها أيضا.

إزالة الحاجز وحده كان كفيلاً بالتنبه والتيقظ لما ستقوم به “إسرائيل” من خطوة لاحقة، فالمثل المشهور عن فنّ الحرب يقول: “لا تدع عدوك يعلم خطوتك القادمة”، بينما قام كيان الاحتلال بالتمهيد لنواياه القادمة، ربما كجس نبض لما قد يحدث لاحقا، فهو كان يخفي قراراً ضمنياً أو معلنَاًّ بأن هناك نية وقراراً بالضم في الوقت الذي يجده مناسبا.

هذا، ورغم صغر حجمها، تشكّل قرية الغجر محط اهتمام لأنظار العالم، وهي بمثابة قنبلة موقوتة، إذ قال الصحافي الإسرائيلي أليكس فيشمان: “إنّ أحد الأماكن الوحيد في الشرق الأوسط الذي يمكن لإطلاق النار على جرافة فيه أن يؤدي إلى تدهور إقليمي في أيامنا هذه، هو في قرية الغجر الواقعة في زاوية مهملة في أطراف هضبة الجولان التي ضُمت إلى إسرائيل خطأ، وإنّ هذه القرية الصغيرة التي يقطنها أقل من ألفي شخص، هي اليوم مركز اهتمام دولي، وإحدى النقاط الساخنة في الكرة الأرضية”. (2)

*كاتبة فلسطينية

*مصادر:

1- موقع النهار العربي، مقال: قرية “الغجر” المحتلّة: ثلاثة حدود… التّاريخ لسوريا والجغرافيا للبنان والسّيطرة لإسرائيل

2- صحيفة يديعوت أحرونوت


وسوم :
, , , , , , , , , , , , , , , , ,