الغزو البري بين تردّد “نتنياهو” وهواجس “بايدن” وترحيب “القسّام”

التصنيفات : |
أكتوبر 24, 2023 6:02 ص

*أحمد حسن

لم يعد الأمر أحجية كبرى لا يمكن فك ألغازها، فبعد مرور هذه الأيام العديدة على “طوفان الأقصى” ومجرياته وتوابعه المتواصلة، أضحى واضحاً للجميع أنّ “تل أبيب” ومعها واشنطن عالقتان بين حدين متنافرين لا ثالث لهما: أولهما، أنّه لا إمكانية فعلية لاستعادة موقف ومكانة “إسرائيل” -ومعها هيبة واشنطن أيضا- قبل السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الحالي إلا بعملية برية كاسحة وناجحة، وثانيهما، أنّه دون هذه الأخيرة مخاطر وخسائر لا يمكن لأحد تقديرها، وبالتالي لا يمكن لأحد تحمّل نتائجها، وذلك هو بعض مبررات هواجس بايدن -بعضها يتعلق بأولويات أمريكا الاستراتيجية وبعضها يرتبط بموقفه الانتخابي الداخلي- وسبب تردّد نتنياهو الواضح والفاضح.

هنا، في تلك المراوحة القلقة بين الإقدام والإحجام، يبدأ تجلّي معالم الانحدار في القوة والمكانة. القصف الجوي الوحشي، الجنون والإجرام، زيارة بايدن شخصيا، كلّها، وسواها، صور معبّرة لهذا الانحدار، بذلك فقط نفهم تذرّع جيش قيل لنا على مدى عقود طويلة أنّه لا يُقهر بحجج واهية مثل “سوء الأحوال الجوية” للهرب من الاشتباك البري المباشر مع العدو، وبذلك أيضاً تصبح ظواهر أخرى مفهومة على حقيقتها المبطّنة وليس بمدلولها اللفظي المباشر.

لأول مرة في تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي (الغربي) تُبنى “الخيام” لكن، للقاتل وقطعانه من المستوطنين وليس للضحايا فقط، وذلك إنجاز له ما بعده بالتأكيد

هنا مثلاً يصبح لـ”تهديدات” نتنياهو العنترية ضد لبنان كدولة، أو الاعتداء المتتالي على مطارات سوريا الرئيسية، وظائف عدة مضمرة، فإضافة إلى وظيفتها الأولى في إثارة البيئة اللبنانية الواسعة ضد حزب الله وبالتالي تحقيق ردعه بالتهويل، إلا أنّها -وشأنها في ذلك شأن العدوان على المطارات- تقوم أيضاً بوظيفتين أساسيتين: أولهما، تحقيق نوع من التعويض النفسي الجمعي عن الهيبة المهدورة على أبواب غزة، وثانيهما، وهذا الأهم، وظيفة الاستدعاء شبه العلني، والملح، لقيام حرب تقليدية، معتادة إسرائيليا، مع “دولة واضحة” ومحدّدة المعالم “تسكن” أهدافها فوق الأرض ويمكن معرفة نقاط قوتها وضعفها ومواقعها العسكرية والاستراتيجية وتدميرها وبالتالي يمكن تحديد طبيعة الانتصار بها، لا الاستمرار في حرب غريبة مع تنظيم هلامي، “يتوق” فعلياً للحرب البرية، و”يسكن” تحت الأرض ليخرج فوقها في الزمان والمكان الملائمين له، ثم تكون النتيجة لذلك بعض ما نراه الآن، فلأول مرة في تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي (الغربي) تُبنى “الخيام” لكن، للقاتل وقطعانه من المستوطنين وليس للضحايا فقط، وذلك إنجاز له ما بعده بالتأكيد.

هذه إذاً سمة المرحلة الحالية من الصراع، مراوحة قلقة في المكان، وذلك ليس فقط حال “إسرائيل” ونخبها السياسية والعسكرية، على تباين بسيط في ما بينها، بل هو أيضاً حال واشنطن ذاتها وإن كانت هذه الأخيرة تكاد تعلن ضرورة استبعاد خيار المعركة البرية خاصة مع اتضاح تهافت تهويلاتها بحاملات الطائرات التي سقطت فعلياً أمام جدية تفعيل قرار “وحدة الساحات” وتحديداً عند حزب الله، باعتبار تصرفاته المعبّر الحقيقي عن هذا القرار، والذي قالت بصدده وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا قبل مغادرتها بيروت: “ستكون توصيتي للرئيس إيمانويل ماكرون بأنّ الحرب قائمة بين لبنان وإسرائيل. صمت حزب الله لا يمنع من الاستنتاج بأنّه يتجهّز لحرب قاسية. والخط الأحمر عنده هو بالضبط ما تريد حكومة إسرائيل تجاوزه في حربها ضد حماس”.

لكن من يضمن رجلاً مثل نتنياهو يعرف جيداً أنّه دون نصر كبير وواضح سيخرج من رئاسة الوزراء إلى السجن أو النسيان على أقل تقدير؟

ذلك، وسواه من عوامل أخرى بالتأكيد، هو ما دفع بوزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن للتخفيف من لهجته الهجومية التي رافقته في الأيام الأولى، حين قال أول أمس إنّ “الحاملات والبوارج جاءت للردع لا للاستفزاز، وإنّ حكومته لا تريد تصعيدا، لكنّها ستردّ على أي استهداف تتعرّض له قواتها!”، وذلك أيضاً مغزى منح “إسرائيل” شيكاً على بياض لارتكاب المجازر وتدمير كامل غزة وتهجير أهلها ولكن من الجو لا البر، على ما قال اللواء الاحتياطي، غيورا أيلاند، الذي اعتبر -بحسب ما أوردته صحيفة الأخبار اللبنانية- في مقال في صحيفة “يديعوت أحرونوت”، أنّ “الخيار الوحيد أمام إسرائيل هو تحويل غزة إلى مكان غير قابل للحياة مؤقتاً أو بشكل دائم. التسبب بأزمة إنسانية حادّة هو وسيلة ضرورية لتحقيق غايات الحرب… ستصبح غزة مكاناً لا يستطيع أيّ كائن حي العيش فيه”، فذلك هو، على ما يبدو، شكل النصر الممكن والوحيد أمام فريق الحرب الأمريكي – الإسرائيلي.

بيد أنّ السؤال الرئيس يبقى هو ذاته: هل يعني كل ما سبق أن لا حرباً برية قادمة؟، البروفة الأولى التي أجراها جيش العدو أول أمس كانت مخيبة لآماله ومؤيدة لموقف واشنطن، لكن من يضمن رجلاً مثل نتنياهو يعرف جيداً أنّه دون نصر كبير وواضح سيخرج من رئاسة الوزراء إلى السجن أو النسيان على أقل تقدير؟، وتلك معادلة مميتة لرجل السياسة الإسرائيلية، فلمن الكلمة الفصل في النهاية؟.. ذلك هو سؤال الأيام القادمة الكبير والوحيد.

*كاتب سوري


وسوم :
, , , , , , , , , , , , , , ,