معركة على الوعي.. السلاح والكلمة في خندق واحد

التصنيفات : |
ديسمبر 14, 2023 8:36 ص

*سنان حسن

في الوقت الذي يخوض فيه مقاتلو فصائل المقاومة الفلسطينية حرباً لا هوادة فيها مع المحتل الإسرائيلي على الأرض في غزة وشوارعها وأزقتها، تدور في الفضاء الإلكتروني حرباً من نوع آخر تسعى فيها “إسرائيل” مدعومة بكبرى شركات التكنولوجيا والميديا في العالم لكسب معركة المحتوى والرواية الخاصة بالحرب وتعميمها، حيث لم توفر لحظة واحدة في هذا المجال، ولكن لغاية الآن ورغم فارق الإمكانيات والقدرات اللوجستية على الأرض تبدو الرواية الفلسطينية صامدة وتقاوم وتسجل حضورها بكل قوة، ولعل ما تشهده العواصم الأوروبية والأمريكية من مسيرات شعبية ضخمة منددة بالعدوان الإسرائيلي على غزة يؤكد ذلك.. ما جرى في لندن أكبر مثال.

إنّ (جبهة التوعية) لا تقل أهمية عن ساحات القتال، ووصفتها صحيفة يديعوت أحرونوت بـ”المعركة على الوعي” لدورها في اختراق الفضاء الإفتراضي وإيصال صداها إلى كل العالم

مع بداية معركة طوفان الأقصى كان واضحاً أنّ “إسرائيل” لديها تحد آخر بعيد عن المواجهة العسكرية على الأرض، إذ اكتشفت منذ اللحظة الأولى مستوى التعاطف الشعبي العربي والإسلامي والعالمي مع ما قامت به عناصر المقاومة من عمليات بطولية على الأرض، ووفق صحيفة “يديعوت أحرونوت”، فإنّ (جبهة التوعية) لا تقل أهمية عن ساحات القتال، ووصفتها بـ”المعركة على الوعي” لدورها في اختراق الفضاء الإفتراضي وإيصال صداها إلى كل العالم. ولعل في الانتشار الكبير لمشاهد اقتياد الجنود الإسرائيليين من إحدى الثكنات التي دخلتها المقاومة نموذج عن الصورة التي حاولت “إسرائيل” محوها من محركات البحث ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث قامت “ميتا” الشركة المالكة لموقعَي فيسبوك وإنستغرام لاحقا، بحذف هذه الصورة وتقييد الحسابات التي قامت بنشرها، في ما تولت قناة الـ CNN تشويه صورة المقاومة على الأرض والترويج لرواية أنّ عناصرها قتلوا أكثر من 40 طفلاً إسرائيليا، أما التشويه الأكبر لصورة المقاومة فقد كان من واشنطن نفسها وعبر رئيسها جون بايدن من خلال تشبيه أفعال المقاومة بالعمليات الإرهابية التي قام بها تنظيم “داعش” الإرهابي، ورغم ذلك بقيت الرواية الفلسطينية صامدة وتتقدّم.

جيش متخصص

طبعاً العمل الإسرائيلي لشن حرب عبر الفضاء الإلكتروني، لم يأتِ من فراغ فـ”إسرائيل” تدرك أنّ السيطرة على الرأي العام في أي حرب تخوضها هو انتصار مكمّل لانتصارها العسكري، لذا، فقد استعانت بـ”جيش إسرائيل الإلكتروني” مدرب ومتخصص لمواجهة الرواية الفلسطينية والترويج لروايته بهدف التأثير في الرأي العام العالمي، هذا الجيش الذي تمّ بناؤه في أهم مراكز الأبحاث والجامعات الإسرائيلية حيث تتخصص جامعة رايخمان في مركز أبحاث الأمن القومي – هرتسليا في ذلك.

قام العديد من الجمعيات اليهودية حول العالم بتنظيم مبادرات لنسف المحتوى الفلسطيني، ومنها ما يُعرف باسم “المقر الدعائي المدني” الذي أنشأه الصحافي السابق إلياف باتيتو الذي يقوم بتجنيد متطوعين لتوزيع المحتوى والمضامين

دون أن نغفل الحملات التي قامت بها المنظمة الصهيونية العالمية بتنظيمها دعماً لـ”إسرائيل” ووجودها على أرض فلسطين المحتلة، حيث قام العديد من الجمعيات اليهودية حول العالم بتنظيم مبادرات لنسف المحتوى الفلسطيني، ومنها ما يُعرف باسم “المقر الدعائي المدني” الذي أنشأه الصحافي السابق إلياف باتيتو الذي يقوم بتجنيد متطوعين لتوزيع المحتوى والمضامين، والذي استطاع تجنيد أكثر من 400 متطوعاً نشطوا لترجمة المحتوى وتحريره بصرياً وتخطيطه، ليقوم مئات المتطوعين الآخرين بنشر المحتوى على شبكات التواصل الاجتماعي، في حين وصف الصحافي نافو تربلسي مراسل شؤون التكنولوجيا والإنترنت في صحيفة “غلوبس”، “ما يقوم به المتطوعون والكوادر الإسرائيلية بأنّه “حرب الاستقلال الثانية”. لكسب معركة الرأي العام العالمي.

محاصرة المحتوى

في موازة العمل الإعلامي والترويج والتسويق الذي تقوم به الخارجية الإسرائيلية واللوبيات التي تعمل وفق رؤيتها، كان العمل الذي قامت به الشركات الإعلامية الكبرى ومنصات التواصل الاجتماعية التي تدور في الفلك الصهيوني لا يقل أهمية عن ذلك ، إذ ساهمت هذه الشركات بالتعتيم بشكل كبير على المحتوى الفلسطيني في منصات شركة ميتا التي حذفت وقيّدت ملايين الحسابات ووضعت شروط جديدة للنشر تتعلق بالخوارزميات وما إلى ذلك يرتبط بالنشر على هذه المنصات، كما قامت منصة تيك توك بحذف أكثر من مليون ونصف فيديو من حساباتها تحت ذريعة محتوى عنيف، في ما كانت شروط تلغرام ومنصة إكس أقل وطأة من باقي المنصات والتي سمحت بنشر المحتوى الفلسطيني والتقديم له دون الخوف من الحظر أو التقييد، ولكنّ “إسرائيل” قامت بالتفاف على هذا السماح من  خلال شركة غوغل العملاقة والضغط من بوابة متجر التطبيقات (غوغل بلاي) التي عمدت إلى إيقاف الحسابات التي تتعامل بمنتجاتها مما أدى إلى إغلاق آلاف الحسابات رغم سماح الشركة ولكن لمجرد استخدامهم لتطبيقات من “غوغل بلاي” تقوم بنشر محتوى لا توافق عليه تمّ حظره ومنها صفحات “سرايا القدس” الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي والناطق باسم حركة حماس وغيرها من القنوات على تلغرام.

بالأرقام

-في الأسبوع الأول للحرب على غزة، أجرت طواقم وزارة الخارجية “الإسرائيلية” جلسات إحاطة لـ250 مراسلاً أجنبيا، وأكثر من 640 مقابلة مع وسائل الإعلام الدولية بمختلف اللغات لتشويه الرواية الفلسطينية ومحاربتها.

-تم نشر نحو ألف منشور وتغريدة باللغات الإنجليزية والإسبانية والعربية والفارسية والروسية، والتي حصلت على أكثر من 320 مليون مشاهدة.

-صدر أكثر من 80 بياناً رسمياً لإدانة حماس ودعم “إسرائيل” من مختلف البلدان، وفق صحيفة “غلوبس” الإسرائيلية.

حسب موقع غوغل لشفافية الإعلانات، فقد اختارت الخارجية الإسرائيلية موقع يوتيوب لنشر نحو 100 مقطعاً دعائياً للترويج للرواية الإسرائيلية التي تربط في أغلبها بين حركة حماس والإرهاب

-أنفقت الخارجية الإسرائيلية ملايين الدولارات لدعم روايتها عن الحرب في غزة حيث أنفقت  أكثر من 13.5 مليوناً دولار على الدعاية في أوروبا على النحو التالي:

أ- فرنسا: أعلى الدول بنسبة إنفاق بلغت 8.4 ملايين دولار، وبلغ عدد ظهور المقاطع الدعائية فيها أكثر من 959 مليون مرة.

ب- ألمانيا: بلغ حجم الإنفاق 3.8 مليون دولار، ومرات الظهور على منصة يوتيوب أكثر من 459 مليون مرة.

ج- المملكة المتحدة: وصل حجم الإنفاق 1.3 مليون دولار، وعدد ظهور المقاطع الدعائية أكثر من 274 مليون مرة.

-حسب موقع غوغل لشفافية الإعلانات، فقد اختارت الخارجية الإسرائيلية موقع يوتيوب لنشر نحو 100 مقطعاً دعائياً للترويج للرواية الإسرائيلية التي تربط في أغلبها بين حركة حماس والإرهاب.

معركة مصيرية

على الرغم من كل الأصوات التي طالبت بالتركيز على الميدان ودعم المقاومة والمقاومين وترك هذه الأمور الثانوية لما بعد الانتصار، إلا أنّ معركة الوعي وكسب الرأي العام هي معركة هامة ومحورية في طريق النصر، ولا أدل على ذلك سوى التأثير الذي أحدثه المتحدث باسم كتائب عز الدين القسام أبو عبيدة عند ظهوره على قناته على التلغرام والمتابعة الكبيرة التي يتحصل عليها خلال عرضه لأهم مجريات المعركة حيث منعت وزارة الاتصال الإسرائيلية التعامل مع خطابه في أي وسيلة إسرائيلية، والأمر ينطبق أيضاً على شبكة الميادين الإعلامية حيث أغلق الاحتلال مكاتبها ولاحق وصادر معدات وأجهزة صحافيي الشبكة في الداخل الفلسطيني في ما قام باغتيال صحافييها على الحدود اللبنانية – الفلسطينية، دون أن نغفل المعركة النفسية الكبرى التي يقودها السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله من خلال ظهوره الإعلامي قبل وأثناء الحرب، ما يؤكد أنّها معركة مصيرية وهامة ولا بد من الانتصار فيها لتكتمل راية النصر.. وكما انتصر المقاومون بأجسادهم وبنادقهم في مواجهة أعتى الأسلحة الفتاكة في العالم، أيضاً سينتصر المحتوى والرواية الفلسطينية.

*كاتب سوري


وسوم :
, , , , , , , , , , , , , , , , ,