الكيان الصهيوني أداة استخدام للغرب منذ أكثر من ألف عام

التصنيفات : |
يناير 17, 2024 8:32 ص

*وفيق الهوّاري – صمود:

103 أيام مرت على جريمة الإبادة الجماعية التي يرتكبها الكيان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، سقط خلالها وحتى تاريخه وحسب المرصد الاورومتوسطي لحقوق الإنسان، نحو 100  ألف فلسطيني ما بين شهيد وجريح ومفقود، أي بمعدل 1000 فلسطيني يوميا، وما نسبته 92% منهم مدنيون. لقد استُشهد، حتى تاريخه 24100 مواطن 295 عاملاً في المجال الصحي، 41 عاملاً في الدفاع المدني و113 صحافيا، ، في ما وصل عدد المصابين إلى 60834، 70% من الضحايا هم من النساء والأطفال.

وبلغ عدد النازحين من منازلهم  قسراً 1.955.000 من دون توفّر ملاجىء آمنة لهم، وهم يشكّلون 85% من إجمالي السكان.

سقط كل هؤلاء على أيدي من يقودهم نتنياهو الذي يعلن أنّه وكيانه يحاربون أعداء الحضارة الغربية، ويصف الفلسطينيين والعرب والمسلمين أنّهم يسعون إلى الطغيان والإرهاب والعنف والظلام.

هو وحسب تعبيره، يدافع عن الحضارة الغربية التي يسمّيها جودي كريستان “الحضارة اليهودية المسيحية“.

لم تتوضح الصورة بين فكرة الكيان الصهيوني لتجميع اليهود في كيان واحد، وبين التعاون مع الغرب دفاعاً عن الحضارة الغربية

يجري الترويج لهذا الخطاب في حين أنّ التعبئة الصهيونية تدعو اليهود للتجمع في كيان واحد كي لا يعانون من معاداة السامية.

لم تتوضح الصورة بين فكرة الكيان الصهيوني لتجميع اليهود في كيان واحد، وبين التعاون مع الغرب دفاعاً عن الحضارة الغربية.

لنعد إلى التاريخ قليلا، وقبل الدعوة إلى الحروب الصليبية في أواخر القرن الحادي عشر، كان اليهود الأوروبيون يعيشون حياة هادئة ومستقرة نسبيا، وكان هناك اختلاط بين فئات المجتمع ومكوّناته، لكنّ ذلك لا يلغي حصول مشكلة هنا وأخرى هناك.

وكان رجال الدين المسيحيون أصحاب الكنيسة، مالكة السلطة آنذاك، يقولون نحن أصحاب البلد والسلطة لنا. في حين يشير اليهود الأوروبيون إلى أنّهم شعب الله المختار وعلى الآخرين التعامل معهم باحترام.

خلال شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 1095، دعا البابا أوربان الثاني الناس.. كل الناس للمشاركة في حملة صليبية كي يحرروا الناس المقيمة في القدس والمناطق المسيحية المقدسة في الشرق.

كانت للحملات الصليبية أهداف إستعمارية إقتصادية لكنّ أصحابها كانوا بحاجة الى خطاب تهييجي لمختلف الفئات من الأمراء والإقطاعيين إلى الفلاحين ليشاركوا بالحروب الصليبية لتحرير الأراضي المسيحية المقدسة.

بدأوا حربهم بقتال المسيحيين في أنطاكية، واستدعت هذه السياسات محاربة ما يمكن اعتباره عدواً داخلياً حاضراً في الكيانات الأوروبية الموجودة آنذاك

هذه الحروب ذات البعد الإستعماري، والتي استمرت قرنين، غّيرت الكثير من جغرافيا المنطقة العربية ومن وقائع البنية الإجتماعية فيها، وكذلك غيّرت مجرى التاريخ الإجتماعي والثقافي في أوروبا نفسها وأدت إلى نتائج خطيرة، إذ أحدثت تغييراً في الأيديولوجيا وفي الثقافة أيضا، وساد خلالها وبعدها سياسات التعصب والإنغلاق ومنها نظرية محاربة العدو الخارجي المتمثّل بالمسلمين في الشرق، لكن بدأوا حربهم بقتال المسيحيين في أنطاكية، واستدعت هذه السياسات محاربة ما يمكن اعتباره عدواً داخلياً حاضراً في الكيانات الأوروبية الموجودة آنذاك. وجرى تحديد العدو الداخلي بكل المجموعات التي لا تنال رضى السلطات التي كانت تحكم أوروبا ونعني بها الكنيسة.

سطوة الكنيسة والتمييز ضد اليهود

في تلك الفترة، صدرت قرارات كنسية بأنّ على المجموعات اليهودية أن ترتدي لباساً خاصاً بهم، وأن يسكنوا في أحياء خاصة منفصلة عن الأحياء الأخرى، أي أن يعيشوا في غيتو خاص بهم في كل منطقة. كما صدرت قرارات تمنعهم من العمل في مهن سائدة آنذاك، والسماح لهم بالعمل في مهن تراها الكنيسة أنّها محرّمة على المسيحيين، لكنّها تؤمّن دخلاً لأصحاب السلطات، سُمح لهم بالربا، بالإضافة إلى جباية الضرائب من الناس لمصلحة أهل السلطات. هذه القرارات حوّلت المجموعات اليهودية في أوروبا إلى مجموعة ذات وظيفة محددة، أدوات تُستخدم من قِبل السلطات آنذاك، وحين تنتهي هذه المنفعة يتمّ طردهم أو قتلهم. ولم تقتصر هذه السياسة على الجانبين الإقتصادي والإجتماعي بل استُخدمت في المجال الثقافي- الفني إذ صار يتمّ رسم اليهود بشكلٍ نمطي خاص، من يراجع الرسومات في تلك القرون يرى اليهودي ذي أنف طويل ويلبس طاقية خاصة به، هو إنسان أقصر من الأوروبيين وذو بشرة داكنة مقارنة مع بشرة الأوروبيين، والترويج لنظرية أنّ اليهود مجموعة عرقية وليسوا أصحاب دين.

بعد عام 1293، وانتهاء الحملات الصليبية بالخسارة، كانت علاقة اليهود بالمجتمعات الأوروبية علاقة سطحية وتحوّلت المجموعات اليهودية إلى مكوّن يعمل بجباية الضرائب والإستدانة.

أدت الحروب الصليبية إلى أزمات إقتصادية بسبب كلفة الحروب، مع رفع الضرائب وجبايتها من قِبل اليهود لمصلحة ملوك أوروبا والكنيسة، أي أنّ الملوك كانوا يستخدمون اليهود ويحمّلونهم مسؤولية ارتفاع الضرائب واتهامهم بالشر، وعندما تحصل تحركات وثورات يلجأ أصحاب السلطات إلى تحميل اليهود مسؤولية الضرائب وأدى ذلك إلى طردهم مراراً من أماكن وجودهم.

طردوا مئات الألوف من المسلمين ونحو 100 ألف يهودي توجّهوا إلى بلاد المغرب العربي الواسع، ولجأ بعضهم إلى أراضي السلطنة العثمانية التي استقبلتهم بالترحاب

تجدر الإشارة هنا إلى أنّه بعد  سقوط الأندلس عام 1492، اتّبع الملوك الأسبان الكاثوليك سياسة متعصبة بهدف القضاء على التنوع الديني والعرقي والحضاري الذي كان مهيمناً في الأندلس ولجأوا إلى اضطهاد الناس الذين هم من أصول مسلمة ويهودية أو كانوا من عرق آخر. طردوا مئات الألوف من المسلمين ونحو 100 ألف يهودي توجّهوا إلى بلاد المغرب العربي الواسع، ولجأ بعضهم إلى أراضي السلطنة العثمانية التي استقبلتهم بالترحاب، وتوجّه عدد قليل منهم إلى هولندا وبولندا اللتين اتّبعتا سياسات متسامحة مع أصحاب الدين اليهودي حتى القرن التاسع عشر.

التمييز العرقي ومعاداة السامية

بعد انتصار الثورة الفرنسية وبداية القرن الثامن عشر، سادت سياسة المساواة وتعاطت فرنسا مع اليهود كمواطنين بدون أي تمييز.

ولكن بعد ذلك، شهدت أوروبا صعود الفكر القومي أي أنّ الشعب في كيان ما، يجب أن يكون من عرق واحد، وكان الألمان يجدون أنّ العرق الأري الذي ينتمون إليه هو الأسمى وأنّ الأعراق الأخرى مثل العرب والأفارقة والآسيويين واليهود هم من مستويات أدنى. وكان اليهود المقيمون في أوروبا أول المستهدفين حتى لو غيروا دينهم، إذ اعتمد الألمان وآخرون من أوروبا المقياس العرقي، وهنا نشأت نظرية معاداة السامية التي يمثّلها اليهود.

ساد هذا الخطاب العنصري العرقي ليشكّل خطاباً إنتخابياً لكسب المؤيدين والناخبين، وهو نفس الخطاب الذي تحمله الآن أحزاب اليمين المتطرف التي تعادي المسلمين والمهاجرين من أعراق مختلفة.

وقد تعرّض اليهود للطرد من فرنسا ما بين عام 1080 وعام 1806 ست مرات.

وفي إنجلترا جرى طردهم أربع مرات ما بين عام 1188 وعام 1510.

وفي بولندا مرة واحدة عام 1407.

وفي ألمانيا مرتان عام 1570 وعام 1933.

وفي سويسرا تمّ طردهم خمس مرات ما بين عام 1298 وعام 1701 وكان طرداً كاملاً بموجب مرسوم فيليب الخامس.

وفي أسبانيا جرى طردهم ثلاث مرات، وكان قرار طردهم عام 1492 على أنّه طرد إلى الأبد.

كما جرى طردهم من بلدان أوروبية أخرى بعد أن تمّ استخدامهم لمصلحة السلطات.

كان نشوء مذهب البروتستانت المسيحي عاملاً مساعداً لليهود أصحاب نظرية شعب الله المختار، ومن هنا نشأت نظرية الصهيونية المسيحية التي ساهمت بإنشاء الصهيونية اليهودية.

وعى الغرب الإستعماري لأهمية الأيديولوجيا والميثولوجيا في شد عصب الأقليات فقدّم الدعم الكامل لبناء كيان صهيوني يجمع الناس على أساس ديني لكنّ وظيفته الأساسية هي حماية مصالح الغرب الإستعماري

وفي أواخر القرن التاسع عشر، وفي ما الإمبراطورية العثمانية تتهاوى، كانت بريطانيا وفرنسا وغيرها من دول الغرب الإستعماري يخططون لوراثة العثمانيين وتقاسم أراضي السلطنة، وذلك للسيطرة على ثروات المنطقة الطبيعية والإستمرار في تقسيم أراضيها، ولما كان تاريخ اليهود يقوم بخدمة مصالح الغرب، فكانوا على استعداد للقيام بأي دور مطلوب منهم، والغرب الإستعماري وعى لأهمية الأيديولوجيا والميثولوجيا في شد عصب الأقليات فقدّم الدعم الكامل لبناء كيان صهيوني يجمع الناس على أساس ديني لكنّ وظيفته الأساسية هي حماية مصالح الغرب الإستعماري ويكون قاعدة عسكرية له مستعدة للتدخل العسكري والأمني لضبط مصالح الغرب.

وإذا كانت سياسة الغرب في القرون الماضية تقوم على أساس أنّ العرق هو أساس الوطن، ويجب طرد الآخرين، فإنّ أصحاب الكيان الصهيوني جعلوا من الدين أساس وطنهم المتخيّل، وأنّ هذه الأرض بدون شعب ويجب الإستيلاء عليها.

كانوا أدوات للغرب الإستعماري وما زالوا، وعند حدوث “طوفان الأقصى” في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، والذي أظهر هشاشة هذا الكيان، سارع الغرب الإستعماري بكل مكوناته لدعم الكيان الصهيوني ومدّه بكل ما يلزمه ليبقى أداة له في المنطقة، ويكرر حرب إبادة جماعية لأصحاب الأرض، كما فعل الغرب الإستعماري بعد اكتشاف القارة الجديدة التي سُمّيت أمريكا عام 1492 وقيامه بحروب إبادة لشعوبها الأصليين.


وسوم :
, , , , , , , , , , , , , , , , ,