العدوان على غزة: أعياد وأعراس مؤجلة لما بعد الحرب

التصنيفات : |
مارس 27, 2024 7:00 ص

*حمزة البشتاوي

تحوّل قطاع غزة بفعل العدوان الإسرائيلي الهمجي، من غابة الإسمنت إلى غابة من الخيام، ولكن غزة ما زالت ترفض الموت والإنكسار، وتقدّم  بشجاعة فائقة، حصصاً جديدة في دروس الحب، باعتباره من معجزات البقاء والشفاء، معلنة للعالم حقّها في الحياة، رغم قلة الناصر وكثرة الخذلان.

وغزة الحزينة في الواقع والجميلة في الذاكرة، تعتبر الحب وصناعة الفرح والأمل، من أهم مصادر القوة لديها، وترفع من خلاله منسوب بطولة الصبر الذي يساهم في هزيمة القهر والخوف، وأسلحة الدمار الشامل التي جاءت كي تنسف الذكريات والأحلام، وقصص الحب المليئة بالتحدي والاصرار.

وغزة التي لا تعرف المستحيل، ما زالت تحلم بالمعجزات، وتحاول نشر الفرح بأعراس موعودة، لم تغادر قلوب المحبين وذاكرتهم عن الأعياد والأعراس في غزة، التي كانت تبدأ بحجز صالة الأفراح واستئجار أو شراء الملابس والإكسسوارات، وترتيب المنزل الجديد، وحفل الزفاف الذي غالباً ما يكون بالنكهة البدوية والدبكة، خاصة الدحية والدلعونا وغيرها من ألوان التراث.

لكنّ الأعراس المشتاقة لغزة حضرت خلال الحرب، في الخيام والمدارس التي تحولت إلى مراكز إيواء، وكُتب على سبورة الصفوف الدراسية، بطاقة الدعوة للفرح الذي حضره من بقي من الأهل والأصدقاء على قيد الحياة

واليوم بفعل حرب الإبادة الوحشية أصبحت المناسبات والأعياد فرصة للقليل من الفرح المفقود على وجوه الناس والأطفال الذين سوف يستقبلون العيد بلا أراجيح وبلا رائحة الكعك و المعمول، مع انتظار  التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار للخلاص من حرب صبغت كل أيامهم ومناسباتهم بلون الدم كما أنّ الكثير من الأعراس تأجلت، وبطاقات دعوة ألغيت بسبب إستشهاد أصحابها، وعدد كبير ممن كانوا مدعوين، وأيضاً المغنين الذين كانوا سيشاركون بإحيائها، إضافة لتدمير صالات الأفراح.

ولكنّ الأعراس المشتاقة لغزة حضرت خلال الحرب، في الخيام والمدارس التي تحولت إلى مراكز إيواء، وكُتب على سبورة الصفوف الدراسية، بطاقة الدعوة للفرح الذي حضره من بقي من الأهل والأصدقاء على قيد الحياة، بلا زفة أو فستان أو خواتم وطعام وحلويات، ولكن أهل غزة ما زالوا يصنعون فرحاً قليلاً لأنفسهم لمواجهة المعاناة الكبيرة، في إصرار على تحدي ما صنعته الحرب من مأساة وويلات.

أُقيم داخل أحد مراكز الإيواء عرس حضره عدد من (النازحين) وانطلقت فيه زغاريد النساء، والأغاني الثورية والتراثية، محاولة التغطية على أصوات القصف الشديد الذي لم يتوقف دقيقة واحدة، موجهين رسالة للاحتلال، بأنّهم صامدون حتى النهاية

وكان قد أُقيم داخل أحد مراكز الإيواء عرس حضره عدد من (النازحين) وانطلقت فيه زغاريد النساء، والأغاني الثورية والتراثية، محاولة التغطية على أصوات القصف الشديد الذي لم يتوقف دقيقة واحدة، موجهين رسالة للاحتلال، بأنّهم صامدون حتى النهاية، ولا يخشون الموت الذي يحاول الاحتلال نشره على كل شبر من أرض قطاع غزة المحاط بالدمار والحصار.

وقد عجز الاحتلال عن هزيمة الأعياد والأعراس والحب الحاضر على شكل إبتسامة صغيرة، أو كلمة صامتة دافئة تحت القصف.

وبالحديث عن الأعراس المؤجلة أو الملغاة بسبب إستشهاد أحد العروسين أو الإثنين معاً في غزة، قام عدد من العرسان في عدد من المدن الفلسطينية والعربية والإسلامية، بالإبتعاد كلياً عن إقامة الاحتفالات الكبيرة بالأعياد والأعراس التي باتت تقتصر على  حفل عائلي بسيط متواضع، لأنّ الفرح يبقى منقوصاً بسبب العدوان على غزة، وقد أصدرت شخصيات سياسية وإجتماعية ودينية مواقف تدعو لأن تكون الأعياد الأعراس و كافة المناسبات، عبارة عن اجتماع للعائلة فقط، وبشكل مختصر، تضامناً مع أهالي غزة، الذين تُزهق أرواحهم وتُهدم بيوتهم وتُقصف مدنهم وتُباد عائلاتهم، ولذلك لا يمكن أن يكون الفرح كاملا، مع أنّ الفرح القليل في غزة اليوم، يجسد أرادة الشعب الفلسطيني ورغبته بالحياة والإنتصار على آلة الحرب الإسرائيلية.

وفي غزة حيث يولد الإنسان ويستشهد، وتُقام الجنازات والأعراس على عجل، وبشكل بسيط جداً كما يفعل أهالي غزة، على سبيل مقاومة القهر والأكفان وسرقة الأحلام.

وفي هذا تأكيد على أنّ غزة ستبقى دائماً وأبداً كما قال الشاعر محمود درويش: “أشدنا قدرة على تعكير مزاج العدو وراحته، لأنّها كابوسه، لأنّها برتقال ملغوم، وأطفال بلا طفولة، وشيوخ بلا شيخوخة، ونساء بلا رغبات، لأنّها كذلك فهي أجملنا وأصفانا وأغنانا وأكثرنا جدارة بالحب.

*كاتب وإعلامي


وسوم :
, , , , , , , , , , , , , ,