استهداف “القنصلية”: استدعاء الحرب الكبرى

التصنيفات : |
أبريل 4, 2024 7:00 ص

*أحمد حسن

لا يختلف اثنان على أنّ استهداف القنصلية الإيرانية في دمشق لم يكن إلا دليلاً آخراً على حاجة “إسرائيل” الماسة لحرب إقليمية تجرّ إليها واشنطن، ومعها الغرب السياسي -بحكم عملية التخادم المتبادلة- ليس للتعويض فقط عن فشل معتاد في غزة فهذا أمر كان يمكن تحمّله في فترات سابقة، على غرار فشلها في لبنان “تموز 2006″، بل لوعيها العميق بأنّ ما يحدث الآن هو أكبر من مجرد فشل آخر يمكن استيعابه بتغيير بعض القادة والاكتفاء بتلقّي لوم “فينوغراد” آخر، بل إنّه يرتقي إلى مستوى الهزيمة المؤسّسة لبداية الخراب الجديد.

ذلك مثلاً ما يفضحه “تبجّح” وزير حرب الكيان الصهيوني، يوآف غالانت، بعملية استهداف القنصلية أمام الكنيست الإسرائيلي -وإن لم يتبنّها رسميا- حين قال: “نعمل في كل مكان وكل يوم، من أجل منع ازدياد قوة أعدائنا، ولكي نوضح لكل من يعمل ضدنا، في جميع أرجاء الشرق الأوسط، أنّ ثمن العمل ضد إسرائيل سيكون ثمناً باهظا”، فهذا الكلام، وإن كان يحمل في ظاهره القوة والعزم، إلا أنّه يخفي في باطنه استشعار دقيق لحجم المخاطر التي يشكّلها “ازدياد قوة أعدائنا” وتكاثرهم وإصرارهم على “العمل ضد إسرائيل” رغم كل ما يحدث، وذلك مثلاً ما كشفه قوله في نفس المناسبة: “في كل يوم نتلقّى أدلة على أنّنا في حرب متعددة الجبهات، دفاعاً وهجوما”.

وبالطبع، فإنّ هذا العدوان على خطورته وتفرّده من حيث انتهاكه الفاضح للحصانات الدبلوماسية، لم يكن الأول في مسيرة “إسرائيل” الهادفة لتغيير قواعد الاشتباك السابقة، إلا أنّه الرسالة الدامية الأكثر صراحة بانتفاء وجود الخطوط الحمراء، وهو “قول” لا يمكن أن يخرج من “تل أبيب” ما لم يكن مدعوماً أمريكيا، وبالتالي فإنّ الإعلان الرسمي الأمريكي الذي أُبلغ لإيران بأنّ واشنطن تبلّغت بالغارة عندما كانت الطائرات في الجو، ولم تكن شريكة في العملية، ليس إلا محاولة مسبقة للتنصّل من التبعات القانونية الدولية -وهذه الأخيرة ورغم ضعفها التاريخي لكن سابقة “العدل الدولية” الأخيرة لا تبشّر المجرمين بالخير- لانتهاك الحصانات الدبلوماسية، من جهة أولى، ومحاولة مفضوحة، من جهة ثانية، للنأي بالنفس عن ردة الفعل الميدانية التي تعلم واشنطن جيداً أنّها آتية، لأنّ أي سكوت إيراني عنها يعني، حكما، القبول بمعادلة إسرائيلية جديدة لا تكون فيها الكلمة العليا في المنطقة لـ”تل أبيب” ومجانينها فقط، بل إنّه أيضا، أي السكوت عن الرد، يفرّغ “طوفان الأقصى” من مياهه التي غيّرت، تقريبا، وجه المنطقة الاستراتيجي.

وبالطبع، فإنّ للاستهداف أبعاداً أخرى لأنّ “خيار شمشون” الذي اتّخذه نتنياهو حين أمر به كان له شق شخصي أيضا، فالرجل الذي يرى بأم عينه مستقبله السياسي متدلّياً من على “مشنقة” غزة، يعرف جيداً أنّ أمله الوحيد بالخلاص أصبح معلّقاً على حرب واسعة تشارك فيها واشنطن ستكون أولى نجاحاتها حرف الأنظار عن الفشل في غزة، وثانيها أنّها ستنتهي حكما، نتيجة الوضع الإقليمي والدولي الحساس، بتسوية سياسية ما تضمن أمكنة للجميع وتسمح له شخصياً بالبقاء على قيد الحياة السياسية.

هذا ما يخطط له نتنياهو للمنطقة وذلك هو هدفه من استهداف القنصلية، وبالنسبة لإيران فإنّها سترد حكما، لكن ماذا عن العرب؟، بعضهم، وهذا ثابت تاريخي، سيستمر في موقفه، النظري والفعلي، الرافض للاحتلال، وبالتالي سيشارك بحسب قدرته في إزالة آثاره، ومنها آثار “استهداف القنصلية”، وبعضهم الآخر، ورغم كل مجازر غزة، ما زال يرفع رايات السلام المذلّ، أي سلام الضعفاء، وبالتالي سيستمر في التصفيق بل والمشاركة، علناً وسرا، في كل عملية تضعف المقاومة ومحورها، وهؤلاء لا يفسّر وضعهم وموقفهم شيء كما فسّره شعب الأردن حين هتف في مظاهراته الأخيرة: “كيف بدك تجيب سلام؟ وإنت حليف الأمريكان، لا تقلّي أمن وأمان، وإنت بتحمي في الكيان”، لكن هذا البعض يتجاهل أنّ الحرب الكبرى لن توفر أحدا، وأنّ بيت “الكيان” لن يستطيع أن يحميه طويلاً لأنّه، وكما أكّد “الطوفان” وقبله “تموز 2006”: “أوهن من بيت العنكبوت”.

*كاتب سوري


وسوم :
, , , , , , , , , , , , , , ,